أجندة نُشر

مباحثات روسية - أمريكية . . هل تنجح في تسوية الأزمة الأوكرانية ؟

عرب جورنال / توفيق سلام -
الحرب الأوكرانية اليوم ليست سوى حلقة من حلقات الصراع بين الهيمنة العالمية لرأسمالية الغرب الذي يعتاش على تجارة سياسة الحروب والقرصنة الطاقوية والمالية الدولارية والأيديولوجية .. أي أن النيوليبرالية تتحول إلى الاشتغال بالشعوب من الخلف بالإنابة عنها لتحقيق أهدافها الجيوستراتيجية التوسعية في الهيمنة والسيطرة على العالم.

مباحثات روسية - أمريكية . . هل تنجح في تسوية الأزمة الأوكرانية ؟

اليوم الصراع يعلو ويظهر على السطح في تأثيراته الدينامية بصورة ملفتة مع تشكل أقطاب جديدة تقف في مواجهة هيمنة القطب الواحد الذي تقوده الولايات المتحدة، حيث المطلوب هو العدالة بين بني البشر، وحيث لا ذئب رأسمالي، ولا كادح منتهك حقوقه، يمكن أن تطرح في الحقيقة اليوم محله قضية المساواة، والعدالة، والديمقراطية، وهو ما يتطلب تجاوز التحديات على أوليغارشيي العالم الامبريالي الرأسمالي، والتحرر من ربقة وفاشية هذا الرأسمال الامبريالي الانتهازي، وهو ما يبدو ظاهرا في تسارع رسالة التعددية لتحرير الشعوب من جور الأحادية القطبية، وسياسة الحروب ومشاريعها القاتلة والمدمرة للحضارات البشرية ككل. وما هو ملاحظ أن الدول أخذت تتفاعل بكل مشاعرها وجوارحها للخروج من تحت عباءة الهيمنة القطبية الواحدة بتشبيك العلاقات مع الاقطاب الجديدة، وهذا لا يعني البتة في المقاطعة مع الإمبريالية العالمية، وإنما التحرر من هيمنتها، ومشاريعها المدمرة، وسياسة التبعية والتوظيف السياسي والاقتصادي والعسكري. والتحرر من الهيمنة تعني أن الدول تلتقي حول مفهوم المصالح المشتركة في العلاقات الدبلوماسية، ولا مكان للاحتكارات والابتزاز السياسي والتدخلات في شؤون الدول، أو توظيف تبعياتها لصالح تاجر البندقية، في المواقف الانتهازية المتطرفة الأكثر عنصرية التي تتقاطع اليوم مع أشد القوى "اليسارية" فاشية بقيادة الحزب الديمقراطي الأمريكي، هذا الحزب الذي تمول سياساته الفاشية الحالية خاصة مؤسسات وشخصيات صهيونية على نسق جورج سوروس وأمثاله.

تتوالى المؤشرات حول مقاربات تلوح في الأفق بين موسكو وواشنطن، لكنها ما تزال في مرحلة التفاوض بين الجانبين، وهناك تكتم، ولم يفصح ماتم الاتفاق عليه، ما عدا ما تم الاعلان عنه حول التفاهمات فيما يتعلق باتفاقية الصواريخ متوسطة المدى (ستارت -3)، ويبدو أن الملف الأوكراني كان حاضرا في أجندة اللقاء الاستخباري، بالتزامن مع عراقيل لا تزال قائمة، في ظل مقاربات أمريكية وروسية تتطلع لتحقيق مساحات أوسع في المكاسب.
فاللقاء بين مدير المخابرات الأمريكي "وليام بيرنز" ونظيره الروسي "سيرغي ناريشكين" في أنقرة، كانت أبرز مؤشراته في الاتجاهات التالية :

على الصعيد السياسي

المعلن هو أن هذا اللقاء سيخصص لمناقشة معاهدة "ستارت -3" بين واشنطن وموسكو، المعروفة بمعاهدة تدابير زيادة خفض الأسلحة الاستراتيجية متوسطة المدى والحد منها والتي انتهت عمليا في العام 2021.
وبالرغم أن موضوع اللقاء يبدو خارج إطار الحرب الأوكرانية، إلا أنّ المؤكد هو البحث حول الأزمة الأوكرانية، لا سيّما وأن تطورات عديدة في الحرب تشير إلى ذهاب الأطراف الفاعلة باتجاهات جديدة، تظهر لغة جديدة في الخطاب بين موسكو والغرب، مفرداتها جديدة حول إمكانية انطلاق مفاوضات بين موسكو وكييف، ربما تبدأ بهدنة بين الجانبين.

وفيما يبدو هناك اتفاق مشترك على منع استخدام، أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية في الحرب الأوكرانية. على أن يكون هناك لقاء آخر في القاهرة يحتمل أن يكون أواخر نوفمبر الجاري لاستكمال المباحاث بين الجانبين.

على الصعيد العسكري

بالرغم من استمرار المواجهات الروسية - الأوكرانية في جبهات القتال في شمال شرق وجنوب شرق أوكرانيا، إلا أن حدة هذه العمليات تبدو أقل ضراوة ممّا كانت عليه قبل أسابيع، بيد أن هناك عناوين جديدة على الصعيد العسكري، أبرزها: استمرار القصف الروسي للمدن الأوكرانية بالتركيز على استهداف محطات توليد الكهرباء، ومراكز حيوية أوكرانية، تبدو غير عسكرية، بهدف إجبار أوكرانيا على قبول المفاوضات بمواقف ضعيفة، والانسحاب الروسي من خيرسون لأسباب عسكرية غير مفهومة، قوبلت بردود فعل مشككة ليس في الغرب، بل وفي روسيا أيضا، عززت سيناريو أن هذا الانسحاب مؤشر على صفقة، أو على الأقل مبادرة من روسيا، تضمنت الحدود الجديدة التي تقبل بها روسيا تمهيداً للمفاوضات.

كييف مصدر تهديد

ويشكّل سقوط صاروخين غرب بولندا، مؤشرا خطرا على تدافع أطراف في كييف في زج الغرب بحرب مع روسيا، أي حرب عالمية ثالثة. كان موقف واشنطن أكثر نباهة، وتأكيدها لحكومة بولندا أن الصاروخين تم إطلاقهما من قبل أوكرانيا لمواجهة الصواريخ الروسية، كان ذلك أحد أبرز العناوين في التطورات العسكرية للحرب، لا سيّما وأن ردود فعل القيادة الروسية كانت "إيجابية" تجاه "التفهم" الأمريكي لـ"مزاعم" زيلينسكي، التي ظهر معها أنّه يحاول جر الناتو لمواجهة مع روسيا.
ويبدو أن هذا ما حرص الرئيس بايدن على فعله، إذ طلب من الرئيس البولندي بالتستر على الحقيقة الذي أبلغه إياها، وهي أن الصواريخ التي أصابت الأراضي البولندية هي صواريخ أوكرانية مضادة للصواريخ، أو مضادة للطائرات من نوع S300، وأنها ليست روسية، ولذلك طلب منه التستر، وقال الرئيس البولندي لا أعتقد أن مثل هذه الحادثة سوف تتكرر … لماذا لايعتقد ؟ لأن أوكرانيا سوف تنال من الصفعات ما يكفي لقيامها بمثل هذا العمل الذي كاد أن يورط كل البلدان في معارك لم تخطط لها، ولا تريدها. ومن ناحية أخرى بقيت قضية الصاروخين مشتعلة، وأن واشنطن تدرس في البند الرابع، والخامس من اتفاق الناتو ونظامها الداخلي وأحكامها الداخلية لتفعيل البند الرابع أي أنه يهدد الاتحاد الروسي رغم أنه متأكد من أن الاتحاد الروسي لم يطلق تلك الصواريخ، لكن لابقاء الأمر مشتعلا للضغط على روسيا الاتحادية .
لكن كيف يمكن تفسير ذلك ؟

إلغاء الشروط المسبقة

بعد انتهاء قمة العشرين في اندونيسيا كان بايدن على اتصال مستمر بالقادة الأوكرانيين، فقد كان يشعر أن هنالك نوع من رفض نصائحه التي كانت دائما بمثابة أوامر تطلق للقيادة الأوكرانية، وقد وصل بايدن سواء بالتفكير، أو بتطورات الظروف، أو بالاتصالات السرية التي تجري مع الاتحاد الروسي ومسؤوليه سواء الأمنيين، أو العسكريين، أو السياسيين وصل الى قناعة أنه لابد الآن من بذل الجهد لبدء مفاوضات لتحقيق السلام في أوكرانيا، وقد طلب سرا وعلنا من زيلينسكي أن يلغي شروطه المسبقة.

تتحدث مصادر إعلامية أن بايدن كان منفعلا جدا من ردود زيلينسكي، وطلب منه الاستماع إليه جيدا، وقال له ” اسمعني جيدا ”، واستخدام هذه الكلمة تحمل ضمنا معنى التهديد، وهذا ماحصل فقد أمر بايدن زيلينسكي بأن يفتح الأبواب أمام التفاوض، وأن لا يضع شروطا مسبقة، وأن لا يرفع وتيرة المطالب والمطالبات كسحب لقوات الروسية من ما يسميه الأراضي الأوكرانية المحتلة، وقال له :" معلوماتنا لاتقف عند هذالحدود".
تدرك واشنطن من خلال مصادرها الاستخبارية بأن هناك عددا من المستشارين المحيطين بزيلينسكي وأهمهم مستشاروه للشؤون الأمنية والعسكرية والسياسية هؤلاء هم من أعتى المتطرفين الذين يرفضون أي نصيحة من الولايات المتحدة التي تزودهم بالسلاح والمال وترعاهم سياسيا واعلاميا يرفضون منها أي أمر، أو املاء لايلبي شروطهم هم وليس شروط الولايات المتحدة بكلام آخر هنالك على ما يبدو خلافات في سلطة كييف.. لكن الخلافات لاتعني أنهما أي الطرفان مختلفان إلى حد الصراع، لابل أن الطرفين مختلفين حول كيفية التعامل مع املاءات واشنطن وأوامرها الصادرة لهم فمن ناحية يعلم زيلينسكي بأنه من غير الممكن والمقبول أن يثير غضب الرئيس بايدن، لأن هذا قد يعني أن بايدن قد يبطئ بارسال الأسلحة والذخائر والمال، من ناحية ثانية فإن زيلينسكي يعلم أن الولايات المتحدة هي التي تقود الناتو وأوروبا وتجبرهم على دعم أوكرانيا في الوقت الذي يعلم فيه أيضا زيلينسكي وبطانته أن الحكومات الأوروبية تفعل ذلك اذعانا منها ورغما عنها، وأن هنالك مطالب شعبية واسعة في الشارع الأوروبي تضغط على الحكومات لرفض تنفيذ املاءات واشنطن.
السؤال الذي يتبادر للذهن .. هل فعلا أوكرانيا هي من أطلقت الصاروخين إلى بولندا، دون أن يكون هناك تنسيق مع واشنطن؟

الأمر غاية في الخطورة إن تجرأت كييف على هذا الفعل، بمعنى أنها خارج دائرة السيطرة، وأن هنالك لوبيات خطرة، ربما على تنسيق مع بريطانيا أو الكيان الصهيوني، وهذا ما يقصد بالخلاف، بين مستشاري زيلينسكي، فهل هذا يعني أن الأمر يتفاقم إلى الحد غير المفهوم .. فإن كانت واشنطن لا تعلم، فمعنى ذلك هناك جناح تابع لبريطانيا والكيان الصهيوني هم من أمروا باطلاق الصواريخ على الأراضي البولندية في محاولة لجر بولندا إلى المعركة، وهم يعلمون أن القيادة البولندية لا تحترمهم كثيرا، بل لها أطماع في أراضي تعتبرها بولندية سيطر عليها الاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية، وتم ضمها إلى الأراضي الأوكرانية. ورغم ذلك فقد خضعت بولندا لاملاءات واشنطن لتصبح هي الطريق الذي يمر عبرها قوافل امدادات الأسلحة والمعدات والذخائر إلى أوكرانيا، وهذا يعني أن بولندا تمسك بخناق أوكرانيا من هذه الزاوية الحيوية.

لقد أغضب تطرف مستشاري زيلينسكي وربما بمعرفة زيلينسكي، رغم أنه ادعى في اتصاله مع الرئيس الأمريكي بعدم علمه بأي عملية، وأن الأمر لابد أن يكون خطأ فنيا وليس عملية مخططة.

من المهم هنا أن نلاحظ كيف كانت ردود أفعال بوتين، الذي اعتبر هذا نوعا من الاستفزاز الذي لايهمه مطلقا الرد عليه، أو الدخول فيه قال ذلك بوتين باشمئزاز شديد يعرف معناه التام، ولهذا استنفر الرئيس بايدن حتى ينفي بسرعة شديدة احتمال أن يكون اطلاق الصواريخ حقيقة، أو أنه اطلاق روسي، أو عملية مقصودة فمنذ البداية شكك بايدن بذلك حتى قبل اتصال الرئيس البولندي به لابلاغه الحقائق وعندما أبلغه الحقائق فهم أنه استوعب معنى تصريح بوتين
الذي هزئ وسخر من هذه الاستفزازات التي قال عنها أنه لايرد عليها ولن يدخل فيها .

هذا يعني أن هنالك جهات في الحكومات الأوروبية تلتزم باملاءات بايدن، ولو بصمت، ودون صراخ بالسعي سرا ودبلوماسيا لبدء مفاوضات بين الاتحاد الروسي وبين الاوكرانيين. وبطبيعة الحال يمكن لأي متابع يتمتع بالنباهة أن يعلم أن المفاوضات لن تتم بين الاتحاد الروسي وأوكرانيا، بل ستتم بين الاتحاد الروسي والولايات المتحدة، إذ أن كل الموضوع ليس أوكرانيا كل الموضوع هو حرب أمريكا على الاتحاد الروسي في محاولة لتحطيم اقتصاد روسيا واستنزافها وربما الحلم القديم للولايات المتحدة بتقسيم الاتحاد الروسي .

هذا يعني أن الولايات المتحدة التي تشن حربها على الاتحاد الروسي وحلفائه، وعلى العالم الذي يتوق للعدالة والخلاص من الهيمنة الأمريكية بولادة التعدد القطبي الذي ظهر بهذه الكيفية التي نراها اليوم، وإن كان أكثر تعقيدا. ولهذا فإن الولايات المتحدة تحاول الضغط على حلفائها على استمرار الهيمنة القطبية فهي تستقوي بهم، وفي نفس الوقت تستخدمهم في ضرب خصومها، بدأت هذه الحقائق تتكشف على الملأ، وأصبحت الدول الآن تعي مصالحها القومية ومصالح شعوبها، وأن الاستمرار في طريق التبعية الأمريكية ستغرق بلدان أوروبا بالكوارث، وهناك دول بدأت بفتح علاقات جديدة مع الصين وروسيا لبناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة والمتوازنة القائمة على التعاون في كافة المجالات.

من المؤكد أنّه ليس هناك صفقة جاهزة بين واشنطن وموسكو حول وضع نهاية للحرب الأوكرانية، وأن ما نشهده يعكس تطورات مهمّة تشير إلى أن التقارب أصبح أقرب من السابق، لأسباب مرتبطة بمخاطر استمرار الحرب، بالتزامن مع الأزمات التي تواجهها أوروبا، وخاصة أزمة الطاقة، وأزمة الداخل الأمريكي بدأت تتعمق في ظل نتائج الانتخابات الأمريكية، وفوز الجمهوريين في مجلس النواب، وبدء طرح معارضتهم للدعم الأمريكي لأوكرانيا، ومن المرجح وعلى نطاقات واسعة فإن التفاهمات القادمة بين واشنطن وموسكو ستتجاوز حدود جغرافية أوكرانيا، وسيكون لها انعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط، في عدد من الملفات وأهمها الملف النووي الإيراني، ومستقبل القضية السورية، والعلاقة مع الكيان الصهيوني، بالإضافة إلى أدوار مصر والمملكة العربية السعودية وتركيا في الإقليم، غير أن المؤكد هو أن أي تحولات في المواقف الروسية ستكون في ملفات إيران، وباتجاهات ربما تعيد إنتاج توافقات أمريكية ـ روسية حول تسوية القضية السورية، ولعل هذا ما يفسر طلب موسكو لتركيا لضبط النفس....!


Tawfiqsallam89@gmail.com

 

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء