هوية نُشر

مملكة البرتغال.. وشيء من لحظات الشجن والذكرى..

عرب جورنال / خالد الأشموري -

من لا يعرف البرتغال هذا البلد الشغوف عبر تاريخه الطويل بالرحيل إلى خلف الآفق – لقد أتيح للبرتغال بشعبه الصغير كل الفرص لاكتشافات العالم الكبير وتدفقت عليه ثروات كبيرة إيان العصر الاستعماري أستحوذ عليها الحكام البرتغاليون.. أين ذهبت تلك الأموال – ولماذا ظلت بلد مثل البرتغال في نهاية القائمة - لماذا حدث هذا ؟.

مملكة البرتغال.. وشيء من لحظات الشجن والذكرى..

هذه الأسئلة وغيرها أجاب عليها الدكتور محمد منسي قنديل – أحد الأسماء الإعلامية المميزة في إعداد وكتابة الاستطلاعات الصحفية في عالمنا العربي.. نقتبس من المادة الاستطلاعية – المعنوية بـ" البرتغال من عصر الاكتشافات إلى زمن العزلة" مجلة - العربي العدد "469" ما خطه الكاتب عن المرحلة التاريخية التي مرت به البرتغال، وشيء من لحظات الشجن والذكرى.

يقول الدكتور قنديل: لم يسر التاريخ على مجرى عادته في خط مطرد، ولكن تناوبت عليه عصور المجد، والضعف ولحظات التألق والأفول .. هاذ البلد المسمى "البرتغال " وفيما بعد مملكة البرتغال المولودة عام 1147م بعد صراعات وقتال مضطرب مع الكثير من الأعداء الطامعين.

يسرد التاريخ أن الفينيقيون هم أول من وصلوا إلى هذه البقعة من الأرض وسكنوها، ثم الرومان على أنقاض ما بناه الفينيقيون ، ثم جاء عرب الأندلس ألذين وضعوا لمساتهم على تحصينات قلاع الرومان، وأخيراً جاء دور ملوك البرتغال لقد كان الفتح العربي لهذه البقعة من الأرض التي يطلق عليها " شبه جزيرة أيبيريا" علامة فاصلة في تاريخها، فقد حارب العديد من أهل أيبيريا مع العرب أنفسهم ضد حكامهم الغاليين الظلمة وكانت نتيجة الفتح قيام عهد ازدهرت فيه التجارة والثراء، وأنشئ فيه العديد من مدارس الطب والرياضيات والهندسة والملاحة والفلسفة والعمارة وعاش المسلمون والنصارى واليهود حياة متكافئة ومتساوية، وجلب عرب الأندلس إلى الجزيرة طرقاً جديدة في الزراعة مثل طواحين الذرة والقمح وابتكروا السواقي لرفع المياه من الأنهار إلى الحقول وأدخلوا أنماطاً معمارية مميزة وتركوا آثارهم على الموسيقى والطعام وطريقة العيش.

ثم دب الوهن ونخر سوس الصراعات في جسد الأندلس وانهارت ممالكة تباعاً في أيدي الأمراء المسيحيين، وكان هنري دوق بور غندي – القادم من إحدى المقاطعات الفرنسية – واحداً من الذين تم اختيارهم لقيادة الحرب ضد المسلمين وكمكافأة له على ذلك منحته الملكة إيزابيلا حكم الأراضي التي أستولى عليها من نهر " الدورو" حتى نهر " المنهو " وهي المنطقة التي تتوسطها مدينة بورتو وبعد ذلك بسنوات قليلة عندما تولى الملك ألفونسو العرش خلفاً لأبيه أعلنها مملكة مستقلة وبدأ في بناء التحصينات لمقاومة حلفاء الأمس من الإسبان، من هذا التاريخ وبعد قتال مضطرب ولدت مملكة البرتغال عام 1147م.

ومن الحقائق – بحسب الكاتب قنديل " أن عوالج الاشتياق إلى الوطن – يكاد لا يعرفه أحد كما عرفه البرتغاليون فقبل أن يهيموا في محيطات العالم المجهولة أخدتهم الأمواج في رحلات الصيد الطويلة، ومن يتأمل خريطة البرتغال يرى أنها مجرد شريط ضيق من الأرض ظهرها ملتصق في إسبانيا أو بالأحرى ضائع فيها ووجهها للمحيط الأطلنطي وبالتالي ليس لها مهرب إلا إليه وما زال أثر هذا الاشتياق قائماً فوق أحجار قلعة " بلم " الصغيرة التي تطل على نقطة التقاء نهر " التاج" بالمحيط الأطلنطي ويعني اسمها قلعة التجارة تقع ضاحية " بلم" على بعد 6 كيلو مترات فقط من لشبونة، وهي تعد من أحيائها الراقية المليئة بالخضرة ولكن أهم ما فيها بطبيعة الحال هي معالم عصر الاكتشافات الجغرافية التي قام بها البحارة والقباطنة البرتغاليون وغيروا وجه العالم.

اكتشاف العالم:

وحيث يقال أن تاريخ الإنسان هو سلسلة من الاكتشافات المتواصلة، اكتشافات داخل ذاته واكتشافات في عالمه المجهول الذي يؤرقه دائماً.. وللبرتغاليون سبق في هذه المجال وقد سبقوا الجميع لأسباب دينية وسياسية- لقد كانت هذه الاكتشافات بالنسبة لهم هي نوعاً من مواصلة الحروب الصليبية التي شعروا بأنهم لم يخوضوها كما ينبغي، وقد جذبت مدرسة هنري الملاح في راس فنسان في الجنوب البحارة من جنوة ورسامي الخرائط في إسبانيا والمشتغلين بالفلك من ألمانيا، وعلماء الرياضة من بادو وفينيسيا وقد ساهموا جميعاً في ترسيخ النظرية الحديثة حول كروية الأرض، ولكن الهدف الأول كان الالتفاف حول العالم الإسلامي ومهاجمة سلطان مراكش من الخلف وكان هذا الأمر حلماً مسيحيا قديما منذ أن استولى الإسبان على غرناطة، والسبب الرئيسي وراء دعمهم لرحلة كريستوفر كولمبس ، فقد اعتقدوا أنه سوف يكتشف طريقاً خفياً إلى آسيا يتيح لهم تطويق بلاد المسلمين، أما الهدف الثاني الذي أخفاه هنري الملاح عن بحارته فهو اعتقاده بوجود مملكة أسطورية في إفريقيا حافلة بالذهب، ففي هذا الوقت من القرن الخامس عشر كانت مناجم الذهب والفضة في أوربا قد استنزفت ولم يعد ما فيها كافيا لمطالبهم المتزايدة .

وهكذا انتشرت الأساطير عن الكنوز الخيالية في إفريقيا وآسيا وتكونت لديهم رغبة عارمة للوصول إليها والحصول على هذه الكنوز بأنفسهم فوق ذلك كله كانوا في حاجة إلى عبيد يعملون في مزارعهم وإلى ألوان يصبغون بها منسوجاتهم وإلى البهار كي يطيب مذاق طعامهم، وإلى العاج والسكر، باختصار كانوا في حاجة إلى كل شيء يملكه الآخرون.

حين أبحرت السفن كانوا يرفعون شعاراً مكوناً من ثلاث كلمات، الإنجيل والمجد والذهب ، وكانوا كما وصفهم "سرفانتس" مؤلف رواية " دون كيشوت": " كانوا أرواحاً قلقة تسعى خلف مشاريع أكبر من طاقتها".

وقد ساهمت الطبيعة إلى حد ما في جعل إسبانيا والبرتغال من أوائل الدول التي قامت بهذه الرحلات الاستكشافية، ففي هذه البقعة يتعاقب الانقلاب في أتجاه الريح ففي الصيف يكون اتجاه الريح مناسبا لبلوغ السفن عرض البحر، وفي الخريف يكون اتجاهها مناسبا لعودتها إلى الشواطئ ، وقد فهم ملاحو الجنوب البرتغالي " الجارف" هذه الحقيقة واكتسبوا البراعة في استغلالها، كما أن اعتمادهم على الاتصال بالعالم القديم كان على البحر في المقام الأول ، فالبحر خال من العوائق الأرضية، وتوفر أمواجه القوة اللازمة لنقل الأحمال بحوالي 35 ضعفاً عنها في البر، كما أنه لا توجد عوائق ولا مستنقعات ولا جبال أو قطاع طرق يهاجمون القوافل.

كذلك ساعد التطور في صناعة السفن على مواصلة عمليات الاستكشاف ، فقد اخترعت السفن ذات الدفة المحورية وابتكر البرتغاليون السفينة ذات الأشرعة المربعة التي تستفيد من الريح التي تهب من الخلف وكذلك الأشرعة المثلثة التي تمكنهم من الاستفادة من الريح المعاكسة.

وفي عام 1487م خرج المستكشف البرتغالي " برتالو ميو دياز" في محاولة لاكتشاف طريق بحري يدور حول إفريقيا وبعد عدة أيام من الرحلة دفعته عاصفة عنيفة نحو الطرف الجنوبي من القارة فاكتشف أنه قد أصبح يدور حول إفريقيا متجهاً إلى الشرق وهكذا تم اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح.

في هذا الوقت تقدم كريستوفر كولمبس بمشروع للوصول إلى آسيا عن طريق الإبحار غرباً عبر المحيط الأطلنطي إلى الملك جون حاكم البرتغال، ولكن المستشارين في البلاد رفضوا مشروع " ذلك القبطان المجنون القادم من جنوة" فذهب إلى إسبانيا حيث كانت الملكة إيزابيلا أكثر شراهة للذهب وأشد حماساً للمغامرة لقد رفض البرتغاليون فكرة الاتجاه غربا حتى بعد أن اكتشف كولمبس العالم الجديد  وأصروا على أنه لم يجلب معه التوابل أو أياً من المنتجات الآسيوية المعروفة وظلوا واثقين أن الطريق الوحيد إلى آسيا هو الدوران حول أفريقيا.

في عام 1497م بدأ فاسكو دا جاما رحلته الشهيرة سالكاً نفس طريق رأس الرجاء الصالح محاولاً أن يكمل الرحلة حتى نهايتها إلى شواطئ آسيا، وكان في صحبته أربع سفن بدأت رحلتها من لشبونة في الثامن من يوليو، وأبحرت كما هو مقرر لها بمحاذاة الساحل الأفريقي ولكن العواصف الهوجاء لم ترحمها فقد تحطمت الصواري وشح الطعام، وتفشى مرض الإسقربوط بين البحارة، وبعد ثلاثة شهور من الإبحار الشاق لم يبد أي ملمح لرأس الرجاء الصالح على حافة الأفق حتى أن البحارة طلبوا منه العودة والتخلي عن الرحلة، ولكن دا جاما كان في السابعة والثلاثين من عمره يحلم بلحظة من المجد لن يدعها تفلت من يده لذلك أصر على مواصلة الرحلة غير عابئ بأي اعتراض وحتى وصل إلى رأس الرجاء الصالح بعد شهر آخر لقد توقف دا جاما بعد ذلك في أكثر من مكان على الساحل الإفريقي وخاصة في " ماليندي " التي توجد الآن في كينيا، عند هذا الحد من الرحلة تختلف الروايات ، فكل المصادر تؤكد أن دا جاما بعد كل ما عاناه لم يكن ليجرؤ على الرحيل دون دليل يعرف الطريق جيداً وسط مجاهل المحيط الهندي ولم يكن هناك أقدر من البحارة العرب في هذا المجال، لذا فقد استعان بأحد البحارة العرب، ولكن هل كان هذا الدليل هو البحار العماني الشهير أحمد بن ماجد الملقب بأسد البحار كما تردد الروايات الشعبية، لم أجد – في حدود علمي – مصدراً يؤكد هذا الأمر، والأرجح أنها رواية اعتمدت على شهرة أهل عمان بسبر أغوار المحيط الهندي وقد وصلت سفينة دا جاما إلى كلكتا على الساحل الهندي في 20 مايو عام 1498م أي بعد حوالي 11 شهراً من بداية رحلته، ولم يكن الاستقبال طيباً بأية حال فالحاكم الهندي لم تعجبه الهدايا الزهيدة الثمن التي أحضرها دا جاما وكذلك ارتاب فيه التجار المسلمون الذي كانوا يتحكمون في التجارة ورأوا فيه قرصانا أوربيا جديداً.

عاد دا جاما إلى البرتغال فارساً مظفراً برغم أنه لم تكن في حوزته إلا سفينة واحدة وبضعة من البحارة المنهكين ولكنه اكتشف مؤخراً طريق البهار وشاهد العديد من المواقع الإفريقية التي يمكن احتلالها واستخراج الذهب منها، لقد فتح شهية البرتغاليين لدخول عصر الاستعمار أسوة بإسبانيا، من أجل هذا فاسكو دا جاما المكتشف الذي دخل التاريخ عندما اكتشف طريق البهار كله أنعم عليه الملك إيما نويل الثاني بلقب " الدوم" وهو يعادل لقب سير عند الإنجليز ثم ما لبث أن أعطاه لقب أمير البحر الهندي عندما قام برحلته الثانية إلى الهند كانت هذه الرحلة مختلفة فقد تكونت من 15 سفينة مسلحة هاجمت التجار المسلمين الأبرياء وحصدتهم بمدافعها وثبت أن ارتيابهم فيه كان في محله، وبهذه المذبحة غير المتوقعة احتكرت البرتغال التجارة في المحيط الهندي ولم يمض إلا عام واحد حتى أصبحت أسواق القاهرة ودمشق وبغداد خالية من بضائع الشرق وقد قادت المصادفة البرتغاليين عام 1500 إلى اكتشاف آخر لا يقل أهمية عن طريق البهار عندما كان البحار بيدرو الفاريز كابرال يحاول الدوران حول إفريقيا في طريق عريض، وبدلا ً من ذلك رست السفينة على شواطئ البرازيل في أمريكا الجنوبية وقد واصل بعد ذلك إلى الهند دون أن يدري أنه اكتشف أكبر كنز للذهب يمكن أن يخطر ببال البرتغال.

البرتغاليون ساهموا أيضاً في اكتشاف كروية الأرض، فقد كان ماجلان بحاراً برتغالياً ماهراً، سافر مع الأسطول البرتغالي الذي قام باحتلال " ملقا" ثم آمن بنظرية أنه يمكن الوصول إلى الشرق عن طريق السير غربا والدوران حول أمريكا الجنوبية، ولكن كالعادة لم يوافقه الملك البرتغالي ايما نويل الثاني على هذا الرأي لسبب بسيط هو أنه كان يكرهه, بينما تحمس له ملك إسبانيا وبدأ ماجلان رحلته فوق سفن إسبانية في شهر سبتمبر عام 1519م وعبر المحيط الأطلنطي متوجهاً نحو الأرض الجديدة واستطاع أن يكتشف ممراً ضيقاً عند الطرف الجنوبي من القارة عرف فيما بعد بمضيق ماجلان ومنه عبرت سفنه الثلاث من المحيط الأطلنطي إلى المحيط الهادي، ولم تكن جزر الهند قريبة كما أعتقد ماجلان فقد ظلوا يبحرون فيه لمدة ثلاثة أشهر متواصلة دون أن يروا أرضاً اللهم إلا جزيرتين خاليتين من السكان، ونفدت المؤن فأكل البحارة جلود الثيران والفئران، وأخيراً وصلوا إلى جزر الفلبين حيث دارت معركة مريرة بينهم وبين السكان المحليين قتل فيها ماجلان وقد شاهدت في جزيرة " ماندناو" تمثالاً للبطل الفلبيني " سابو" الذي قتل " ماجالان" ثم واصلت الرحلة بعد ذلك سيرها تحت قيادة أحد الضباط في اتجاه الغرب حيث عبرت رأس الرجاء الصالح عائدة إلى إسبانيا واكتملت بذلك رحلته الكروية حول الأرض أخيراً وبرغم كل شيء فعلينا الاعتراف بأن هؤلاء الرجال الذين ألقوا مصيرهم بين الأمواج يمتلكون نوعاً من البسالة النادرة، فقد تحدوا العديد من أساطير الرعب مثل المياه التي تغلي عند خط الاستواء وجبال المغناطيس التي تجذب كل ما في السفن من مسامير وتفككها وحوريات البحر التي تنادي البحارة حتى تفقدهم من أعلى تبدو خريطة العالم كما أعاد البرتغاليون اكتشافها مرسومة بواسطة الفسيفساء الملونة وخلفها تبدو الكاتدرائية التي بينت تمجيداً لاكتشاف طريق البهار عقولهم ، تغلبوا على هذه الأساطير ولكن حقائق البحر بقيت، العواصف والأنواء العالية والجوع والعطش والضياع والغرق ، حاصروا العالم الإسلامي، وأغرقوا سفنه، وحاولوا محاصرة تغلغله في أصقاع آسيا، وقادوه إلى حالة من الضعف الاقتصادي جعلته يسقط فيما بعد في أيدي القوى الأجنبية. ومن الغريب أن تقوم دولة لم يكن تعدادها يصل إلى مليون ونصف ولا تبلغ مساحتها أكثر من شريط صغير على المحيط بتكوين تلك الإمبراطورية التي تمتد حدودها من البرازيل إلى شواطئ إفريقيا ومن جزر الهند إلى إمارات الخليج العربي.

شجن وذكريات :

يعبر الدكتور قنديل على لسان عدد من البرتغاليين المثقفين أحدهم من الجيل الجديد وهو البروفيسور " جوان ريد جريجو أستاذ التاريخ بجامعة "لشبونة" بالقول: نحن شعب حزين، هناك إحساس دفين في أعماق كل واحد منا بالظلم ، لم نأخذ من التاريخ إلا مكاناً في الذيل، لقد تدفق علينا ذهب العالم، وبرغم ذلك لم نستفد منه شيئاً، ويبدو أن سنوات الاستعمار التي عشناها قد شوهت جزءاً داخل نفوسنا،".

الشاعر والصحفي البرتغالي "ميجو ميكالا" بدوره قال: ما يحزنني هو فقدان ثروات البلاد ، وكأن الأمر أشبه بلعنة – لقد أستلزم حكم هذه المستعمرة عدد كبير من الجنود جعلت عدد البرتغاليين المقيمين في البلاد لا يتجاوز المليون من أصل مليون ونصف كانوا هم كل تعداد الشعب في ذلك الوقت، أخذ الناس من القرى والحقول والمعامل ولم يعد شيء ذو قيمة ينتج في البلاد، ثم حل العبيد بدلاً منهم وهم أناس مقهورون جاءوا من المستعمرات وبالتالي لم يكن لهم أي ولاء للبرتغال، بل كانوا على العكس أحد عوامل عدم الاستقرار، وحتى الثروة التي تدفقت على البلاد لم تذهب إلى الرجل العادي، لم تتحول إلى صناعات أو مشاريع منتجة ولكنها بقيت في أيدي الكنيسة الرومانية الكاثوليكية والملك وبضعة من النبلاء ولم تفكر البرتغال في تطوير أي من صناعاتها المحلية فقد كان دائماً من الأرخص استيراد البضائع بدلاً من إنتاجها، لقد تسبب الصراع مع الإسبان في ضياع العديد من المستعمرات ، وكانت هذه فرصة ذهبية لأوربا – وخاصة إنجلترا وفرنسا وهولندا التي سارعت بالاستيلاء عليها، وهكذا أصبحت أمام البرتغال فرصة ثانية للاعتماد على نفسها وتنمية صناعاتها المحلية ولكن بدأ الذهب والماس في التدفق مرة أخرى من البرازيل عام 1690م وهكذا عدنا لبناء القصور والكاتدرائيات الفخمة وتركنا البنية الأساسية للبرتغال على نفس حالتها من التخلف ، لقد ظل العمل الأساسي هو البناء وبقي معظم الناس فقراء يعيشون على سمك " البكلاة" المملح.

  ويخلص محدثنا المبدع د/ قنديل مجسداً بقلمة ثقل هذا التاريخ البرتغالي – مشاركاً البرتغاليين حزنهم وإحساسهم بالغبن الذي أوصلهم إلى العزلة بعد أن عاشوا على الاكتشافات والثروة حين اكتشفوا الطرق البحرية الحديثة ، رغم صغر دولتهم بالمقياس الأوربي .

يقول الدكتور قنديل، يا له من ماضي مازال حياً ومتدفقاً كنهر الدورو.. البرتغال تبدو الآن مثل سيدة عجوز تستيقظ من نومها الطويل، وجهها يشبه الأيقونة القديمة بينما تنبعث من ثوبها المخملي العتيق روائح النعاس والنبيذ والسمك ، مرت عليها كل أنواع العصور ، الإقطاع والفروسية والملكية والديكتاتورية، أساءت للأخرين بقدر ما أساءوا إليها ودفعت ثمن اتكالها على أموال الآخرين، لقد شهدت أولى حكوماتها الديمقراطية مؤخرا في عام 1974م وهو عمر طفولي للديمقراطيات الغربية العريقة وأصبحت عضوا في الاتحاد الأوربي عام 1986م ولم يقربها هذا من أوربا فحسب - ولكن الأهم من ذلك أنه قد قربها من إسبانيا الاشد قربا، الأشد بعدا، وقد خطت خطوات مسرعة نحو خصخصة المشاريع الصناعية وأحدثت هذه الخطوة نوعاً من الانتعاش الاقتصادي لم تشهده البرتغال في اعتمادها على نفسها من قبل، لقد لوثت نفسها بمرض الاستعمار طويلاً وما زالت هناك البقعة الأخيرة من تركتها الاستعمارية في جزيرة " مكاو" في جنوب شرق آسيا، وقد آن للبرتغال أن تنظف نفسها لعلها تظفر بالخلاص.

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء