سياسة نُشر

بوركينا فاسو تطوي صفحة الإستعمار الفرنسي

واغادوغو _ عرب جورنال 

بوركينا فاسو تطوي صفحة الإستعمار الفرنسي

بعد أن أمهلت حكومة بوركينا فاسو القوات الفرنسية الموجودة على أراضيها مدة شهر واحد لمغادرة أراضيها، أسئلة كثيرة تحضر بشأن دوافع حكومة واغادوغو، وخصوصاً في هذا التوقيت.

القرار في بوركينا فاسو ليس نابعاً من الغرف السياسية فحسب، بل أيضاً من مطالب الشعب وتوجهاته، التي عبّر عنها من خلال التظاهر ضد الوجود الفرنسي على أراضيه، باعتباره أن هذا الوجود لم يحمِهِ من موجات الإرهاب والتمرد، اللذين أزهقا الآلاف من الأرواح، بل وجود استعماري يهدف لنهب ثروات البلاد.

وسادت مرحلة توتر في العلاقات بين بوركينا فاسو وفرنسا في الآونة الأخيرة، وتصاعدت حدة الانتقادات التي سرعان ما تحولت إلى احتجاجات على الدور الفرنسي فيما يتعلق بالوضع الأمني في البلاد.

هذا القرار يأتي في ظل سلطة جديدة تحكم البلاد برئاسة، تجد في الوجود الفرنسي العسكري، انتهاكاً للسيادة، وليس ذا منفعة، في مواجهة موجات الإرهاب والتمرد.

عملية "برخان" لم تحقق أهدافها

تشهد بوركينا فاسو إضرابات عميقة في مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية الاقتصادية والعسكرية، منذ حصولها على الاستقلال قبل نحو 62 عاماً.

وشهدت بوركينا فاسو 8 انقلابات، آخرها كان في أيلول/سبتمبر الماضي، بينما حصدت الحرب الأهلية آلاف الأرواح، وشردت نحو 1.5 مليون مواطن.

وفي إثر هذه الاضطرابات، أصبحت بوركينا فاسو، منذ عام 2015، مركزاً للجماعات الإرهابية المسلّحة، المرتبط بعضها بتنظيمَي "القاعدة" و"داعش"، الأمر الذي أدّى إلى تدهور الحالة الأمنية، وتدهور ملحوظ في حالة حقوق الإنسان، والوضع الإنساني، وخصوصاً مع تصاعد الهجمات والفظائع التي ترتكبها هذه الجماعات.

وشهدت منطقة غرب الساحل، عموماً، زيادة معدلها أربعة أضعاف عدد أعمال العنف التي شنّتها الجماعات المسلّحة منذ عام 2019.

وبحسب المركز الأفريقي للدراسات، تضاعف عدد الهجمات الإرهابية عام 2022 عن عام 2021.

وبين 135 منطقة إدارية في مالي وبوركينا فاسو وغرب النيجر، تعرضت 84 مقاطعة، أو ما يقرب من الثلثين، لهجمات إرهابية عنيفة عام 2022، في حين كان هذا الرقم أقل من الثلث عام 2017، بحسب المركز نفسه.

خلال الشهر الحالي فقط، جرت في بوركينا فاسو عدة عمليات إرهابية ازهقت العشرات من الأرواح، فضلاً عن خطف ما لا يقل عن 60 امرأة، كان معهن 4 أطفال رضّع.

وعبر أعوام كثيرة، أخفقت محاولات قيادات المجتمع في الدولة الأفريقية في فتح حوار مع الجماعات المسلّحة، أو حتى التغلب عليها عسكرياً، الأمر الذي أدّى إلى تمدد نطاق سيطرة هذه الجماعات لتصل إلى ما يقدره البعض بثلث مساحة بوركينا فاسو.

في إثر ذلك، أطلقت فرنسا "عملية مكافحة الإرهاب" ("برخان") في منطقة الصحراء والساحل (النيجر ومالي وبوركينا فاسو وموريتانيا وتشاد)، بهدف معلن هو "مكافحة الإرهاب واستقرار الوضع وفق مستوى يمكّن السلطات المحلية من أن توفر الأمن بنفسها".

لكن، على الرغم من استمرار تهديد الجماعات المسلحة، فإن فرنسا أعلنت، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، انتهاء عملية "برخان"، بينما أبقت على نحو 3 آلاف جندي فرنسي في الدول الأفريقية التي أطلقت فيها "برخان".

وأظهرت خطوة فرنسا، في حينها، رغباتها السياسية والاقتصادية وأهدافها في النيجر ومالي وبوركينا فاسو وموريتانيا وتشاد، أي في الدول التي كانت مستعمرات فرنسية خلال القرن الماضي.

ويشي هذا الأمر بأنّ باريس لم تُرد أصلاً القضاء على الإرهاب، بل استفادت من وجوده، من أجل خلق ذريعة لها ببقاء قواتها العسكرية في مستعمراتها السابقة.

هذا الأمر تثبته الأرقام والبيانات، إذ يوضح بيان لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" أن الهجمات، التي من المفترض بالقوات الفرنسية الحد منها ومحاربتها، تسببت بمقتل الآلاف، وخطف المئات، كما أدّت إلى فرار أكثر من 237 ألف شخص من ديارهم في عام 2021، الأمر الذي رفع العدد الإجمالي للنازحين داخلياً منذ عام 2016 إلى أكثر من 1.4 مليون، أو 6% من السكان.

وأشار البيان الأممي إلى أنّ الاتحاد الأوروبي وفرنسا والأمم المتحدة والولايات المتحدة حجبت الأضواء عن الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعات المسلحة.

تراجع النفوذ الفرنسي في مقابل الحضور الروسي

وخرجت القوات الفرنسية، قبل خروجها من بوركينا فاسو، من مالي وأفريقيا الوسطى.

وبرَّرت باريس قرار الانسحاب في ذلك الوقت استناداً إلى حجتين: رفض التعامل مع سلطة عسكرية تسعى للبقاء في السلطة، واعتراضها على وجود قوات روسية، بينما اتهمت مالي فرنسا بتنفيذ "أعمال عدوانية"، وانتهاك سيادتها ودعم جماعات "جهادية" والتجسس عليها.

تعرّضت إدارة ماكرون في الأعوام الأخيرة لإخفاقات كبيرة في أفريقيا، ولا سيما في المجال الأمني، وكذلك السياسة والاقتصاد.

ونتيجة لذلك، بدأت دول أفريقية متعددة، عانت السياسات الفرنسية الاستعمارية، إظهار عدم رضاها عن تلك السياسات وذلك من خلال الاحتجاجات الشعبية ومحاولات التأثير في السلطة والقرار.

ومع التوترات القائمة بين السلطات في أفريقيا وفرنسا، والتي تبدو كسلسلة انتفاضات ضد الوجود الفرنسي فيها، تحركت روسيا والصين في المنطقة، عبر إبرام اتفاقات عسكرية وأمنية واقتصادية متعددة، مع مختلف الدول الأفريقية، الأمر الذي يعطي تصوراً عن تغييرات جيوسياسية مقبِلة في المشهد الأفريقي.

وتبدو بوركينا فاسو، مثل جارتيها مالي وأفريقيا الوسطى، تتجه بصورة متزايدة نحو روسيا كشريك، إذ قال رئيس وزراء بوركينا فاسو، أبولينير كيليم دي تمبيلا، الأسبوع الماضي، بعد محادثات مع السفير الروسي وزيارة لموسكو في كانون الأول/ديسمبر، إنّ  "روسيا خيار معقول في هذه الديناميكية، ونعتقد أنه يجب تعزيز شراكتنا".

في حين، اتهمت مالي في وقت سابق، فرنسا، بأنّها تقوم بممارسات استعمارية، مشيدةً، في المقابل، بـ"علاقات التعاون النموذجية والمثمرة بين مالي وروسيا".

وتسعى روسيا لتوثيق العلاقات بالدول الأفريقية التي مزقها انعدام الأمن، من خلال إبرام الاتفاقيات في مختلف الأصعدة، والتي من خلالها تستطيع هذه الدول التغلب على الأزمات التي تعيشها، على عكس فرنسا التي ظلت تستغل المقدّرات الأفريقية من دون مقابل لشعوبها، وبلا حوافز للاقتصادات التي تهيمن عليها، الأمر الذي جعل صورتها تتقهقر لدى الأفارقة، وارتباط اسمها بالاستعمار فقط.

ولعل الأمر اللافت في العلاقات بين روسيا وبوركينا فاسو، أنّه، إلى جانب رغبة السلطة، هناك رغبة شعبية في التحوّل نحو موسكو، إذ شهد الانقلاب الأخير في بوركينا فاسو شباناً يلوّحون بالأعلام الروسية في شوارع العاصمة واغادوغو. في غضون ذلك، تعرضت السفارة الفرنسية لهجوم من جانب متظاهرين.

بوركينا فاسو، وقبلها مالي وأفريقيا الوسطى، أعلنت قرارها بجرأة تامة، توحي بأنها مصممة على تحدي أزماتها عبر تمسكها بسيادتها وقرارها السياسي في الدرجة الأولى.

وهذا الأمر يرتبط بنظرة مستقلّة، لا ترتبط بالداخل فقط أو المحيط الإقليمي، بل بمسرحٍ عالمي تظهر به قوى أكثر فعالية من غيرها وأكثر تأثيراً، بينما تسجّل دول أخرى تراجعاً في النفوذ، وعدم قدرة على المحافظة على ما تعدّه "مكتسبات تاريخية".. وفرنسا في بوركينا فاسو مثال.

المصدر: الميادين نت

تابعونا الآن على :


 
حليب الهناء