أجندة نُشر

الحرب الاوكرانية تلقي بضلالها على الغرب وخيار الدعم العسكري سيعيد سباق التسلح

 عرب جورنال /  أنس القباطي  -  

تتواصل الحرب الروسية في اوكرانيا للشهر الخامس على التوالي، وسط عقوبات مشددة تفرضها الدول الغربية على روسيا، غير ان مفاعيلها لم تحقق الهدف من فرضها، وهو ما جعل مراجعتها امرا لا ينبغي تجاوزه.

الحرب الاوكرانية تلقي بضلالها على الغرب وخيار الدعم العسكري سيعيد سباق التسلح

 

الصحافة الغربية بدأت توجه النقد للساسة بشان العقوبات المفروضة على موسكو. وتحذر بشكل مباشر من حجم الاضرار التي يتعرض لها الاقتصاد الغربي. تقول صحيفة الغارديان البريطانية إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أصبح أقوى من أي وقت مضى، بسبب فشل العقوبات الغربية المفروضة على روسيا إثر هجومها على أوكرانيا. وانتقد سيمون جنكيز في تقرير له نشرته الصحيفة تعامل الغرب مع موسكو. لافتا إلى أن أسعار الطاقة والتضخم ومشكلة نقص الحبوب آخذة بالارتفاع عالمياً. واصفا تلك العقوبات بالسياسات الأكثر سوءاً.

 

ونظرا لعدم نجاح العقوبات الغربية في تحقيق الهدف من فرضها، نجد ان الغرب لجأ الى خيار الدعم العسكري للجيش الأوكراني بأسلحة مختلفة، ومع ذلك واصل الجيش الروسي تقدمه في الشرق والجنوب الاوكراني وان كان ببطء.

 

ترى صحيفة الجارديان ان العقوبات الغربية على روسيا اعطت نتائج عكسية، فيما اعتبرت ان المساعدة العسكرية لأوكرانيا لها ما يبررها. محذرة من النتائج العكسية المدمرة للعقوبات على الاقتصاديات الغربية. وفي ذلك مؤشر على ان الساسة الغربيين بدأوا بمناقشة خيار التخلي عن العقوبات، وربما التوجه الى رفع المساعدات العسكرية للجيش الأوكراني لوقف التمدد الروسي.

 

تأثر الاقتصاد الامريكي بدى واضحا من تقديم الرئيس بايدن طلب للكونغرس بتمرير قانون خفض التضخم، الذي يضع حداً أدنى للضرائب المفروضة على الشركات بـ١٥%. معتبرا ان هذا القانون أفضل ما يمكن القيام به حالياً لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي من أزمته. ويأتي تقديم هذا القانون في ظل ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، والذي أدى إلى ارتفاع التضخم، وجعل من سلاسل التوريد فوضوية، فضلا عن ازمة تلوح في الأفق في الحبوب والأسمدة.

 

واعتبرت صحيفة الجارديان ان الحديث عن العقوبات الغربية ضد روسيا، يشبه "اللعنة". واتهمت محللي الدفاع الغربيين بالغباء في هذا الجانب. ويأتي تقرير الصحيفة في وقت يتنافس فيه الزعيمين البريطانيين المفترضين ليز تروس وريشي سوناك بإضفاء المزيد من الوعود بفرض عقوبات أشد من أي وقت مضى على روسيا، والتلميح ضد من يشكك بجدوى العقوبات بأنه مؤيد لبوتين ومناهض لأوكرانيا.

 

الاقتصاد البريطاني هو الآخر أصبح يعاني بشدة في الوقت الحالي، يتضح ذلك من استبعاد الشركات البريطانية حدوث أي نمو اقتصادي خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة التي تضغط على طلب المستهلكين، وفقاً لاتحاد الصناعات البريطاني. ومن اجل تخفيف أزمة الغذاء التي تلوح في الأفق، لجأت شركة التأمين البريطانية "لويدز" إلى الاعلان عن تأمين سفن الحبوب المُعاد تصديرها من أوكرانيا، حسب ما أفادت به وكالة DPA الألمانية. وذلك بعد اعلان تركيا إمكانية مغادرة أول سفينة محملة بالحبوب الأوكرانية  في الأول من أغسطس/اغسطس ٢٠٢٢، ثم مغادرة سفن أخرى من الموانئ الاوكرانية.

 

ازمة الغداء العالمية لن تحل بمغادرة سفن الحبوب للموانئ الاوكرانية، كون أوكرانيا ليست أكبر مصدري القمح، وانما روسيا هي أكبر المصدرين، وفي ظل العقوبات الحالية لا يمكن لروسيا تصدير القمح الى السوق الدولية للحبوب، ما يعني زيادة الطلب وارتفاع الأسعار. وما سيزيد من تفاقم هذه الازمة تراجع كمية المحصول المنتج خلال الموسم الحالي في اوكرانيا، والذي كشف عنه  الرئيس الأوكراني مؤخرا حين حذر من أن محصول الحبوب في بلاده قد ينخفض إلى النصف بسبب الحرب.

 

وحذرت الجارديان من توجه بوتين لتجميد أوروبا هذا الشتاء، على خلفية خفض الإمدادات من خطوط الأنابيب الرئيسية مثل نورد ستريم١ بنسبة تصل إلى ٨٠%، فضلاً عن ارتفاع أسعار النفط العالمية. وابدت الصحيفة تخوفها من توقف تدفق القمح وغيره من المواد الغذائية من أوروبا الشرقية إلى إفريقيا وآسيا.

 

وفي ذات السياق وصفت صحيفة ديلي إكسبرس البريطانية العقوبات الغربية ضد روسيا بأنها طريق لانتحار الاتحاد الأوروبي ولأكبر أزمة مالية في التاريخ. وهو ما يعني ان القلق البريطاني يتصاعد بشكل مستمر من التأثيرات العكسية للعقوبات الغربية، والذي أصبح متصدرا لأخبار وتقارير الصحافة، خاصة بعد سقوط حكومة بوريس جونسون.

 

تقول صحيفة الجارديان في تقريرها الأخير أنه ليس لدى بوتين ناخبين ليقلقوه، ورغم تجميد أصول موسكو الخارجية ونقل الأوليغارشيين فيها اليخوت الخاصة بهم لكنه يبدو غير مهتم، بل على العكس فقد استفادت روسيا من ارتفاع صادراتها من الطاقة إلى آسيا، مما دفع ميزان مدفوعاتها إلى فائض غير مسبوق، وجعل الروبل من أقوى العملات في العالم هذا العام، بينما تضاعفت أسعار فواتير الغاز مرات في بريطانيا في غضون عام.

 

وهنا يتضح ان أبعاد العقوبات ضد روسيا اصبحت في الاوساط السياسية الغربية واضحة المعالم ولن يأتي منها غير الكوارث على اقتصاديات تلك البلدان، فروسيا استطاعت ايجاد أسواق بديلة، واصبحت تستخدم الغاز والقمح اسلحة في معركتها مع الغرب.

 

وحتى الركون على خيار المساعدة العسكرية للجيش الاوكراني لاطالة أمد المعركة مع روسيا للمراهنة على استنزافها تبدو غير مجدية. يؤكد مستشار وزارة الدفاع الأمريكي السابق دوغلاس ماكغريغور أن الأموال المخصصة بالمليارات لمساعدة أوكرانيا تعود فعلياً إلى واشنطن دون أن تصل لمتلقيها. وتسأل: "أين هي تلك الأموال..؟ موضحا ان معظمها لا يصل أوكرانيا، بل تذهب لتعويض قوات البنتاغون عن نقل المعدات والموارد إلى أوروبا. وهو مؤشر على ان تلك المساعدات أصبحت لا تستخدم في مسارها الصحيح، وعدم مرورها بالمسار الصحيح سيصب في صالح الروس الذين يتقدمون على الأرض وان كان تقدما بطيئا، وهذا البطء قد يكون فخا للغرب لاستمرار المساعدات التي ستتحول الى مصيدة استنزاف للاقتصاديات الغربية، خاصة الاوروبية.

 

استشهدت الجارديان بدراسة للمؤرخ الاقتصادي الأمريكي نيكولاس مولدر، أشار فيها إلى أن ٣٠ حرباً من العقوبات في الخمسين عاماً الماضية كان لها تأثير ضئيل إن لم يكن نتائج عكسية، إذ إنها هدفت إلى "ترهيب الشعوب لكبح قادتها"، من كوبا إلى كوريا ومن ميانمار إلى إيران ومن فنزويلا إلى روسيا، إلا أن النتيجة تمخّضت عن ترسيخ الأنظمة الاستبدادية وتقوية النخب وسحق الحريات، فاستفادت معظم الديكتاتوريات الأقدم في العالم من العقوبات الغربية. وهنا تحذر الصحيفة من مآل خطير قد يقع فيه الغرب من خلال هذه العقوبات، وهو دفع روسيا للتوسع في قارات أخرى على حساب النفوذ الغربي.

 

وفي ألمانيا تصاعدت مؤخرا التحذيرات من تزايد الارتدادات العكسية للعقوبات الغربية على روسيا. وفي هذا السياق اكد حزب "دي لينك" الألماني أن الغرب أخطأ في تقييد النشاط الاقتصادي مع دولة روسيا. وحذر من آثار كارثية على ألمانيا وشعبها. لافتا إلى ضرورة التعاطي بجدية مع التهديدات المحدقة بقطاع الطاقة في البلاد، طبقا لما ٢أوردته صحيفة دير فريتاغ الألمانية.

 

منذ نهاية مارس/آذار الماضي بدأ المواطن في دول الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة يشعر بارتفاع تكاليف المعيشة، ومع تشديد العقوبات الغربية على روسيا، زادت حدة ارتفاع تكاليف المعيشة في الدول الغربية. وتقول الجارديان في هذا الشأن ان ذلك يحصل فيما روسيا تعزز تجارتها مع الصين وإيران والهند، وتحقق أرباحاً ضخمة من استبدال الواردات. معتبرة ان ذلك سيؤدي إلى ترسيخ اقتصاد عالمي جديد عبر آسيا يعزز دور الصين. منتقدة في ذات الوقت الترهيب الذي يتعرض له منتقدي العقوبات ضد روسيا في الغرب. وقالت الصحيفة ان انتقاد العقوبات أصبح بمثابة "تدنيس للمقدسات" في الغرب. واوضحت الصحيفة ان الترابط بين اقتصادات العالم الذي طالما كان يُنظر إليه على أنه أداة سلام، أصبح سلاحاً في الحرب. ونوهت إلى أن السياسيين حول طاولة الناتو كانوا حذرين بحكمة بشأن تصعيد المساعدات العسكرية لأوكرانيا.

 

والاحد ٣١ يوليو/تموز ٢٠٢٢ كشف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الجيش والأسطول الروسي سيتسلّم عمّا قريب منظومات صواريخ "تسيركون"، وأن فرقاطة "الأميرال غورشكوف" ستكون أول سفينة روسية تتسلح بهذه الصواريخ، و"سيتم اختيار منطقة خدمة هذه السفينة بناء على متطلبات ضمان أمن روسيا". وهو ما يؤكد ان روسيا ترتب لمعركة طويلة في أوكرانيا، وربما تمتد إلى خارجها. وتقول وسائل اعلام روسية ان من بين أبرز الصواريخ الروسية التي تضمن التفوق العسكري حاليا صواريخ "تسيركون" فرط الصوتية، إذ يمكن إطلاقها من البر والبحر، كما يمكن لهذه الصواريخ التحليق بسرعة تفوق سرعة الصوت بـ٩ أضعاف، أي أكثر من ١٠ ألف كلم/ساعة، ويمكنها إصابة أهدافها على مسافات تصل إلى ١٥٠٠ كلم. وبحسب الصحافة الروسية فإن "هذه الصواريخ تتمتع بقدرات عالية على المناورة لتفادي المضادات الصاروخية"، وفي "حال إطلاق صاروخ تسيركون من المياه الدولية فإن فترة بلوغه واشنطن لن تزيد عن ٥ دقائق. وحديث الصحافة عن هذه الاسلحة الحديثة هي رسالة للغرب بأن موسكو تخوض معركة مصيرية في اوكرانيا، قد تضطر خلالها لاستخدام أسلحة اكثر حداثة ودقة. كما يعد صاروخ سارمات الروسي الباليستي العابر للقارات، والقادر على حمل رؤوس حربية متنوعة إلى أي منطقة في العالم، بما فيها رؤوس نووية يصل وزنها إلى ١٠ أطنان، واحد من أهم الاسلحة الاستراتيجية الروسية والذي كشف عنه خلال الحرب الاوكرانية. وبالتالي فإن الكشف عن اسلحة استراتيجية روسية مؤشر على ان العالم سيعود إلى مرحلة التسلح، ما يعد نذير شؤوم على كوكب الأرض.

 

الولايات المتحدة الامريكية تدرك ان التوجه نحو اعادة التسلح سيكون له عواقب وخيمة على الاقتصاديات الغربية، والتي اصبحت تعاني كثيرا، ما يهدد بانهيار بعض الحكومات كما حصل لحكومة جونسون البريطانية. ومن هذا المنطلق ابدى الرئيس بايدن الاثنين ١ أغسطس/آب ٢٠٢٢ استعداد واشنطن التفاوض "على وجه السرعة" مع روسيا بشأن إطار للحد من الأسلحة الاستراتيجية ليحل محل معاهدة ستارت الجديدة التي تنتهي صلاحيتها في ٢٠٢٦. ولفت بايدن في بيان بمناسبة انعقاد المؤتمر العاشر لمراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية إلى أن صحة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية استندت إلى حدود متبادلة وذات مغزى للأسلحة بين الولايات المتحدة وروسيا. مؤكدا انه في ذروة الحرب الباردة، تمكنت الولايات المتحدة وروسيا من العمل معا لدعم مسؤوليتهما المشتركة لضمان الاستقرار الاستراتيجي. منوها الى ان التفاوض يتطلب شريكا راغبا يعمل بحسن نية. معتبرا أن العملية الروسية في أوكرانيا أدت إلى "زعزعة السلام في أوروبا وشكلت تعديا على المبادئ الأساسية للنظام الدولي". دعيا روسيا لأن "تثبت استعدادها لاستئناف العمل بشأن الحد من الأسلحة النووية مع الولايات المتحدة". مشددا على ضرورة مشاركة الصين في بحث نظام جديد لضبط التسلح، بصفتها دولة حائزة على الأسلحة النووية في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وعضوا في مجموعة الدول الخمس، ويقع على عاتقها أيضا مسؤولية المشاركة في محادثات من شأنها أن تقلل من مخاطر سوء التقدير وتعالج الديناميكيات العسكرية المزعزعة للاستقرار". وكانت روسيا والولايات المتحدة أعلنتا في فبراير/شباط ٢٠٢١ عن بدء سريان قرار تمديد معاهدة "ستارت٣" المبرمة بينهما بشأن الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية لمدة خمس سنوات.

 

توجه بايدن في هذا السياق مؤشر ايجابي يمكن ان يساهم في الحد من سباق التسلح الذي عاد إلى الواجهة مجددا، وقد يكون بداية لفرملة العمليات العسكرية في أوكرانيا، خاصة مع الترنح الذي يشهده الاقتصاد في الدول الغربية.

 

 

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء