أجندة نُشر

بوركينافاسو تثير رعب فرنسا في غرب إفريقيا

عرب جورنال / أنس القباطي -
أجبرت الانقلابات والاحتجاجات الشعبية المتصاعدة في دول غرب افريقيا، السلطات الفرنسية على اعلان سحب قواتها من تلك الدول، في وقت يتزايد فيه نشاط الاستقطاب الدولي الذي تشهده القارة السمراء بأكملها.

بوركينافاسو تثير رعب فرنسا في غرب إفريقيا

وقال وزير الجيوش الفرنسي، كريستيان لوكورنو، السبت 19 نوفمبر/تشرين ثان 2022 أن بلاده لا تستبعد سحب قواتها من بوركينا فاسو، لافتا في حديث لصحيفة "لو جورنال دو ديمانش" الأسبوعية الفرنسية إلى أنه من الواضح أن مراجعة الاستراتيجية العامة لفرنسا في إفريقيا تطرح أسئلة حول جميع مكونات الوجود العسكري، بما في ذلك القوات الخاصة، مؤكدا أن قوات "سابر" كان لها دور رئيسي خلال السنوات الأخيرة في مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الغربي لأفريقيا، مبينا أن بلاده تعمل حالياً على "تنظيم شكل القواعد العسكرية الحالية التي ينبغي أن تحتفظ بقدرات معينة لحماية المواطنين الفرنسيين على سبيل المثال، مشيرا إلى ان القوات الفرنسية تتجه بقدر أكبر نحو تدريب الجيوش المحلية، موضحا أن ذلك الوجود "لم يعد يتعلق بمكافحة الإرهاب عوضاً عن شركائنا، بل بتنفيذ ذلك معهم، وإلى جانبهم".

ومن هذا التصريح يتضح ان باريس اصبحت مدركة ان تواجدها العسكري في قارة أفريقيا لم يعد مقبولا، ولابد من صورة أخرى لتواجدها، وهو ما كشف عنه لوكورنو حين قال ان بلاده تتجه نحو تدريب الجيوش المحلية، وهي صورة جديدة لتواجد فرنسي مستقبلي في مناطق نفوذها في الصحراء والساحل الغربي الافريقي، وهي ذات الصورة التي بدأت تتغلغل بواسطتها روسيا في مناطق النفوذ الفرنسي في القارة السمراء.

وشهدت واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو الجمعة 18 نوفمبر/تشرين ثان 2022 مظاهرات منددة بالتواجد الفرنسي في البلاد، وهذه التظاهرة هي الأوسع ضد التواجد العسكري الفرنسي في بوركينا فاسو، وتزايدت الاحتجاجات الشعبية ضد القوات الفرنسية منذ الانقلاب الثاني الذي شهدته بوركينا فاسو نهايو مطلع سبتمبر/ايلول 2022. وبحسب وكالة "فرانس بريس" سلم زعماء احتجاج الجمعة رسالة ثانية إلى السلطات بعد رسالة سابقة للمطالبة بترحيل القوات الفرنسية. وتفيد وسائل إعلام افريقية ان زعماء الاحتجاج توعدوا باستمرار الاحتجاجات حتى رحيل القوات الفرنسية.

وبوركينا فاسو ‏دولة في غرب أفريقيا، تحيط بها 6 دول هي: مالي من الشمال، والنيجر من الشرق، وبنين من الجنوب الشرقي، وتوغو وغانا من الجنوب، وساحل العاج من الجنوب الغربي. وتقع ضمن دول الصحراء الكبرى في أفريقيا، وهي دولة حبيسة، واستقلت عن فرنسا في العام 1960 وعرفت حينها بجمهورية فولتا العليا، وفي 4 أغسطس/آب 1984 قام الرئيس توماس سانكارا بتغيير اسم الدولة إلى "جمهورية بوركينا فاسو" والتي تعني "بلد الناس الطاهرين". وشهدت البلاد 8 انقلابات بدات اولاها في العام 1980، والعام الجاري شهد انقلابين الاول في يناير/كانون ثان، والأخر في نهاية سبتمبر/أيلول، كما شهدت البلاد 4 محاولات انقلاب فاشلة.

في 9 نوفمبر/تشرين ثان 2022 اعلن الفرنسي ايمانويل ماكرون إنهاء عملية "بارخان"، التي تعد أكبر قوة عسكرية فرنسية في الساحل الغربي لافريقيا، وتدخلت تحت يافطة مكافحة الارهاب في العام 2013، واكد ما كرون أن القرار جاء من أجل "الحد من انكشاف قواتنا العسكرية في إفريقيا والتركيز على التعاون بشكل أساسي مع الدول التي تريدها"، ولفت ماكرون أن الأيام المقبلة ستشهد مرحلة مع شركاء فرنسا الإفريقيين وحلفائها والمنظمات الإقليمية لتطوير وضع وشكل ومهمات القواعد العسكرية الفرنسية الحالية في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، مبينا أن هذه الاستراتيجية ستكون جاهزة خلال 6 أشهر، موضحا ان من خطوط هذه الاستراتيجية مواصلة فرنسا وجودها العسكري في الساحل الغربي الافريقي، مشترطا لذلك رغبة الدول الحليفة هناك.، وأشار إلى أن الدعم العسكري سيتواصل للدول الإفريقية في المنطقة، لكن وفق الأسس الجديدة التي تم تحديدها مع هذه الدول، منوها إلى أن الدعم سيتكيّف مع مستوى كل دولة حسب الحاجات التي سيعبّر عنها الشركاء.

ومن خطاب ماكرون يبدو ان باريس ادركت حجم الغضب الشعبي المتنامي لوجودها في منطقة غرب أفريقيا، وان حالة الانكشاف للاجندة الفرنسية هناك تحتاج الى اجندة جديدة لضمان استمرار التواجد في المنطقة، وهو ما يقتضي الانتقال من مرحلة التواجد العسكري إلى مرحلة التعاون العسكري مع الحكومات المحلية، وابقاء التواجد العسكري بناء على رغبة الحلفاء، خاصة في ظل المنافسة الكبيرة على النفوذ من قبل روسيا والصين، والتي تتخذ أشكال التعاون والتنسيق في عدة مجالات أبرزها المجالين العسكري (روسيا) والاقتصادي (الصين).

وفي بوركينا فاسو تتواجد غرفة عمليات قوات عملية "سابر" التي يتراوح تعدادها ما بين 350 و400 من القوات الخاصة الفرنسية، وهي المنفذ الرئيسي لجل الضربات النوعية الفرنسية ضد قيادات الجماعات المسلحة في منطقة الصحراء والساحل الغربي لأفريقيا.
وفرقت الشرطة في بوركينا فاسو بالقوة مظاهرة الجمعة التي شهدتها العاصمة واغادوغو وشارك فيها مئات الأشخاص احتجاجا على استمرار التواجد الفرنسي، ولوح بعض المحتجين بأعلام روسيا، معبرين عن رغبتهم في تعزيز قادتهم العلاقة معها.

وهذه الاحتجاجات التي تشهدها بوركينا فاسو تأتي في اطار تنامٍ للشعور المناهض للوجود العسكري الفرنسي في قارة أفريقيا، والتي يبدو انها كانت وراء تصريحات وزير الجيوش الفرنسية الاخير، والذي يعد مع خطاب الرئيس الفرنسي الذي سبقه بأيام استشعارا للغضب الشعبي المناهض للوجود العسكري الفرنسي، والذي تعبر عنه الاحتجاجات العديدة المطالبة برحيل فرنسا في أكثر من دولة، والانقلابات العسكرية المتوالية والتي زادت منذ العام 2021.

وكانت عدد من المدن في النيجر قد شهدت احتجاجات مماثلة أواخر سبتمبر/أيلول 2022 ضد التواجد العسكري الفرنسي، بعد ان اصبحت مقرا لقوات بارخان التي انسحبت من مالي في يوليو/تموز 2022، كما شهدت مدن في تشاد خلال مايو/أيار 2022 احتجاجات واسعة رافضة للتواجد العسكري الفرنسي في البلاد، هاجم خلالها محتجون قاعدة عسكرية للقوات الفرنسية في أبشي أقصى شرقي البلاد، وحطموا نصباً تذكارياً كان بداخلها. وفي مالي التي شهدت انقلابا عسكريا اوصل سلطة جديدة مناهضة لفرنسا، اقدمت على إلغاء جميع اتفاقاتها العسكرية مع فرنسا، وطردت قواتها من البلاد، وزادت على ذلك باتهام فرنسا بدعم الجماعات الإرهابية بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية حول مواقع تمركز الجيش المالي ومسلحي فاغنر الروسية التي اصبحت فاعلة في تدريب الجيش المالي.

وانتهاء بما حصل في بوركينا فاسو يبدو ان منطقة الصحراء والساحل الغربي لافريقيا ستشهد صراعا محتدما بين فرنسا وروسيا التي تتهم بدعم الانقلابات التي تشهدها دول المنطقة. وخلال العامين الماضيين زاد الدعم الشعبي لروسيا في بلدان أفريقية عديدة ناطقة بالفرنسية، وتنامى الغضب الشعبي ضد التواجد الفرنسي في تلك البلدان، خصوصا منذ العام 2020. ومنذ انقلاب 30 سبتمبر/ايلول 2022 في بوركينا فاسو تطورت العلاقات بين واغادوغو وموسكو، وان كان المجلس العسكري الحاكم لم يظهر عداء لفرنسا، لكن المزاج الشعبي اصبح داعما لروسيا وضاغطا على المجلس العسكري. وتشكل الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية خطرا على الدولة في بوركينا فاسو، وهذا الخطر كان مبررا لتدخل فرنسا عسكريا، وتسببت هذه الجماعات الارهابية بمقتل الآلاف وتشريد نحو مليوني مواطن من بلداتهم التي تواجدت فيها الجماعات المسلحة منذ العام 2015 وتحولت إلى مسرح عمليات عسكرية.

واثارت الاحتجاجات الشعبية في دول منطقة الصحراء والساحل الغربي الافريقية رعب الفرنسيين، خاصة وأن اغلب المحتجين من الشباب وهم من يقودون الاحتجاجات، كما أن تزامن هذه الاحتجاجات مع تزايد نشاط الاستقطاب الدولي في قارة افريقيا اصبح مثيرا للقلق في باريس، وانطلاقا من هذه المخاوف بدات فرنسا تلين من خطابها السياسي تجاه مناطق نفوذها في القارة، وبدات بسحب قواتها، وكل ذلك في سبيل التواجد بصورة مقبولة لدى الاوساط الشعبية. ففرنسا هي في الأساس دولة خدمات فقيرة بالموارد الطبيعية، وتعتمد بشكل شبه أساسي على الموارد الطبيعية في 15 دولة افريقية، تعتبرها منطقة نفوذ مطلق منذ قرابة 3 قرون، وبالتالي فإن تزايد حجم التذمر الشعبي العلني من السياسات الفرنسية يعد مرعبا لباريس، كون ذلك يجعلها في دوامة قلق على مستقبلها.

وما حصل مؤخرا في بوركينا فاسو وقبله في تشاد ومالي والنيجر وافريقيا الوسطى وغيرها، مثير للمخاوف الفرنسية. فباريس ترى ان سقوط بوركينا فاسو من دائرة نفوذها سيكون مقدمة لسقوط ساحل العاج التي تعد مركزا لمصالح فرنسية كبيرة في قارة افريقيا، وبالتالي انهيار مجموعة الـCDEAO، فما حصل مؤخرا في دولة مالي التي قطعت جميع أشكال ارتباطاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية بفرنسا، اثار رعب باريس، وتتخوف من أن تسير بوركينا فاسو في ذات الطريق، وكل ذلك لمصلحة روسيا الحاضرة بقوة في مالي.

الواضح ان فرنسا ستسحب قوات سابر من بوركينا فاسو، والشكل القادم للتواجد الفرنسي سيكون تعاون عسكري قائم على تدريب الجيش ودعمه وتمكين قيادات موالية لباريس من مفاصله، لكن هل ستنجح فرنسا في ذلك..؟ والنجاح الفرنسي هنا سيكون مرتبط بالنجاح في الجانب الامني بشكل خاص وعودة المشردين الى بلداتهم. وبدون ادنى شك سيقارن المواطن في بوركينا فاسو بين الأمن في بلاده ودولة مالي المحاورة التي قطعت صلاتها بفرنسا، فالتغيير الفعلي في حال الأمن في مالي سيفتح أعين الأفارقة على حالة الأمن في بلدانهم التي تعاني من ويلات الإرهاب، وستوطد في اذهان مواطني الدول الواقعة تحت النفوذ الفرنسي من ان التدخل العسكري لم يأتي لمكافحة الارهاب، وانما كانت عملية مكافحة الارهاب غطاء لنهب الموارد واهمها المعادن الثمينة.
استتباب الامن في مالي بعد الانقلاب الأخير، جعل الشعوب المجاورة تخرج منددة بالتواجد الفرنسي، وعندما شعرت باريس بالاحتقان الشعبي ضد تواجدها دعمت انقلاب الكولونيل دمبيا في يناير/كانون ثان 2022 وهو أحد رجالها في الجيش، والذي تظاهر بأنه ينتهج منهج مالي، لكن سرعان ما اكنشف دوره فوقع انقلاب سبتمبر/أيلول 2022 عن طريق ضباط صغار وجدوا دعماً شعبياً منقطع النظير، وحاولت السفارة الفرنسية اعادته، لكن العرض الفرنسي قوبل بالرفض الشديد، وسط دعم شعبي واسع.

الاستراتيجية الفرنسية في أفريقيا تعتبر بوركينا فاسو البوابة التي تحفظ لها طريق العبور إلى ساحل العاج، وتشاد بوابة الحفاظ النيجر، وهذه الدولة الأخيرة هي مصدر توفير اليورانيوم للمفاعلات الفرنسية، وبالتالي فإن خسارة هذا البلد سيحرم فرنسا أكثر من 30% من الطاقة المنتجة باليورانيوم النجيري الذي تشتريه بثمن بخس. ومن هنا فإن فرنسا ستحافظ على نفوذها في النيجر وساحل العاجل بالابقاء على نفوذها في بوركينا فاسو.

ومما سبق يمكن القول ان منطقة النفوذ الفرنسي في افريقيا اصبحت مهددة بالتلاشي لصالح خصمها الروسي الذي يضغط بقوة عليها في افريقيا، وبروركينا فاسو هي واحدة من اهم مرتكزات الضغط الروسي، فالغضب الشعبي هناك يحتدم ضد الوجود الفرنسي، والتغيرات الدولية هي الاخرى لا تخدم فرنسا هنا، وتغير النظام الدولي من الأحادي القطب إلى متعدد الأقطاب سيكون نذير شؤوم على فرنسا الفقيرة بالموارد الطبيعية، وايذانا بانحسار نفوذها في أفريقيا، ومن بوركينا فاسو سيبدأ نفوذ باريس بالانحسار، فالغضب الشعبي قد بلغ مداه.

 

 

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء