هوية نُشر

الكتاب العربي.. أين نحن ؟

عرب جورنال / خالد الأشموري -
في أكتوبر من العام 2004م شهدت مدينة فرانكفورت الألمانية محفل ثقافي عالمي - افتتاح معرض فرانكفورت الدولي للكتاب " كان العالم العربي حاضراً للمشاركة في تظاهرة الكتاب بعناوين عديدة خُصص لها أجنحة عرض بلغت مساحتها ألف متر - عرض فيها العرب حوالي 12 ألف عنوان.

الكتاب العربي.. أين نحن ؟


وفي المحفل الثقافي الذي شارك فيه الكثير من الوفود الأجنبية ومن العرب حوالي 300 مفكر وكاتب وأديب بعضهم ضمن وفد الجامعة العربية برئاسة الأمين العام للجامعة العربية "عمر موسى" ، وبعضهم الآخر ضمن وفود بلادهم، وآخرون ممن يعيشون في المنفى.
الكتاب المظلوم:
ويبدو أن الفعالية قد حقق فيها العرب الكثير من النجاحات في جانب الرقص الشعبي المشارك من مصر وفلسطين ولبنان وتونس وفي الفنون التشكيلية والحرف اليدوية الشعبية وفي معارض رسوم الأطفال وغيرها.. – ولم تكن الفعالية مثالية للوفود العربية في جناح الكتاب العربي كما صور ذلك بحسرة – محمد منسي قنديل" في استطلاعه الصحفي " مجلة العربي – العدد 554" – يقول:
الكتاب العربي كان هو الغريب المظلوم في معرض فرانكفورت أجل، ذهب الكثير من الناشرين يحملون آخر مطبوعاتهم وأقامت الجامعة العربية قسما كبيراً يضم 12 ألف عنوان، ولكنها جميعاً لم تكن تحمل جديداً، طباعة رديئة وتجهيز رديء وبلغة لا تقرأ في هذا البلد الأوربي، لا يوجد إلا كتب قليلة منها باللغة الإنجليزية وهي التي تداولتها أيدي الألمان أما غير ذلك فقد مر به الجمهور والأهم من ذلك الناشرون مروراً عابراً، بل إن بعض الأجنحة العربية اعتقدت أن هذه فرصة للدعاية لأنظمتها فعلقت صور الرؤساء في مقدمتها بشكل بارز لعلها تظفر بأعجاب الجمهور الألماني وبعضها لم يعرض إلا كتاباً واحداً باللغة الإنجليزية عن حياة رئيسها ، وكان المسئولون عن الجناح يتوسلون للجميع حتى يأخذوه ولا يضطروا للعودة به.
رئيس أتحاد الناشرين العرب "إبراهيم المعلم"، كن يتجول في المعرض في حركة دائمة يسير برفقة المسئولين العرب والألمان وحين سألتهم عن تعاقدات الكتب الجديدة التي أبرمها قال لي إنه متفائل ، وإن هذه هي مجرد بداية، ولكن بقية الناشرين لم يكونوا بهذا التفاؤل.. السيد سامح إدريس قال: إن كل التعاقدات تسير في أتجاه واحد، نحن نطلب منهم حق الترجمة للعربية، ولا أحد يطلب منا شيء، الأمر نفسه تردد على لسان أكثر من ناشر، واعني بهم هؤلاء الناشرين الذين حضروا بشكل محترف، وليس بشكل دعائي للمشاركة في هذه التظاهرة.
في منتصف كل يوم كنت أتجول في القسم العربي لأجده خالياً تماماً من المارة، والموظفون جالسون يتثاءبون أمام الأرفف المتراصة بالكتب ولكن ما إن أخط خطوات عدة إلى دور النشر الفرنسية التي تشارك العرب في الجناح نفسه حتى أرى الحركة والنشاط في قمة اشتعالها كل دار تفننت في إخراج مطبوعاتها ووضعت صور كتابها بشكل بارز، إضافة إلى لوحات فنية رائعة تمثل أغلفة أحدث الإصدارات، فإذا خطوت مرة أخرى إلى حيث توجد دور النشر الأمريكية والإنجليزية، فوجئنا بعالم آخر لقد تحولت الكتب في بعض الأحيان إلى تحف باهرة تتناول كل الموضوعات التي تخطر على البال.. الأهم من ذلك أن كل جناح قد تحول إلى ما يشبه المقهى مناضد صغيرة يجلس عليها الناشرون وهم يعرضون بضائعهم على الزبائن الذين هم أيضاً ناشرون من لغات أخرى وفي كل لحظة يباع أحد حقوق النشر وتوقع عقود بملايين اليوروهات ويغلق القسم أبوابه للحظات قليلة بواسطة شريط أصفر ويحتفل الجميع ثم يرفع الشريط وتبدأ عجلة العمل المحمومة من أجل توقيع عقد آخر فسحر الكتاب الورقي لم يخفت بعد، ومهما قيل عن الكتاب الإلكتروني فإن الكتاب الورقي ما زال في أزدهار ولكن الأهم من ذلك أن الكتاب صناعة ضخمة نحن بعيدون عنها كل البعد، في ألمانيا وحدها ينفق مواطنوها 16 مليار يورو على شراء الكتب سنوياً، وهو مبلغ يفوق الميزانية الكلية لدول عدة في أفريقيا وتتنوع دور النشر المختلفة، البعض يعرض بضاعته من الأدب الكلاسيكي، والبعض الآخر في كتب الفن التشكيلي، وآخرون في الرحلات أو في المصريات، بل إن هناك دوراً للنشر جاءت من أجل كتاب واحد فقط والبعض أحضر أشهر المؤلفين عنده ليقوموا بإجراء الحوارات وشرح مصادر إبداعهم وتوقيع الكتب الجديدة صناعة ضخمة ومزدهرة، ليست راكدة ولا بطيئة الدوران كما يحدث للكتاب العربي المسكين الذي يعيش بالفعل على هامش هذه الصناعة؟! أعود حزيناً إلى ركننا الصامت، أسال الناشرين الذي تجمشوا عناء المجيء والإنفاق في مدينة تلتهب فيها الأسعار أيام المعرض والجواب لا شيء بعد وفي الحقيقة أنهم لا يوجد لديهم ما يبيعونه غير بعض الأعمال الأدبية ، وهذه يختارها الغرب حسب مزاجه ومع ذلك فالجميع ما زال متفائلاً ، أنها بداية كما يقولون وعلينا أن نحاول أكثر في المرة القادمة.. ولكن لا بد من الاعتراف ان هذا المعرض وتلك المشاركة قد كشفا لنا كم أن ما نحمله من كتب وما نتشدق به من إنجازات هما بعيدان تماماً عن الفكر المبتكر والثقافة الأصيلة والبحث العلمي بمعانيها الدقيقة كما أنها قد كشفت أيضاً عن أننا نعيش في الماضي وهو ماضي خاص ومؤلم ومنقطع عن الحياة المعاصرة.
إن عدم إقبال العالم على كل هذا الكم المعروض من كتبنا قد أصابنا بصدمة حقيقية فهو أشبه بالكشف عن عورة حاولنا إخفاءها طويلاً وهو أن إنتاجنا المنشور لا يعبر إلا عن مدى التخلف الفكري والحضاري الذي نعيش فيه".
الكتاب العربي
إذاً كُتبنا العربية المعروضة في المهجر تعاني من عدم الإقبال العالمي- رغم ما تقدمه المعارض والقائمون والناشرون العرب من عروض لكل صور وجوانب التراث والثقافة العربية المعاصرة والعمق الحضاري.
إذاً هناك مشكلة – فأين تكمن وما أسبابها؟.
وقد جاء في مقال بعنوان " الصعوبات التي يواجهها الكتاب العربي ": أن البحث عن أسباب الصعوبات التي يواجهها الكتاب العربي كثيرة ومتعددة لا سيما ونحن نحيا في وطن كبير يتقاسم مساحات أقطاره العربية العديدة أكثر من ثلاثمائة مليون نسمة ، إلا أن ما تطبعه اية دار نشر – مهما كان وزن شهرتها وحجم انتشارها- لا يتعدى خمسة الآف نسخة من كل عنوان، وبعدد خمسة وسبعون مليون نسمة يفترض أنهم متعلمون أو على الأقل يجيدون القراءة والكتابة، وبالتالي فهم يشكلون القاعدة التي تستند عليها صناعة الكتاب ، هذا بعد استبعاد وتحديد 225 مليون نسمة كأميين وأطفال، وفي نطاق تلك المعادلة- كنموذج- يتضح لنا أن نسخة واحدة هي حصة كل 7500 نسمة.
فكيف في حال وجود الإصدارات الفكرية والمعتقداتية ذات المذاهب والرؤى والايديولوجيات المتصادمة والمتعارضة، اضافة إلى ما يمكن أن تحدثه تدخلات الأجهزة الرقابية من عوامل إنحسار في حركة انتقال الكتاب وفق ممارسات عديدة كالمنع والمصادرة أو الإتلاف أو فما هو الشأن مع مصادر وأمهات الكتب والمؤلفات المرجعية والتخصصية ذات الإقبال النوعي المحدود؟
أن الأمر يزداد بؤساً في الإيماءة المفجعة إلى حجم الكارثة التي يحييها الكتاب العربي كمعضلة أسهمت بقدر أكبر في إنتاج الأزمة الملازمة لواقع الثقافة في الوطن العربي برمته.
وقد تكمن المشكلة – بالأطراف المعنية - المصنعة، فمن الطبيعي أن تتشارك سياسات وأهداف كل الأطراف المعنية بقضايا التصنيع إستجابة لنظرية العرض والطالب.
وإذا كان الأمر كذلك – فالأطراف المعنية بالفعل بما سادها من علاقات قد تكون أنبنت على عدم الثقة وقد تكون في القطيعة المعرفية أو في التأصيل لثقافة قطرية ، أو في سيطرة ثقافة الإتجاه الواحد بما لها من آثار سلبية لا تؤدي إلا إلى مزيد من التمزق والدمار.
وقد تكون في سيطرة ثقافة الخوف وإفراط الكاتب.. في الرقابة الذاتية، وقد تكون المشكلة، أيضاً- في فوضوية تحرر بعض الكتاب التي يتصل إلى حد الإسفاف وعدم احترام نمطية المتلقي وخصوصية هويته.
وقد تكون في التعامل القائم على عدم الوثوق بعقلية الإنسان وقدرته على التمييز بين الطيب والخبيث، وفي ذلك الاجراء عبث وعدم فهم.
أو ربما تكون المعضلة في تراجع المد المعرفي واللجوء إلى وسائل تقنية بديلة أسهل تستجيب للظروف المعيشية المعقدة وتتواءم مع حركة المتغيرات المتسارعة لنبض العالم.
وقد تكون في انكٍفاء دور المنظمات والاتحادات المعنية قطريا وأقليماً وانشغالها بمصالحها الخاصة والضيقة على حساب الهموم العامة.
وقد يكون الأمر متعلقاً بدور أجهزة الرقابة الرسمية، ونظام الحسبة ومحاكم التفتيش وفرض قوالب الوصاية على الآخرين بتحديدهم لما يمكن قراءته.
ولاستيضاح المزيد من الأسباب التي تقف وراء الصعوبات التي يواجهها الكتاب هنا رؤية متخصصة لمثقف عربي وناشر معروف هو "محمد عدنان سالم" الذي عاش ويعيش هموم المهنة لقرابة نصف قرن حصيلتها ثلاثة كتيبات عن القراءة، وهموم النشر، والكتاب العربي وتحديات الثقافة، فيرى: أن للكتاب غرابيل ويتساءل: أية أرضية رخوة، تسيخ فيها أقدام الناشرين؟! وأي نوع من الجراثيم ذاك الذي تسلط على هذا العدد الضخم من القراء المفترضين" فحجب أبصارهم عن القراءة وقلص عددهم من مئات الملايين إلى بضعة ألوف ؟! .. ويحصي هذه الغرابيل في خمسة معلومة وسادس مفقود وهي:
الغربال الأول: أمية القراءة والكتابة وهو أوسع الغرابيل ثقوباً.
الغربال الثاني: غربال الأمية اللاحقة المتمثلة في عزوف المثقفين عن القراءة وهجرهم الكتاب منذ مغادرتهم مقاعد الدراسة.
الغربال الثالث: الرقابة والوصاية والمنع، وقد أوكل أمر ذلك كله إلى رقيب في الداخل وعتيد على الحدود.
أما الغربال الرابع: فيقوم على تخوم الاتجاهات الفكرية، والمذاهب الاجتماعية، والجماعات الدينية، والأحزاب السياسية.
فلا يقرأ إسلامي لعلماني، ولا علماني لإسلامي ، بل لا يقرأ إسلامي لإسلامي آخر، ولا علماني لعلماني آخر، وترتفع الحواجز ويسقط نصف ما نجا من غربال الرقابة في غربال التعصب للرأي .. وتستحكم أزمة الكتاب وتستمر ساحة انتشاره في التضييق.
الغربال الخامس: ألا وهو غربال استباحة حقوق الملكية الفكرية للمؤلفين والناشرين الذي إن ترك حبله على غاربه – فإنه خليق أن يقضي على ما تبقى من مقومات الثقافة، وصناعة الكتاب.
أما آخر الغرابيل فيراه في الغربال المفقود، وهو وعي القارئ وهو وحده القادر على توجيه حركة الثقافة".
أذاً فالمشكلة ليست في غلاء الكتاب فحسب، ولا في ضيق المساحة الزمنية الممكنة للقراءة، أو في انحسار الإبداع، ولكنها في العزوف عن القراءة ذلك العزوف الذي أصبح داءً عمق الجهل وساعد على تفشي الأمية.

 

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء