هوية نُشر

البحرين ..كنوز مفقودة

عرب جورنال / خالد الأشموري :

الحديث عن البحرين في الحاضر والماضي حديث النجاح المرموق الذي تخطته البحرين في نصف قرن بحسب أبناء البحرين أنفسهم وبخاصة الكبار من شهدوا المرحلتين اليوم والأمس ..كيف ؟

البحرين ..كنوز مفقودة

يقول محدثنا "أشرف أبو اليزيد" الكاتب والصحفي عن مملكة البحرين مستفيداً من ما قرأ في  الصحافة المقروءة ومما شاهده عن قرب بالأمس القريب وهو يزور المملكة ـ مستطلعاً الوجه الجديد للبحرين ـ " دائماً ما يكون مطلوباً وجود حلقات وصل, تسلمك من حقبة إلى أخرى, وتعبر بك مثل جسر ممهد الأيام والشهور والسنوات , أختار في بداية الرحلة وحلقتي وصل تمثل الأولى الإنسان بين الأمس واليوم وتُعبًرو الأخرى عن المكان بين الماضي والحاضر"

 ويقول هناك كلمات قيلت قبل خمسون عاماً عن هذه البقعة العربية ـ تضمنت تلك الكلمات الوصف التالي : في خليج العرب جزيرة صغيرة تبدو على الخريطة في حجم رأس الدبوس تعاقب عليها الغزاة والمستعمرون, وتركوا بها مليون قبر حيرت العلماء, بها ينابيع تُخرج الماء عذباً من أعماق البحر, وآبار تخرج الزيت من بطن الأرض, كتب عنها هيرودوت منذ ألفين وثلاثمائة سنة أو تزيد, وكتب عنها ابن بطوطة والسندباد البحري, كما كتب عنها الرحالة الإيطالي القديم المشهور ماركو بولو, ومر بها إسكندر الأكبر, ولاتزال فيها حتى اليوم آثار عدة من الصيني أو من الحجر, تنم عن أنه كان من بين الذين ارتادوها في غابر الزمان, وكسرى مربها أيضا في طريقه إلى اليمن لإنقاذه من غزو الأحباش, وكذلك فعل جنكز خان ملك المغول الذي أمتدت فتوحاته حتى شملتها فيما شملت من البلاد والأقطار , وتيمور لنك ذلك الطاغية الذي أهلك الحرث والنسل ,إنها لم تسلم من غزوه إياها , واحتلاله أرضها.. واحتلها البرتغاليون ردحاً من الزمن أقاموا فيها القلاع والحصون ,وظنوا انهم فيها خالدون, فما لبثوا أن طردوا منها !وقصدها الفرس بقيادة ملكهم نادر شاه, لكنهم بدورهم انكسروا , كسرهم العرب عام 1691م والمصريون أيضا حكموها كانت بين البلاد التي بسطوا عليها سلطانهم بموافقة حاكمها أيام حروب إبراهيم ..ومن بعد ذلك ظلت الحروب تتوالى عليها وتتعاقب 35حرباً في مائة وسبعين عاما.. أي بمعدل حرب في كل خمس من السنين !فهل عرفتها ؟!   

 

على هامش الاستطلاع ننتقي من محدثنا "أبو اليزيد" أطرافاً من الحديث عن المجتمع البحريني بتاريخه القديم والحديث:

يرى "أبو اليزيد" أن هذه الأرض العربية هي نفسها بلاد الأمس ,فهي تعود اليوم إلى المكان نفسه بعد قرن ليس فقط لنستطلع الحضارات المفقودة, بل لتقرأ في مملكة البحرين الجنات الموعودة التي نهضت بشموخ في خمسة عقود من العمل المتواصل والتحدي الجدي والتحديث العصري ".

يقول "محمد حسين " مواطن بحريني: تعلمنا في مدرسة الحياة, وخبرنا كل شيء بالممارسة, علمنا لم يضع ولم ينسَ لأننا اخذناه عن تجربة, وإذا حدثتك بين الأمس واليوم لاحتجنا إلى أكثر من نهار كانت سنوات التعليم الأولى تبدأ في سن الرابعة بالقرآن الكريم يأتي الشيخ ليدرس الصبية في المساجد ويأخذ الشيخ اجره كل خميس بيزتين وربما ترسل الأم للشيخ بيضة دجاجة كل خميس اجراً عن تدريس ابنها القرآن الكريم" !فيما ينتقد محدثنا التفتح الذي صارت إليه الحياة وقد عزاه للاختلاط, واخلاق الغرب لقد كانت البنت الصغيرة لا تخرج من بيتها, وإذا رآها أحد من أهل الحي أمرها بالدخول, ولا يرى الرجل زوجته إلا بعد عقد القرآن وليلة العرس قبل ذلك تذهب الخاطبة إلى بيت العروس فإذا أكرمها أهلها بالطعام واللسان الحلو ,عادت لتقص الأطايب عن العروس وخصالها !وليلة العرس يأتون بالعروس لبيت زوجها في حصير أما اليوم فينفق المتزوجون أربعة آلاف دينار على حفل ليلة الزفاف, وهي نقود لو ادخرها الشريكان لحياتهما لكان أفضل .

قلاع البحرين .

في العام 2005م أضافت اليونسكو إلى قائمتها العديد من المواقع الأثرية والتراثية ضمن التراث العالمي منها والأهم "قلعة البحرين " تلك القلعة البرتغالية العريقة شيدت في القرن الرابع عشر الميلادي, يطلق عليها اليوم قلعة البحرين , وهي لا تمثل ذلك البناء المعماري الدفاعي فقط ,ولكن المنطقة تضم أيضاً موقع البناء القديم وعاصمة حضارة دلمون, على مساحة تغطى 17هكتاراًونصف الهكتار, عمرته على فترات زمنية حضارات بائدة امتدت من منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد, حتى فترة الوجود في مملكة البحرين بسور قلعة البحرين خندق هائل ,يمتد مع ثلاثة اضلاع للقلعة المربعة, أما الضلع الرابع فهو البحر الذي تكشفه العينان حين نصعد إلى أعلى أبراج القلعة كان البحر مكشوفا من قبل زرع النخيل على الشاطئ ليشكل بلونه الأخضر سياجاً للبصر .

قبل سنوات طويلة لم يكن ذلك الموقع المعماري المميز سوى مساحة من الرمل , الذي دفن تحته هذا الكنز الأثري الفريد ,لكن اليوم يفخر البحرينيون بهذه القلعة التي نهضت من تحت الرمال مثل عنقاء تروي التاريخ ومثلت زيارة الشيخ حمد ملك البحرين لذلك الاثر بعد ترميمه لفته ملكية تحث شعبه على الاهتمام بالماضي وتأهيله للمستقبل لفائدة عظيمة تضع البحرين بقوة على خارطة المواقع الأثرية في منطقة الخليج العربي ومع تلك اللفتة الملكية كانت هناك لفتة جمالية تمثلت في بيوت القرية التي قادتنا سكتها إلى تلك القلعة البرتغالية, وقد زينت جدرانها برسوم تقليدية, فأصبح المشهد يمزج بين نخيل في الجوار ونخيل على الجدار.

لاتزال هناك تنقيبات حول القلعة, لاشك أن مدناً كثيرة تختفي تحت هذه الرمال ,تقص ما خفي من التاريخ لجزر البحرين التي عرفت, ولاتزال طرق التجارة العالمية بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب ومثلما قارن لنا "الشباب " بين الماضي والحاضر في مملكة البحرين كان ذلك الأثر, قلعة البحرين يروي لنا مقارنة أخرى بين الماضي والحاضر فقبل خمسين عاماً لم يكن لذلك الأثر وجود على خريطة المواقع التاريخية في البحرين, أما اليوم فقد ظهر إلى الوجود وتم ترميمه وإضاءته بشكل راق, وربما يلحقه التأهيل ليصبح مزاراً مرموقاً .

وفي المشهد الاستطلاعي ـ هناك ما يثبت وجود الكثير من القلاع والمزارات والمعالم الأثرية التي تشير إلى الوجه القديم للبحرين التي أسماها "أبو اليزيد" بالحضارات المفقودة .. إلا أن استعاده الماضي لا تتوقف كقول المواطن البحريني محمد خليفة "لو عاد الأولون إلى الحياة وراوا ما تعيشه البحرين اليوم لتمنوا أن يعيشوا في هذه الأيام وأن يتمتعوا بالرفاهية التي يتمتع بها أبناء اليوم" .

لاشك أن هذه الحياة وهذه الرفاهية التي يعيشها أبناء البحرين على مستوى الحياة لجديرة بأن تُذكر يقول "أبو اليزيد" واصفاً الشراع والمستقبل في البحرين : تصعد إلى سماء البحرين اليوم عمائر تدخل في باب عمارة الشراع إذا كان هناك في الهندسة هذا القسم !فكل بناية وكل فندق وكل ناطحة سحاب وكل نصب تذكاري تبحث جميعها عن زاوية للشراع الذي ظل شاهداً على التاريخ البحري في البحرين لتنقلها بالإسمنت والحديد واللون إلى فضاء المدن الجديدة والعمائر الحديثة والمنشآت العصرية, والتي ينهض معظمها اليوم على دفن البحر, وهو مصطلح يشير إلى المناطق التي تردمها المملكة لتضيف مساحات من اليابسة لجزرها وشواطئها .

واليوم تسعى العمارة العصرية إلى استلهام التراث تتقوس ناطحة السحاب لتشكل شراعاً تنحني أخرى لتكون صارياً وتتحد ثالثة مع توأم لها ليكونا رأسي سفينة بوم, ومن لا يتبع ذلك ولا ذاك يرسم على واجهته بالألوان أو الأضواء الملونة شكل الاشرعة أو الشراع العملاق ,حتى مواقف السيارات في بعض الكليات والمجمعات التجارية تمزج بين شكل الخيمة والشراع ..إن الأشرعة المعمارية في البحرين اليوم تمثل منارات يصعد إليها صوت المهندسين الذين يعيدون تشكيل مدى البصر ليصنعوا بالخرسانة المسلحة مراكب عملاقة على البر, بعد أن غابت أو كادت المراكب التقليدية في البحر, وإذا كانت تلك المراكب التقليدية تمثل النموذج الحي للتجارة والاقتصاد المزدهر لطرق التجارة قديماً, فإن المراكب العملاقة ذات الأشرعة الإسمنتية تمثل الواجهة اليوم للتجارة العصرية الموزعة بين المؤتمرات الدولية والصفقات المصرفية والبورصة النقدية والسياحة التاريخية وغيرها من مفردات تشكل قاموس التجارة اليوم ومن المعروف أن حجم استثمارات المؤسسات الإسلامية البحرينية في دول شرق آسيا الإسلامية تصل إلى 12مليار دولار أمريكي خلال سنة 2006م مقابل 5مليارات فقط في عام 2000م "ارتفع عدد العاملين في القطاع المصرفي بالبحرين إلى اكثر من 10آلاف  في العام 2007م"مما يجعل من وجود هذا المرفأ تلبية لضرورة ملحة.

هذا التطور ينعكس على مستوى الحياة في البحرين وتقدر الأمم المتحدة أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي قد بلغ 12ألفا و564 دولاراً كواحد من أعلى مستويات المعيشة في العالم, وتشير إحصاءات رسمية في العام 2007م إلى أن متوسط ذلك الدخل يبلغ نحو 4500 دينار بحريني.

إنك اينما وليت وجهك في مملكة البحرين اليوم رأيت الرافعات تدفع بأذرعتها إلى السماء حاملة حجراً جديداً في بنيان جديد, أو رأيت الحفارات تشق نفقاً أو الجرارات ترصف طريقاً أو العمال ينجزون بناء هنا أو هناك الجميع يرسم معاً خريطة جديدة لمستقبل مملكة البحرين القريب على أرض الواقع في منتصف مشروع هنا أو بداية مشروع هناك كلها تحمل عنوان الجنات الموعودة ,ومن الجنات هناك مجموعة جزر أمواج, وهي جزر اصطناعية تغطي مساحة 30مليون قدم مربعة خطط لها أن تضم مجمعات سكنية وطبية وتعليمية وترفيهية ,ويسمح فيها بالتملك للأجانب ويربط في ما بينها عدة جسور وقد شيدت شمال شاطئ "المحرق", بالإضافة إلى  مجموعة أخرى من الجزر الاصطناعية تبلغ 12جزيرة أطلق عليها أسم درة البحرين تغطي مساحة 21كيلو متراً مربعا, وتضم ألفي فيلا ,واكثر من 6 آلآف شقة ومكتب, فضلا عن الشواطئ الخاصة .

ويخلص محدثنا إلى القول بإن هذا الاتجاه العالمي يزداد تأكيداً يوماً بعد يوم خاصة عندما أعلن رئيس وزراء البحرين الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة تخصيص جائزة سنوية للباحثين من مختلف دول العالم المبتكرين في مجال تحسين المستوطنات البشرية.

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء