أجندة نُشر

مستقبل الصراع الصيني الامريكي حول صناعة الرقائق الالكترونية

عرب جورنال / أنس القباطي -

اصبحت صناعة الرقائق الالكترونية بؤرة صراع بين اكبر اقتصادين دوليين في الوقت الحالي، بعد ان صارت الرقائق عنصرا جوهريا في مختلف الاجهزة الالكترونية، ومن ضمنها اجهزة حساسة تستخدم في الأسلحة الحديثة.

مستقبل الصراع الصيني الامريكي حول صناعة الرقائق الالكترونية

تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لتوطين صناعة الرقائق الالكترونية (أشباه الموصلات) على اراضيها، فيما تقدم الصين دعما حكوميا كبيرا لتنمية هذه الصناعة في عدد من المقاطعات الصينية، ولاجل ذلك برزت الى الواجهة ازمة تايوان بين بكين وواشنطن، حيث تسيطر تايوان على قرابة 40% من واردات السوق العالمية من اشباه الموصلات.

 وتهدف واشنطن من تركيزها على احتكار صناعة الرقائق الالكترونية لاعاقة تقدم بكين في هذه الصناعة، ولذلك فرضت الادارة الامريكية قيودا في أكتوبر/تشرين اول 2022 على الشركات التي تنوي تصدير الرقائق الالكترونية إلى الصين، حيث ألزمتها الحصول على تراخيص تصدير، بمبرر ان الصين تستخدم التكنولوجيا بشكل يمثل تهديداً للأمن القومي الأمريكي، وقالت وزارة التجارة الأمريكية إن هذه القيود تضمن منع حصول الصين على التقنيات الحساسة ذات التطبيقات العسكرية. وادت القيود المفروضة الى منع المواطنين الأمريكيين وحاملي بطاقة الإقامة الخضراء العمل في شركات الرقائق الصينية، وكل ذلك بهدف قطع الطريق أمام الصين للوصول إلى القدرات الأمريكية.

 يقول كريس ميلر، مؤلف كتاب حرب الشرائح والأستاذ المساعد في جامعة تافتس، إنه من الواضح أن الصين والولايات المتحدة الامريكية منخرطتان في سباق تسلح في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مشيرا الى ان هناك المزيد في هذا السباق الذي يحدث في المجالات التقليدية، مثل عدد السفن، أو الصواريخ، لكنه يدور بشكل متزايد حول جودة خوارزميات الذكاء الاصطناعي، التي يمكن أن يتم توظيفها في الآلة العسكرية.

 صناعة اشباه الموصلات والرقائق الالكترونية ظهرت في الولايات المتحدة الامريكية، ومع مرور الوقت ظهرت في شرق آسيا كمركز تصنيع مهم، بسبب الحوافز الحكومية التي قدمتها الصين وتايوان لتشجيع هذه الصناعة، وهو ما ادى الى تطور هذه الصناعة، فقد جعلت الصين إنتاج الرقائق أولوية وطنية واستثمرت بقوة في أجهزة الكمبيوتر العملاقة والذكاء الاصطناعي. يشير ميلر الى إن الصين تمكنت من اللحاق بركب صناعة الرقائق بسرعة في العقد الماضي، لا سيما في قدرات تصميم الرقائق، ويضيف أنه كلما امتلكت الدول القوية تكنولوجيا حوسبة متقدمة، فإنها تطبقها في أنظمة استخباراتية وأنظمة عسكرية. ولهذا السبب يمكن القول ان الصراع الصيني الامريكي على صناعة الرقائق سيتصاعد، لأن من يستطيع الهيمنة على هذه الصناعة سيهيمن على الاقتصاد الدولي.

 تفيد الاحصائيات ان قيمة صناعة الرقائق الإلكترونية تصل إلى 500 مليار دولار، وتتوقع أن تتضاعف قيمتها بحلول العام 2030، وترجع اسباب ذلك الى مساعي كل من واشنطن وبكين إلى التحكم في سلاسل التوريد التي تضم الشركات والبلدان التي تصنع الشرائح، من أجل الهيمنة على السوق العالمي.

 تصعد واشنطن من اجراءاتها لاعاقة تقدم الصين في مجال صناعة الرقائق، ولذلك نجدها تتخذ اجراءات مؤلمة ضد بكين، وتفيد مصادر صحفية إن شركة آبل الامريكية ألغت صفقة لشراء شرائح ذاكرة، من شركة يانغ تسي ميموري تكنولوجي (واي إم تي سي) التي تعد واحدة من أنجح شركات الرقائق في الصين، تماشيا مع القيود الأمريكية المفروضة خلال العام الماضي.

 وما يثير قلق الولايات المتحدة هو جعل الصين إنتاج الرقائق أولوية وطنية، وهو ما ادى الى تطوير الامكانات الوطنية في تصميم الرقائق، فأدى ذلك الى ان يوقع الرئيس الامريكي بايدن في أغسطس/آب 2022 على قانون فيدرالي سمي بقانون الرقائق والعلوم الأمريكي، بهدف عودة تصنيع الرقائق في الداخل الأمريكي، ويُقدم هذا القانون أكثر من 50 مليار دولار من المنح والإعانات للشركات التي تصنع أشباه الموصلات في الولايات المتحدة، للرد على خطوات الحكومة الصينية التي تدعم شركاتها، وهذا القانون وصفته الحكومة الصينية بأنه يطابق "عقلية الحرب الباردة"، ولانفاذ هذا القانون اعتمد البيت الأبيض 280 مليار دولار للتصنيع عالي التقنية والبحث العلمي، وجاء الاعتماد تحذير اقتصاديين امريكيين من فقدان الولايات المتحدة لميزتها التكنولوجية في صراعها التجاري والتقني مع الصين.

 ودعمت الولايات المتحدة خلال السنوات الاخيرة صناعة اشباه المواصلات (الرقائق الالكترونية)، حيث اعفت الاستثمارات في هذا الجانب من الضريبة، مقابل الالتزام بمنع بناء المصانع في الصين، وذلك للحد من تقدم الصين في هذا الجانب، وتوطين هذه الصناعة في امريكا، بعد تراجع هذه الصناعة الى نحو 10% من المعروض العالمي، بعد أن كانت عند حوالي 40% في العام 1990.

وفي خضم الصراع الصيني الأمريكي على صناعة الرقائق، ابدت بلدان آسيوية تنتج الرقائق الإلكترونية مثل تايوان وسنغافورة وكوريا الجنوبية قلقها من تداعيات هذا الصراع المرير على سلاسل التوريد العالمية.

 التصعيد الامريكي ضد الصين في هذا الجانب اصبح مرتفعا، حيث فرضت إدارة بايدن حظرا على 36 شركة صينية، اضافة الى الحظر السابق، بينها شركة YMTC الكبرى لصناعة الرقائق، ويشدد الحظر الامريكي القيود على تصدير الرقائق إلى تلك الكيانات دون أخذ موافقة الحكومة الأمريكية. ومؤخرا اعلنت شركة شركة Arm التي تصمم شرائح الكمبيوتر ومقرها المملكة المتحدة، اعلنت توقفها عن بيع تصميماتها الأكثر تقدمًا إلى الشركات الصينية بما في ذلك شركة علي بابا العملاقة للتكنولوجيا بسبب الضوابط الجديدة التي وضعتها كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

 وردت الصين على القيود الامريكية بتقديم شكوى ضد الولايات المتحدة إلى منظمة التجارة العالمية، واتهمتها باساءة استخدام ضوابط التصدير للحفاظ على ريادتها في قطاعات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والتصنيع، مؤكدة أن الإجراءات الأمريكية تهدد استقرار سلاسل التوريد الصناعية العالمية، ولفتت بكين في شكواها أن واشنطن فرضت قيودًا على تصدير ما يقرب من 2800 سلعة صينية رغم أنه يسمح فقط بـ 1800 من هذه السلع بموجب قواعد التجارة الدولية. وهذه الشكوى جعلت واشنطن تدفع بعدم اختصاص منظمة التجارة العالمية للنظر في الشكوى الصينية، كون المسألة مرتبطة بمخاوف متعلقة بالأمن القومي الامريكي، وقالت مساعدة وزير التجارة الأمريكي لشؤون إدارة الصادرات ثيا كيندلر: "تستوجب مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة التصرف بحزم لمنع الوصول إلى التقنيات المتقدمة."

 السعي الامريكي لجعل القيود التي فرضتها على الصين في مجال صناعة وتجارة الرقائق الالكترونية امرا واقعا غير قابل للنقاش، عندما بررت ما تقوم به بانه مسألة سيادية مرتبطة بالأمن القومي؛ يعد مؤشرا على حجم المخاوف الأمريكية من التقدم الصيني في صناعة وتجارة الرقائق الالكترونية، وجاء بعد ان قضت منظمة التجارة العالمية في ديسمبر/كانون اول 2022 بأن الرسوم الجمركية الأمريكية على الصلب والألمنيوم التي فرضت في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب تنتهك قواعد التجارة العالمية، حيث اصبحت ثلثا البضائع التي تبيعها الصين إلى الولايات المتحدة تخضع للرسوم الجمركية. ورغم صدور الحكم الا ان واشنطن ترفض تنفيذه، وهو ما يهدد هذه المنظمة الدولية بتقويض وجودها، ما سيفتح الباب على مصراعيه لتقويض كثير من المنظمات الدولية المماثلة، وهو ما يعني ميلاد نظام دولي جديد، قائم على تعدد الأقطاب الاقتصادية والمتباعدة عن بعضها، ما قد ينسحب على منظمة الامم المتحدة التي تعد مظلة النظام الدولي القائم.

 وفي ظل هذا الصراع المحتدم بين بكين وواشنطن؛ يتعرض صانعو الرقائق الإلكترونية لضغوط كبيرة وحالة استقطاب نشطة، ما سيجعل الشركات الرائدة في هذه الصناعة تحث الخطى لصناعة رقائق أكثر تقدما تحتاجها المنتجات الجديدة.

 وما يثير القلق حول صناعة الرقائق الالكترونية هو وقوع تايوان التي تستحوذ على اكبر حصة دولية في هذه الصناعة على قمة خط صدع تسبب خلال العام 1999 في حدوث زلزال بلغت قوته 7.6 درجة على مقياس ريختر، ووقوع وادي السيليكون في الولايات المتحدة على صدع سان أندرياس، والى جانب هذا السبب الطبيعي فإن تصادم المصالح الاقتصادية للقوى العظمى سيؤدي إلى اشتداد ضراوة الصراع على صناعة الرقائق، كون هذه الصناعة ستجعل الصين والولايات المتحدة تكافحان من أجل السيادة العالمية سياسياً وجغرافياً، كونهما تعيان ان الصراع بينهما مرتبط بالسيطرة على مستقبل التكنولوجيا والرقائق الالكترونية، وبذلك سيرتفع  منسوب الصراع بينهما على جزيرة تايوان، والذي لا يستبعد ان يفجر صراعا عسكريا على هذه الجزيرة التي تقل مساحتها عن 40 كم مربع.

 

Anas770879893@gmail.com

 

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء