أجندة نُشر

قمة العشرين.. ومعضلات العبور إلى بر الأمان ...!

عرب جورنال /  أروى حنيش -

تنعقد قمة قادة مجموعة  ال 20 في جزيرة بالي الإندونيسية وسط ظروف جيوسياسية قد تكون الأصعب في تاريخ المجموعة، في ظل مناخات دولية معقدة، وتوترات متزايدة بين الأقطاب الدولية الكبرى على خلفية الأزمة الأوكرانية، وسياسة العقوبات على روسيا التي انعكست بتأثيراتها السلبية على العالم، بارتفاع معدلات التضخم الذي  وصل إلى مستويات قياسية عالية، وخصوصا في الولايات المتحدة وأوروبا التي توشك أن تدخل اقتصاداتها إلى  حالة الركود الاقتصادي،

قمة العشرين.. ومعضلات العبور إلى بر الأمان ...!

بسبب ارتفاع أسعار واردات الطاقة البديل عن واردات الطاقة الروسية، بالإضافة إلى أزمة القمح والحبوب من روسيا وأوكرانيا، وتشتت الظاهرة البارزة التي طبعت العلاقات الدولية المعاصرة بهيمنة سياسة القطب الواحد على النظام العالمي الذي أدى بدوره إلى التأثير على التطورات الأقتصادية والقانونية والسياسية والاجتماعية. هذه وغيرها من الإشكالات كانت مخيمة على أجواء القمة التي تتسم بالتعبيرعن الاشكالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية والاستراتيجية، التي تحاول إندونيسيا الخروج بها إلى بر الأمان رغم الضغوط الأمريكية المسبقة لعدم تمثيل روسيا في القمة، في وقت تحاول فيه إندونيسيا الوصول برئاستها المجموعة إلى بر الأمان، وإلتزام سياستها المحايدة.

  النظام العالمي الحالي يستند إلى قواعد القانون الدولي التي تجد جذورها في المبدأ الليبرالي "دعه يعمل، دعه يمرّ"، إلا أنه أصبح مشلولا ويتسم بالعديد من القيود والعقوبات التي تتحدّى قواعد انطلقت أساساً لتأمين اقتصاد العالم المفتوح في التجارة الحرة في التنافس .. إلا أن هذا التنافس لا يراد له يمر ويصعد بسهولة دون كوابح لمواجهته بالتكتلات، وبناء التحالفات العسكرية لتشكيل تهديدات وأخطار، وخصوصا في منطقتي المحيط الهندي والهادئ.

 اختلال القطبية الثنائية أدت إلى اختلال التوازنات، خاصة بعد توسع حلف الناتو في شرق أوروبا، مما أعطي لهذا الحلف طابعا هجوميا في تدخله في عدد من دول الشرق الأوسط، ووسط آسيا، وأخيرا في أوكرانيا، بحيث أصبح أداة تهديد للسلم العالمي مع زيادة أطماع الولايات المتحدة لاحتلال العالم، ويظهر ذلك جليا مع زيادة نفوذها وسيطرتها على اغلب مناطق العالم، ونشر قواعدها وأساطليها بشكل ملفت على مناطق الطاقة، ومحاولاتها  دمج القضايا العالمية بها، فتحوّلت قوة نفوذ كبيرة في شكلها الجديد، بحيث صارت غير قابلة للتعاطي معها. السؤال هو إن كان الغرب ما زال يقبل بالآخرين في الشراكة العالمية، بعيدا عن مشاريع الاحتواء والهيمنة والاملاءات والتدخل في شؤون الدول، أي علاقات اقتصادية مفتوحة على الجميع تخلو من سياسة الاحتكارات، والتخلي عن سياسة العقوبات باعتبارها وسيلة حرب لضرب الآخرين ومحاصرتهم، فهل لديه هذه الروح للخروج من هذا العلاقة العبثية، باستخدام وسائل إرهاب متعددة لاخضاع الدول تحت هيمنتها، وملء الثغرات، وتعرّجات عمل نظام الحياة الدولية، وعدم تأمين نهاية الليبرالية.

 

الانقسام الصيني - السوفيتي

ما أنقذ القضية الليبرالية في القرن العشرين، إلى جانب القوة الأمريكية، مراوغة جهة مشتركة ضدها، والانقسام الصيني – السوفيتي الذي ساعد الغرب في الانتصار في الحرب الباردة. أهدرت الموارد الكثيرة على الفكرة الخاطئة في الحرب الباردة (الاشتراكية المتجانسة)، يجب ألّا تهدر اليوم على "الأوتوقراطية"، وأن يضمن الغرب حدود الشيء نفسه في القرن الواحد والعشرين، فالرئيس ترومان في العام 1945 (أقوى الرؤساء الأمريكيين) ظهر غير قادر على تطهير ألمانيا وكلّ نظامها القديم. تبرُز اليوم أمام الرئيس بايدن إشكالية تتعلق بكثرة (وتنوع) الأسباب التي تدخل على اللعبة، وتوجب طرائق ممتازة في العلاقات الدولية، للخروج من بؤس أحادية النظام الدولي الذي لم يعد مرحبا به، ثلاثة عقود كانت بمثابة نكبة حقيقية للعالم.

 

والحقيقة أنه لأول مرة في التاريخ  يرى العالم نفسه محروماً من نظام حقيقي، لأن الولايات المتحدة تهدد التقارب العالمي بين روسيا والصين، ومازالت تعيش على أفكار ورؤى الماضي الاستعماري، وسياسة النفوذ والاحتكارات والنهب والسلب لمقدرات العالم التي ظلت تعتاش عليه حتى وقتنا الراهن، في عالم ليبرالي يعزز سلطة الشركات والأثرياء، على حساب مصلحة الفرد في مقلوب العلاقة الليبرالية التي تنادي بالاهتمام بمصلحة الفرد، بحيث غدت الديمقراطية مهددة بالتآكل مع صعود التيارات اليمينية القومية المتطرفة إلى الحكم، وجل هؤلاء عنصريون، واخفاقاتهم تزداد في العلاقات الدولية، ونقد العالم لسياسات الغرب بشكل عام هو ما يعتبره الغرب حرب على  الديمقراطية مقابل الأنظمة الاستبدادية، حيث نظام دولي سمته المميّزة عدم الاستقرار، والتوتر المتنامي بين دينامية القوة وتفاقم الضغط والركود الاقتصادي. وكما يؤكّد بادي وساموث أن :"النظام الدولي أصبح الأقل استقراراً بين مجمل الأنظمة السياسية".

يضع خطر الوحدة الأوروبية على المحك.. في المقابل، لا يكفي أن تنظر الولايات المتحدة وحدها إلى الأمور. في كلّ مرّة تستخدم سياسات ولادة للانقسامات والتناقضات في زمن العولمة.

 

 أغرب شيء في الحلم الأمريكي أنه مزيج يتعامل مع قوى التفتيت والعولمة في آن بين قوى الانطواء على الهوية القومية، وقوى الانفتاح الدولي، بين المديونية، ورفض الاعتراف بها، بين تمسّكها بفكرة الدفاع عن القيم الليبرالية، وضربها بالطريقة نفسها، ما يوحي بأنّ الاستبداد يتكرّر في متوالية سياسية واقتصادية ودبلوماسية في عدم احترام توازن القوى الجديدة، ومعه يتزايد التشكيك بقيادتها على الصعيد الدولي.

 

قمة على نحو غير جامع

ليست الأمور على مقياس ما يمكن توقعه من حربٍ على عولمة محقّقة في السبعينات، تخسر الكثير من فعاليتها. لذلك تأتي قمة العشرين على نحو غير جامع، حيث أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين  عدم مشاركته في القمة، لتبيّن ما إذا كانت الأمور ستذهب في الاتجاه الصحيح، إلى المنعطف الذي ستأخذه اللقاءات،  الشجارات المتصاعدة، الذي تعمد الرئيس بايدن إبراز أجندته في أوكرانيا على أنه من أجل دفاع أوكرانيا على أراضيها ووصف موسكو بالمعتدي، غايته عن يجعل من القمة لصالحه، وهو ما استنكره وزير خارجية روسيا لافروف، وفضح سياسة واشنطن بالقول :" أن الولايات المتحدة تسعى لعسكرة منطقة جنوب شرق آسيا"، ونتيجة لذلك لم تخرج القمة ببيان مشترك، ومع ذلك

 قد تنجح الدورة المقبلة في الوصول إلى عدد من الاتفاقيات سيراً على نهج الاجتماعات الوزارية التي أجريت على مدى العام.

وتمثل الدول الأعضاء في مجموعة العشرين أكثر من ثلثي سكان العالم، مع حجم تجارة عالمية بلغ 75 في المئة و80 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

 

ويبدو هناك مخاوف كبيرة  من أن يكون العالم بعد أوكرانيا على عتبة قرن "ما بعد ديمقراطي"، وتتعزّز تربية أنظمة مارقة،  فالأنظمة الاستبدادية ليست أقل عرضة للشجار أيضاً.  وقد تضاعفت تكاليف سباق التسلح مجدّداً، نموذج اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية التي ما كانت تستشعر الحاجة إلى الدعم الاقتصادي وحماية القوة المسلحة.

 

 فرض العقوبات

لكن، مع تعثر أدوات الضبط العالمي، و"أفول الوظيفة القانونية الدولية" التي كانت تستبق الأمور والأحداث، تبرز أنساق جديدة تربط بين الاقتصادي والسياسي والعسكري، من نوع دعوة السعودية إلى الانضمام إلى مجموعة البريكس (670 مليار دولار حجم تبادلات الصين). ثم إن أسلوب فرض العقوبات يتعارض مع المضامين المعاصرة للأمن الدولي. هذا فيما تتزايد مشكلات التحدّي البيئي وأخطار اكثر انتشارا وضررا في مجالات الطاقة والأمن الغذائي، ثم تأتي مسائل من نوع تعديل القواعد النقدية العالمية، ما يجسّد رهانا جغرافيا سياسيا آخر سيشكل تصاعد قوة الصين واندماجها من عدمه في مباحثات القمة سمتين كبيرتين مترابطتين. إما اندماج وتشبُث بالاقتصاد العالمي وتقليص خلافات في الموازنة مع وجهات النظر الأمريكية، أو الاتجاه المعاكس لتوجهات الدول الغربية، أي التجزئة. يسعى المعاندون إلى إعادة ترتيب سلم القوى الدولي، والعودة إلى مبدأ التوازن، أي موازاة القوة الأمريكية المهيمنة عبر التحالفات العابرة، أو الثابتة، أو الظرفية، فيما روسيا ونفوذها على المحك. لن يحيد بوتين عن الاستراتيجية الجديدة التي أطلقها الكرملين العام 2000، وكرّرها في مؤتمر ميونخ الأخير عام 2021، وهي تعزيز التعبئة الاقتصادية، إذ لا يمكن إهمال البعد النفسي في ظروف الحرب التي تشنها روسيا، وأفقدتها البراغماتية الجيوسياسية، وما تعتبره من شروط إنعاش دورها القطبي على المستوى السياسي الدولي، ورفض فكرة القوة المتوسطة.

لن يستطيع الرئيس الروسي بوتين الخروج من الإغراء الإمبراطوري الغامض الذي ما زال يخدم شرعيته القومية. وترسل التصريحات الروسية إشارات قوية للعالم، لن تتراجع في ما يخصّ العملة العالمية الجديدة، ودور الروبل المحتمل، ووثيقة أمن الطاقة عبر أوروبا والطاقة النووية. ليست القضية أوكرانيا، بقدر ما هي قضية إعادة هيكلة النظام الدولي، وهنا يكمن مربط الفرس الذي تتهرب منه الولايات المتحدة، وتدفع بأوكرانيا إلى أشغال روسيا بالمواجهات، وفي نفس الوقت فإن الولايات المتحدة تتحفز لإشعال التوترات في منطقة بحر الصين الجنوبي، وقبل الدخول مع الصين بإثارة قضية تايوان تعمل على إعادة ترتيب أوراقها مع الجوار استراليا، اليابان، كوريا الجنوبية وفيتنام، من خلال تعزيز قواعدها العسكرية في المنطقة.

 

 

 معالم جديدة في التوجهات

تحاول الصين وروسيا إعادة كتابة قواعد الطريق من أجل مصالحهما. أوروبا تعاني، وفشلت في رسم مجال أوروبي أكثر تمايزاً، يتآلف وتفاهمات متعددة بعد مجال شينغن، وانضمام دول أعضاء، وتوسيع منطقة اليورو في أوروبا الوسطى، قبل أن تضطرّها الحرب الأوكرانية وأزمة الطاقة إلى الحدّ من طموحاتها، وكانت تراهن على المجال الجغرافي في أوكرانيا، لكنها واقعة تحت الضغوط الأمريكية لتكون

في واجهة الأحداث في مواجهة روسيا. ولن تقبل الإدارة الأمريكية بأقل من ذلك،  وإعادة أوروبا لعالم غربي تنظيماً ليبرالياً إرادياً، فإذا صحّ كلام بسمارك أن "الدولة تصنع سياسة جغرافيتها" فأوروبا تتكبد خسائر كبيرة أكثر من ثلث التجارة العالمية، فيما يحاول الصيني والروسي إظهار الأمور المشتركة مع شعوب آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا كنماذج مؤسساتية للثقة والتعاون. الأمريكي مستمرُّ في إظهار عظمته العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، مروّجا التنويع التكنولوجي في نقل مصانع الرقائق التايوانية إلى الداخل الأمريكي مع نظام أبحاث عالي المستوى في هذا الشأن، فيفهم الصيني المسألة بعدم رغبتة الدخول في مواجهةٍ معه في تايوان. لا يبدو أنّ أحداً قادر على التراجع، كأن الصراع لم يبدأ بعد، خصوصا في ظل  غياب فاعلية التدخل الأممي، المنحصر في تأمين خطوط نقل الحبوب والأسمدة عبر البحر الأسود.

 

 تبدو لقاءات قمة العشرين  أشبه بمناسبة كرنفالية. فاقده لجوهر وفحوى رسالتها، وهو ما  يتطلب الأمر العودة إلى جاذبية دبلوماسية في العودة إلى   الشرعية الدولية، وعدم الإضرار بأمن العالم. أما فرض أي دولة وصايتها على العالم لن يكون سوى تصوّر خاطئ، فالعالم بحاجة إلى الدينامية الجديدة في آلية الاندماج الحضاري في التعدد القطبي وستكون الولايات المتحدة في سياق  هذا النظام بتحالفاتها وهو ما يراه العالم اتجاها جديدا في بناء العلاقات على أساس التوازنات الكونية...!

 

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء