أجندة نُشر

متى سيقتنع الطاووس الأمريكي بهزيمته في أوكرانيا ؟

عرب جورنال / توفيق سلاّم -
حولت الولايات المتحدة الحرب الروسية -الأوكرانية إلى مواجهة مفتوحة، حشدت لها الكتلة الأطلسية، تزامنا مع العقوبات الاقتصادية، ضمن استراتيجية عنيفة الهدف المتوخى منها تدمير روسيا. تلك الآمال المرجوة خيبتها الظنون، فجاءت بنتائجها العكسية الكارثية، خاصة على الاقتصاد الأمريكي والأوروبي والاقتصاد العالمي بشكل عام، مع استمرار ضخ المجمع العسكري الأمريكي الكثير من الأسلحة الحديثة إلى أوكرانيا لإطالة أمد النزاع وإطالة معاناة الشعب الأوكراني الذي يعتبر الخاسر الأكبر في هذه المواجهة.

متى سيقتنع الطاووس الأمريكي بهزيمته في أوكرانيا ؟

تداعيات الحرب

عام مضى من الحرب كان قاسياً، حمل من التداعيات والنتائج التي كبدت الغرب الكثير من الخسائر المادية، وارتفاع معدلات التضخم الذي يهدد منطقة اليورو بكوارث اقتصادية قاسية، والأخطر من ذلك أن هذه الدول باتت على مشارف التفكك والانقسام الذي يضرب وحدة الاتحاد الأوروبي، برؤى وتشعبات وتناقضات في المواقف المختلفة، كل ذلك أدى إلى تراجع الزعرة التي كانت تتقدمها دول الخندق الأول، فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا، والأحلاف السياسية والعسكرية التي اصطفت وراءها، بما لم يسبق لها أن مرت بأزمنة ولحظات مشابهة منذ عقود، وأظهرت بشكل فاضح، ما أعلنته صراحة الولايات المتحدة وبريطانيا، والإتحاد الأوروبي، وكذلك حلف الناتو، وكشفت حقيقة مخططها واستخدامها أوكرانيا كميدان وساحة للمواجهة مع روسيا، ومحاولة الاستفراد بروسيا، وقطع صلاتها الاقتصادية والتجارية، بأروربا، وبحلفائها الاستراتيجيين باستخدام الضغوط والتهديد والوعيد، وتأليب العالم عليها لعزلها عن المجتمع الدولي.. فما الذي تريده أمريكا من أوكرانيا تحديدا، وتمدد حلف الناتو إلى دول شرق أوروبا، إن لم يكن الأمر يتعلق بروسيا ؟
لقد اختارت الولايات المتحدة، سجال المنازلة المفتوحة مع روسيا الدولة النووية التي تحتل النمرة واحد في القائمة النووية عبر الوكيل الاقليمي، لاستمرار الاخلال بقاعدة التوازن الاستراتيجي، لصالح القطبية الواحدة، للاستفراد بالهيمنة على العالم، وفق المنطق السياسي البليد لاحتواء العالم ، تحت مشاريع الليبرالية التي استطاعت الرأسمالية المالية الغربية أن تحول الصراع العالمي والتناقض الرئيس بين الدول والشعوب من صراع الطبقة العاملة ضد الرأسمالية من أجل حقوق العمال والكادحين إلى صراع من أجل حقوق الإنسان، ما يعني بالنسبة إليها حقوق أهل البزنس، أي حقوق الذئاب على القطيع في المجتمعات الرأسمالية، ثم إلى صراع من أجل حقوق المثليين الشاذين جنسيا، ناهيك بحق الرأسماليين الغربيين كأرستقراطية سائدة في مجتمع اليوم في عالم أخضر، لا إنتاج ملوِّثا فيه ولا أفواه كثيرة تأكل خيرات الأرض إلتهاماً.
والحقيقة أن رأس المال الغربي حين انتقل طمعا بالربح المفرط إلى بلدان الشرق، وكل مناطق العالم الثالث التي كانت في مرحلة متخلفة من تطورها الرأسمالي، أو في مرحلة متقدمة عنه لجهة تشارك الشعب عبر دولته البروليتارية في ملكية وسائل الإنتاج، بدلا من تملك قلة من أفراد المجتمع لها، استطاع أن يفرض صراعا يدور بين هيمنته على العالم، وطلب باقي الرأسماليين المستجدين الذين لا يزالوا ملتصقين بالرأسمالية التقليدية في تقاليدها الاجتماعية في روسيا والصين وغيرها من البلدان السائرة في طريق التطور الرأسمالي حديثا. وهي فعليا بلدان ذات اقتصاد رأسمالي، وإن كان اقتصادها يبنى تحت يافطات مختلفة منها حتى يافطة الاشتراكية بألوان البلد المعين. لكن البارز في الأمر هو أنها لا تزال تدين بنمط العيش الطبيعي لا الشاذ جنسيا واجتماعيا والداعي في نظرياته المتطرفة إلى "تصفير" البشرية لانتفاء الحاجة إلى وجودها بهذه الكثافة بحجة شح موارد الأرض، وعدم كفايتها لمزيد من البشر. ومن هنا يتأتي تأييد الناس البسطاء لهذا النمط الرأسمالي التقليدي ما دام هو أفضل الموجود حاليا.

الحرب ضد الهيمنة

الحرب الأوكرانية اليوم ليست سوى حلقة من حلقات هذا الصراع بين الهيمنة العالمية لرأسمالية المثليين - وفي الواقع لرأس المال الغربي المضارب وغير المنتج سوى الحروب والشعوذات المالية والدولارية والأيديولوجية، ورأس المال المنتج في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، والذي لا يزال يؤمن بالعلاقات التقليدية بين الناس وبأزلية الاستغلال الرأسمالي التقليدي.
لا نشتم اليوم أي رائحة لصراع طبقي حقيقي يفضي إلى مجتمع الإخاء والعدالة والحرية الفعلية للجميع، وإعلاء الإنسان كهدف على الإنتاج والربح الرأسمالي، بين المجموعات الطبقية الساسية المتناحرة في العالم الرأسمالي، وهي رأس المال والطبقة العاملة، بل إن الصراع اليوم هو بين الرأسماليين غير المنتجين والمشتغلين بالشعوب من الخلف، والرأسماليين المنتجين والمستغلين للطبقة العاملة تقليديا والمشتغلين بالشعوب تقليديا ولكن من الأمام.
كل هذا نعيش مخاضاته اليوم في احتدام هذا الصراع مثل تعدد القطبية في مواجهة هيمنة القطب الواحد بقيادة الولايات المتحدة.
بينما المطلوب هو العدالة بين بني البشر، وحيث لا ذئب رأسماليا، ولا كادح منتهكة حقوقه، يمكن أن يطرح في الحقيقة اليوم محله شعار المساواة بين أوليغارشيي العالم: يا رأسماليي العالم توحدوا على التعددية والتساوي..!
هذا لا يعني أننا في ظل نسبة القوى الحالية مع مساواة فاشيي رأس المال الغربي بدعاة التحرر من ربقة هذا الرأسمال، وتحرير بلدانهم وشعوبهم من جوره ومشاريعه القاتلة والمدمرة للحضارات البشرية ككل.

الانتقال للتعددية

العالم يعيش هذه اللحظة التاريخية، للانتقال إلى مرحلة التعددية، إذ لا يجب التأمل لها من بعيد دون الانخراط والاندماج فيها في الآراء والمواقف، والاصطفاف خلف المسيرة التي تتقدمها روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية، وفنزويلا والبرازيل وحلفائهم في الحرب الدائرة الآن سواء في أوكرانيا أو في تايوان، أو في أي بقعة أخرى من العالم، لأن هذا ينسجم مع مصالح الشعوب والكادحين الآنية. فتوافق المصالح هنا بين رأس المال التقليدي والشعوب واضح، ولا يقبل التأويل ولا المواقف التروتسكية المتسترة بالشعارات المتطرفة والملتقية اليوم مع أشد القوى "اليسارية" فاشية بقيادة الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، هذا الحزب الذي تمول سياساته الفاشية الحالية خاصة مؤسسات وشخصيات صهيونية على نسق جورج سوروس.
ومالم يتضامن العالم الحر سيبقى مهددا بالحروب والصراعات المستمرة، وعودة الاستعمار القديم - الجديد بأشكاله المختلفة، في متوالية الحروب الناعمة، والتدخلات المباشرة، واستخدام القوة ضمن أجندات ومشاريع احتلالية للسيطرة على العالم.

ذاكرة الشعوب

الأمس واليوم لا زال حيا في ذاكرة الشعوب عن جرائم هؤلاء "الديمقراطيون النازيون" وطغيان استبدادهم، وعنترية وحشيتهم وجرائمهم الفضيعة، في المذابح الجماعية، والانتهاكات الإنسانية، ووحشية الدمار والخراب والحرائق، مازالت تئن منها الشعوب حتى اليوم. يريدون احتلال العالم، ونهب ثرواته، وتغيير الهويات، وتدمير العقائد الدينية، والتراث الثقافي والفني والأدبي والفكري، وهدم القيم الروحية والأخلاقية والجمالية، وانتهاك الذات الإنسانية، حتى وصل بهم الأمر إلى سن تشريع "اللواط" أو ما يسمى "بالمثلية" وإقراره رسميا، في ممارسة الجنس بين الذكور، ومحاولة تعميم ذلك على الشعوب الأخرى، في إطار ما يسمونه "الحريات الشخصية".

الضمانات الأمنية

اليوم ضراوة وقساوة المواجهة والمعارك، ونتائجها الكارثية خصوصاً في صفوف الكتلة الأطلسية- الأوكرانية، تبدو ثقيلة خلال أشهر المواجهة الـ 11 الماضية، تبدو وكأنها عشر سنوات من الزمن، وبات الكثيرين حول العالم يفكرون في كيفية وإمكانية وقف الحرب، والاتجاه نحو التفاوض المباشر، والمراهنة على تقارب ما، في العلاقات الروسية - الأمريكية، على أمل حصول التفاهم والإتفاق على تسوية سياسية، إلا أن ذلك لم يحدث، بالرغم من الجهود الشحيحة، وكلها في إطار المناورات السياسية. ويمكن قراءة بعض الإيجابية في لقاء مسؤولي المخابرات بين روسيا وأمريكا، للحفاظ على الحد الأدنى من الاتصالات والعلاقات، وبأنهما لا يسعيان إلى تصعيد المواجهة العسكرية إلى مستويات الخطورة التدميرية القصوى، ومع ذلك، يبدو أن عملية تسوية التناقضات والخلافات الثنائية، وإيجاد حل للصراع، لا تزال بعيدة المنال. وبالتالي يرى الروس أن الحل الدبلوماسي الوحيد الممكن الذي يضمن عدم حدوث حرب نووية، لا بد وأن يكون بمثابة حل وسط يضمن حصول موسكو على قائمة المقترحات والضمانات الأمنية التي قدمها الرئيس بوتين إلى الولايات المتحدة العام الماضي، وسبق لواشنطن أن رفضتها تحت ذرائع عدة، منها أن المقترحات تتعلق بمعايير نظام الأمن الأوروبي، وبأنها لا تستطيع بمفردها وبشكل أحادي تحديد صلاحية تلك المقترحات، وبات من الواضح أن واشنطن لا تتمسك بحرية تقدم وتوسع الناتو شرقاً فقط، بل تسعى إلى رمي شباكها حتى في الفضاء الروسي.

تغيير قاعدة التوازن

كانت ولا زالت مهمة موسكو صعبة ومعقدة، لتغيير "قواعد التوازن" ما بعد نهاية الحرب الباردة وحتى اليوم، نتيجة تعنت نظام الأمن الأوروبي، واستمرار اعتماده على توسيع هيمنة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، في وقت كانت المقترحات الروسية محقة وضرورية بالنسبة لروسيا، وقادرة في الوقت نفسه على أن تضمن تحويل أوروبا نحو فضاء آمن للتعاون المشترك في إطار النظام الأمني ​​الجديد، والتي ستستفيد حتماً من خفض مستوى الهواجس والمخاوف من الصدام مع دول منظمة الأمن الجماعي، من خلال الابتعاد السلمي والهادئ عن فضاء ما بعد الإتحاد السوفيتي، بضمانة الدولة الروسية، الأمر الذي سيخفف من عدائية الناتو تجاه روسيا، والكف عن محاولات تشويه صورتها، وإظهارها كتهديد جدي وحقيقي لأوروبا بأسرها.
واشنطن وحلفاؤها بروكسل والناتو، فشلوا في تحقيق استراتيجيتهم، وها هي استمرار المواجهة بلا أفق، ويخشون من الاعتراف بهزيمتهم الواقعية والفعلية، وبناء الحل والحوار والتفاوض على هذا الأساس، إذ يبدو من السخف تعليق الأمل الأمريكي– الغربي على أي تقدم أوكراني، أو إخفاق أو إنسحاب عسكري روسي، من بعض المناطق في أوكرانيا، وهذا بدوره يدفعهم نحو استمرار التمويل، ونقل السلاح إلى حكومة كييف، والإهتمام بزيادة كفائتها النوعية، خاصة بعد تفجير أنابيب نورد ستريم 1 و2، وتحديد سقف الأسعار، وغيرها من الخطوات التائهة.

حتى اللحظة لم تتوصل حكومة كييف، ودول الإتحاد الأوروبي، إلى حقيقة أين تسير الأمور، بالتوازي مع "السعادة والغبطة" الأمريكية، بالأوضاع الحالية، وباستمرار انتقال المال الأوروبي إلى الخزانة الأمريكية، من موارد الطاقة إلى أوروبا، وموارد الأسلحة إلى كييف. هؤلاء ليس بمقدورهم، إجبار الطاووس الأمريكي التوقف، لانقاذ بلدانهم من الكوارث المحققة والحوار والتفاوض مع روسيا.

حتى الآن الخط الوحيد الذي لم يتم تجاوزه الحرب النووية بدمار كوني للعالم ، في حين جرى اجتياح كل الحواجز في الحرب ذات الطابع العالمي، وصولا لوجود غير رسمي لقوات حلف الأطلسي هناك، في صورة جماعات مرتزقة من العسكريين المتطوعين المؤهلين والمتقاعدين، فضلا عن جيوش شركات الحروب غير الرسمية، تتقدمها "بلاك ووتر" الأمريكية، بالإضافة إلى ما تقدمه مئات الأقمار الصناعية المدنية والعسكرية من معلومات على مدار الساعة عن الجيش الروسي وتحركاته على الأرض، لا يخلو الأمر من تواجد المدربين، والخبراء وجنرالات أمريكيين وبريطانيين وغيرهم، يتولون تخطيط وإدارة العمليات العسكرية المنسوبة ظاهريا للجيش الأوكراني، فضلا عن التدفق الرسمي الهائل والمعلن، وغير المعلن لأحدث طرازات الأسلحة الأمريكية والغربية، وبأرقام تمويل فلكية، زادت في مجموعها على 120 مليار دولار، أضيف إليها نحو 45 مليار دولار، رصدتها واشنطن، لدعم أوكرانيا للعام الجديد 2023.
حمى السلاح والمال الظاهر والمعلن، وماخفي أعظم من ذلك، لدعم النازيين الأوكران، هكذا بكل وقاحة، وحماقة هذا "النازي الديمقراطي" لعام طوى رحيله بأوراقه الخاسرة، وبمجموع خمسين دولة فتحت كل مخازن سلاحها الحديث، وأعلنت تباعا استعدادها لتزويد أوكرانيا بأسلحة ثقيلة دفاعية وهجومية، وأصبح الدعم بالأسلحة بآلاف الأطنان، عبر الجسور الجوية والبرية، أسلحة خفيفة ومتوسطة وثقيلة، إلى تكتيكية، ومؤخرا أنظمة الدفاع الجوي "باتريوت" الأمريكي، إلى رفد قوات أوكرانيا بالمدرعات والدبابات.

مقبرة استنزاف

لم تنجح خطة واشنطن في تحويل أوكرانيا إلى مقبرة استنزاف الجنود الروس، وما يحدث هو استنزاف معاكس للغرب. وما عسى أمريكا أن تفعل، أكثر من ذلك؟
ألمانيا التي انتظرت الأطلسي، وهي تستضيف اجتماعاتهم السرية في قاعدة "رامشتاين"، أعلنت اعتزامها تزويد أوكرانيا بدبابات "ليوبارد" بعد دبابات "جيبارد"، فوق مدرعات "ماردر". بينما بريطانيا سبقتها بدبابات "تشالنجر"، وفرنسا لحقت بدباباتها المدرعة القتالية الخفيفة AMX-10RC، وأمريكا فتحت المزاد بصفقة عاجلة، وصلت قيمتها إلى نحو ثلاثة مليارات دولار، تضمنت 50 مدرعة من طراز "برادلي"، بالإضافة إلى أشهر منظوماتها "هيمارس"، ثم أضافت منظومة "باتريوت"، تلك فقط نماذج، وهناك عدد كبير من الدول الأوروبية قدمت أسلحة، على سبيل المثال وليس الحصر بولندا ودول البلطيق، والتشيك، والسويد، وفنلندا، ورومانيا ... الخ، قد يجدي ذلك قليلا، لاطالة أمد الحرب.

تغيير قواعد الاشتباك

روسيا على ما يبدو، استعدت جيدا هذه المرة للنزال الأخير، وتركت روح الاستهانة التي ميزت عملها العسكري لشهور طويلة، وأعادت تنظيم قواتها العاملة في أوكرانيا، وزادتها بالتعبئة العسكرية الجزئية، ومضاعفة إنفاقها الحربي، ودفع مصانع السلاح للعمل بكامل طاقتها، وزجت إلى ميادينها في أوكرانيا أسلحة أكثر حداثة، من نوع الطائرة الروسية الشبحية "سو ـ 57"، التي شوهدت مؤخرا في مسارح العمليات، بالاضافة إلى حل الكثير من الاشكالات التي كانت تواجهها، واستبدال قيادات جديدة
بعد تراجعات في خاركيف وكراسني ليمان، التي أغرت الغرب بإمكانية هزيمة الروس، ولجأت القيادة الجديدة إلى انسحاب منظم من منطقة خيرسون إلى غرب نهر الدنيبر، بدا متوافقا مع خرائط بوتين السياسية بعد قراره ضم المقاطعات الأربع شرق وجنوب أوكرانيا، وعلى جبهة سلاح طويلة تفوق الألف كيلومتر، مع التركيز على هدف استكمال السيطرة على مقاطعة دانسك بالذات، والتقدم المحسوب باتجاه مدن باخموت وكراماتورسك وسلافيانسك، رغم ظروف الشتاء الأكثر قسوة في هذه المناطق، والحرص على خفض الخسائر البشرية إلى أدنى حد، باستخدام المدرعات والدبابات الروسية الأخف حركة، والاعتماد على جماعة "فاغنر" والمقاتلين الشيشان، وقوات المقاطعة والمظليين الروس، وخصوصا في التعامل مع الارهابيين وتكتيكاتهم المعروفة للروس في
بناء الخنادق، واللجوء إلى تطويق باخموت من الشرق والجنوب، وصولا لمفاجأة السيطرة على سوليدار، التي تكمن أهميتها العسكرية في تلالها المرتفعة التي تمنح مجموعات القتال الروسية الصغيرة ميزة حاسمة في السيادة النيرانية، ربما تمهيدا لخنق خمسين خط دفاع أوكراني، وقطع الإمدادات على باخموت تمهيدا لاقتحامها.
الفئران المتحصنون بمدينة باخموت وخنادقها، قد يكون أمر التعامل معهم بطريقتين:
الأولى، بطريقة الحصار على ما جرى في معركة مجمع مصنع "آزوف ستال" في ماريوبول،
الثانية، اقتحام المدينة، بالقوات الخاصة، وقوات "فاغنر" والمقاتلين الشيشان، هؤلاء الفرق خبراتهم عالية في اقتحام المدن، وحرب الشوارع، بالتزامن مع تكثيف القصف الجوي والصاروخي والمدفعي وبالطائرات المقاتلة والمسيرات، وتدمير البنية التحتية العسكرية بالكامل في المدينة، وتحصين خطوط الدفاع من أي اختراقات واردة.

تعديل تنظيمي

اتخاذ وزير الدفاع الروسي شايجو قراره بتعيين الجنرال سيرغي سوروفيكين قائداً لمجموعة القوات المشتركة في منطقة العملية العسكرية الخاصة، وهو الذي كان يشغل منذ عام 2017 منصب القائد الأعلى للقوات الجوية.. غير أن هناك من يقول إن القرار الأخير يتضمن تعديلاً "عسكرياً تنظيمياً" يستهدف دعم الإشراف والتنسيق بين المجموعات القتالية، وإحكام السلطات وتركيزها بين يدي قائد عام، يملك كل ما تستلزمه المواقف من صلاحيات، بما يعيد إلى الأذهان مواقف مشابهة لما كان عليه الحال إبان أولى سنوات الحرب العالمية الثانية التي شهدت بأن جمع المارشال جوكوف رئيس الأركان العامة بين مهام منصبه، ومنصب القائد العام للقوات المسلحة السوفيتية منذ عام 1941 وحتى انتهاء الحرب 1945.
تقول المصادر الروسيةأن رئيس الأركان الروسية الجنرال فاليري غيراسيموف يجمع بين سلطات مهامه في رئاسة الأركان، وما كان بين يدي الجنرال سيرغي سوروفيكين من سلطات القائد العام للقوات الروسية الموحدة للعمليات في أوكرانيا منذ أكتوبر من العام الماضي، وحتى تاريخ صدور قرار وزير الدفاع في يناير (كانون الثاني) الحالي.

ما وراء القرار

أشار الخبير العسكري إليكسي ليونكوف في مقال نشرته صحيفة "موسكوفسكي كمسموليتس" إلى أن تعيين فاليري غيراسيموف قائداً عاما للقوات المشتركة يساعد على زيادة الكفاءة في صنع القرار، والتنسيق المتزامن مع تحركات القوات بالجبهة وتوفير المعدات".

أما عن تعديل صلاحيات ووضعية الجنرال سيرغي سوروفيكين، الذي لطالما علقت عليه مجموعة القوات الروسية الموحدة على الجبهة، كثيراً من آمال التقدم على صعيد تنفيذ المهام الموكلة إليه، قال ليونكوف إن "صلاحياته لم تكن تغطي النطاق الكامل للمهام الضرورية لإجراء ناجح للعملية". ومن هنا جاء قرار تعيين رئيس هيئة الأركان العامة قائداً عاماً للقوات المشتركة، لما في ذلك من أهمية خاصة، لما لديه من كامل الصلاحيات، فضلاً عن حقيقة أنه صار بهذه الصلاحيات، في غير حاجة إلى أية موافقات إضافية، لاتخاذ قرارات ذات طبيعة عملياتية.

عمليات واسعة النطاق

ولعل ذلك كله يعني ضمناً، وحسب ما خلص إليه خبراء عسكريون، ومنهم ليونكوف، أن القرار الأخير قد تم اتخاذه استعداداً لعمليات عسكرية واسعة النطاق ستكون في أشد الحاجة إلى قيادة رئيس هيئة الأركان العامة، وصلاحياته في استخدام الأسلحة والقوات، وهو ما يمكن معه تفادي سلبيات وقصور أوجه البيروقراطية العسكرية في اتخاذ القرارات لا سيما منها العاجلة.
وثمة من يقول في هذا الصدد إن القرار الأخير يمكن أن يعني بالتبعية دليلاً على تحول جديد صوب استعداد القوات الروسية لعملية عسكرية كبرى تحت قيادة رئيس الأركان، تستهدف تفعيل ما سبق، وكشف عنه سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسية حول ضرورة استعادة بقية أراضي "المناطق الأوكرانية الأربع" التي انضمت إلى روسيا في مطلع أكتوبر الماضي، بموجب نتائج ما جرى من استفتاءات شعبية في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي.
ومن هذا المنطلق، أعلن أندريه كلينتسيفيتش رئيس مركز دراسة الصراعات العسكرية والسياسية أن "تعيين غيراسيموف رئيساً للمنطقة العسكرية هو إشارة جيدة جداً"، تعني ضمناً إمساك أعلى الشخصيات القيادية بكل مقاليد الأمور في إطار العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، وما ينجم عنها من مسؤولية شخصية تجاه المعارك العامة المخطط لها لفترة الشتاء.
وفي هذا الصدد تحدثت وكالة أنباء REGNUM عن أهمية ما جرى اتخاذه من قرار تعيين ثلاثة من كبار القيادات العسكرية نواباً للقائد العام، ورئيس الأركان فاليري غيراسيموف وهم: القائد العام للقوات الجوية سيرغي سوروفيكين، والقائد العام للقوات البرية الجنرال أوليغ ساليوكوف، ونائب رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة لروسيا الاتحادية العقيد ألكسي كيم، بما يكفل توسيع نطاق المهام التي جرى تحقيقها في إطار العملية الخاصة، في الوقت الذي تتزايد فيه الحاجة أيضاً إلى تنظيم تفاعل أوثق بين أنواع وفروع القوات المسلحة.
كذلك نقلت صحيفة "أزفيستيا" توضيحات للخبير العسكري فلاديسلاف شورايجين خلال حديثه في 12 يناير الحالي، قال فيها:" إن تعيين رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة لروسيا الاتحادية فاليري غيراسيموف قائداً لمجموعة القوات المشتركة يزيد بشكل خطير من وضعية العملية العسكرية الخاصة". وأضاف شورايجين أنه "ينبغي أن يكون مفهوماً أن رئيس الأركان العامة في هيكل الكوادر القيادية العسكرية الروسية، هو الشخص الثاني بعد القائد الأعلى للقوات المسلحة"، بل وفي بعض القضايا يتولى ما هو أعلى من مهام وزير الدفاع، ويجب أن لا ننسى أن رئيس الأركان العامة له الحق في إعطاء تعليمات في شأن القضايا العسكرية، ليس فقط لوزارة الدفاع، لكن أيضاً لوكالات إنفاذ القانون الأخرى، وخلص شورايجين إلى اعتقاده أن "هيئة الأركان العامة لديها أيضاً كلمة مهمة في شراء الأسلحة والمعدات العسكرية". ومن هنا، وحسب كثير من المؤشرات، فإنه يمكن القول إن الفترة القريبة المقبلة لا بد وأن تشهد تحولاً في اتجاه التصعيد القتالي، لاستعادة مزيد من الأراضي في"المناطق الأوكرانية الأربع" حتى الحدود الإدارية التاريخية التي سبق وأشار إليها بوتين في كلمته التي استهل بها مراسم الإعلان عن ضم هذه المناطق إلى روسيا، وذلك استعداداً لأي مفاوضات مرتقبة مع الجانب الأوكراني، على الرغم من ما صدر من تصريحات عن دميتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين تقول إنه "لا توجد آفاق لمفاوضات سلام مع أوكرانيا، وإذا كان هناك من سلام فهو مع كييف فقط، دون تدخل الأطراف الغربية".

وخلاصة القول يتطلب حسم الموقف العسكري من جانب روسيا إعداد المسرح الحربي لهجوم كاسح، مع أوائل فصل الربيع، لم يقتصر على المناطق الأربع ومحيطها، بل الاتجاه به إلى العاصمة كييف في الشمال، والتعامل مع كييف كهدف استراتيجي، لضبط أخطارها، مع الناتو اللذان يشكلان تهديدا للأمن القومي الروسي، والأمن الأوروبي بشكل عام، وربما يستلزم الأمر تطوير العمليات إلى أوديسا في الجنوب، لتأمين الأخطار التي يمكن أن تشكله مالدوفا، وخاصة وأن الأطلسي يتطلع إلى زيادة تسليحها.
يبدو أن أوكرانيا والغرب لن يجنحوا للسلام إلا بسقوط كييف، وبعض المدن الرئيسة، حتى تستطيع موسكو فرض شروطها، وعليها أن تدرك أن الغرب لن يسلم بسهولة على حالة الأوضاع الحالية حتى في حالة السيطرة على المناطق الأربع، فنظام كييف لن يقبل الاعتراف بضم المقاطعات الأربع (دانسك ولوجانتسك وزاباروجيا وخيرسون) إلى روسيا، وشبه جزيرة "القرم"، التي استعادتها روسيا أواسط 2014، إلا بسقوط معاقل النازيين. وقد نصح هنري كيسنجر أمريكا قبل أسابيع، ودعا لتقبل المطالب الروسية في جملتها، وإن اقترح إجراء استفتاء آخر في المقاطعات الأربع، برقابة الأمم المتحدة، مع التسليم طبعا بأحقية روسيا في شبه جزيرة القرم، لكن الإدارة الأمريكية تتردد في قبول نصائح كسينجر، وتستمر في مطاردة وهم هزيمة روسيا، وتعتبر التجاوب مع المطالب الروسية هزيمة للغرب، ونهاية لسلطانها الأوحد في النظام الدولي، وإغواء الصين بضم تايوان بأسلوب الجبر العسكري.

 

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء