هوية نُشر

طليطلة ذاكرة الأندلس

عرب جورنال / خالد الأشموري -

لم ينسى المهتمين  بتاريخ العرب حال إستنطاقهم للتاريخ الأندلسي من خلال البحث والتدوين ومن الذاكرة أن صح القول وهم يؤرخون عن مدينة طليطلة الأندلسية قولهم: "عندما نرجع إلى تاريخ مدينة طليطلة نجد كيانها الحضاري والعمراني المهم, مستهدفاً طيلة وجودها التاريخي سواءً لما كانت حاضرة مزدهرة أيام الرومان أو حاضرة للدولة القوطية , وكذلك الشكل لما كانت مصونة في حضارة المسلمين إذ بسقوطها سقط أكبر صرح في الأندلس".

طليطلة ذاكرة الأندلس

وبالحديث عن مدينة طليطلة ذاكرة الأندلس كما يحلو للبعض تسميتها كصرح ثقافي وحضاري شيده الفكر الإسلامي في حقبة الخلافة الاسلامية لايمكن للقارئ وهو يطالع في سطور المادة التاريخية المنشورة في مجلة العربي ـ العدد" 528"نوفمبر 2002م ,للدكتور "أحمد مكرم" , الاستاذ الجامعي , إلا ان يتأمل كثيراً في تاريخ وحاضر هذه المدينة التي ستظل عربية شاهدة على ذلك بتراثها وعمرانها العربي .

كاتب المادة الدكتور مكرم ـ أحد المتأملين في خصائص وسمات هذه المدينة الفطنة في وعيها الاسلامي في تاريخ تشييدها العمراني العربي قال : "حينما ينتهي التأمل بالناظر إلى حاضر هذه المدينة اليوم وفي موقعها على بعد 91كيلومتراً جنوب غرب العاصمة الإسبانية مدريد ,يسترجع ماضياً حزيناً يجد فيه لمسات الأمجاد التي تبين عن فطنة المشيد العربي الذي أراد لها أن تمثل بخصوصياتها مركزاً للجمع والتخزين والتوثيق حساً ومعنى وهو الكمد ,الذي لايستطيع أن يزيحه أي عربي عن قلبه وهو يزور هذه المدينة أو ينظر في واقعها التاريخي ومألها الحالي فعمارة التحصين هدف استراتيجي عربي قديم يحصن من أجل مستقبل بعيد ويحافظ على بقائه لدوام السيرورة العرقية والمعمارية في آن واحد وهذه البغية في التشييد فريدة عند العرب والمسلمين القدامي نفتقدها في حاضرنا اليوم" .

وتأتي دراسة الدكتور مكرم عن مدينة طليطلة لتضئ للقارئ جوانب مشرقة من التراث العربي الإسلامي الذي لايزال شاهداً ..فطابع التحصين الجغرافي الذي أمتازت به طليطلة وبحسب الكاتب " تقره كتب التاريخ ويصدقه الواقع الحالي يشير إلى أن مدينة طليطلة من المدن العربية الإسلامية التي تشارك نظيراتها في هذه الخاصية فهي محصنة في موقع جغرافي مختار ,وسط الجزيرة الأيبيرية بين الجوف والشرق من قرطبة ,محصنة بأسوارها ذات الطابع العربي الذي يشهد بذلك إلى اليوم وهي مدينة محكمة الصنع في تحصين بنائها وبها أعظم القناطر تسمى بقنطرة السيف ولعظم تحصين هذه المدينة كانت تسمى بـ "القصبة " وبـ "الدار" وهي ذات منعة عليها أسوار منيعة ويحيط بها نهر " تاجة" من جهة ثلاث في واد منبسط فسيح أدرعليها الخيرات بما يسقيه من أراض حتى اشتهرت ببعض المزروعات كالزعفران وصنف منالتين يتميز بحلاوته ,وقد كان من نتائج الاهتمام الفلاحي والصيدلي بطليطلة ظهور علماء مختصين بالزراعة كعبدالرحمن بن مهند اللخمي أبي المطرف "ت 467هـ" ومن مؤلفاته مجموعة الفلاحة ,والأدوية المفردة .

وفي الذاكرة ما يشار إلى إن "مدينة طليطلة كانت خزاناً مستوعباً للمنتوج الثقافي والمحصول الزراعي ..

وقد وصفها "ياقوت الحموي " بإنها من أجل المدن قدراً وأعظمها شاناً ومن خاصيتها أن الغلال تبقى في مطاميرها سبعين سنة لاتتغير ,كما أن حنطتها لاتسوس على مرالسنين ومن ارتباط طليطلة بالتخزين بمختلف أنواعه منذ القدم أي منذ أن كانت تحت حكم الرومان يذكر أنها كانت في أيام الروم مدينة ملك ومدار لولاتها وبها وجدت مائدة سليمان بن داود عليهما السلام مع جملة ذخائر وفيها من الذهب والجوهر ما الله أعلم به ومن جهة أخرى تعتبر خزانة حافظة لذاكرة الاندلس ومنها انتشرت الحضارة الإسلامية في أوروبا في العصور الوسطى كما أنهاتعد خزاناً للفقه والقضاء الذي شهدته الأندلس طيلة الخلافة الأموية وماتلاها فقد ظلت طليطلة من أهم الحواضر الأندلسية في التخزين الثقافي حيث انتشرت بها المكتبات العامة والخاصة وكانت خزاناً لصناعة الورق وكان يضرب بها المثل في جودة الورق الذي لانظير له وكان تخزينها للمادة وصناعة الورق سبباً مساعداً على ازدهار فن الكتابة والتأليف وايضاً جمع الكتب واستنساخها وتصحيحها وترجمتها فكانت الإشارات التي تحملها المخطوطات من خواتم وتوقيعات علامة دالة على حاضرة هذه المدينة وعلى القطر الأندلسي خصوصاً من خلال إيحاءات الرسم المخطوط في علاقته بالعمران فقد نشطت في هذا المجال أصناف من الخزانات المختلفة في العلوم والفنون التي كانت سبيلاً إلى توسيع آفاق المعرفة وتنوعها .

وقد كان لهذه الخزانات دورها في وقوف الأندلسيين على عملية التوثيق التي استفادوها من المشارقة في عدد من المعارف والفنون منذ القرن الهجري الثاني خصوصاً في مجال اللغة والأدب وقدحظي الأندلسيون بالتوثيق المشرقي من خلال الرحلات المختلفة التي سجلت بين المشرق والمغرب في مهمات مختلفة وكان لهذه الرحلات ومن خلالها عملية التوثيق دورمهم في توليد الخزانات الطليطلية ,وتكوين نوابغ الفكر الأندلسي الذي أثمر علماء يجمعون المعارف وهكذا استفادت الدولة الأندلسية في قطاعات مختلفة مما اختزنته طليطلة في إطارات مختلفة كالقضاء والافتاء ومن سمة هذه الفترة الأندلسية احترام الفقهاء وإطلاق لقب القاضي عليهم تبجيلاً واحتراماً منهم أباالوليد الكاتب المعروف بابن الوقشي الطليطلي عالم بالأحكام والحديث وعلم الفقه والنحو والشعر والخطابة والمنطق والهندسة والزيوج وقد تولى خطة القضاء وصفه السيوطي بالجماع للمعارف وبأنه شاعر فقيه عالم بالشروط ,فاضل في الفرائض والحساب والهندسة ,مشرف على جميع آراء الحكماء .

وفي المادة التاريخية نقرأ ونعايش ماسطره الكاتب بقوله "وحينما يتأمل القارئ / تاريخ أعلام طليطلة يجد أن تخزين المعارف ونشرها للأمة كان له دور كبير في المرابطة والجهاد وتحصين الثغور كما كان أمراء الدولة الأموية وكذلك الخلفاء وملوك الطوائف في الاندلس حتى نهاية القرن الهجري الخامس / الحادي عشر الميلادي يتواضعون لعلمائها ويرفعون أقدارهم ويصدرون عن أرائهم وأنهم كانوا لايقدمون وزيراً ولامشاوراً مالم يكن عالماً كصاعد بن أحمد الأندلسي الطليطلي التغلبي "ت 462هـ "وهو مؤرخ بحاثة , ومن أعظم من انجبتهم الأندلس جمع بين الفقه والحكمة على نسق القاضي ابن رشد, تولى قضاء طليطلة ,وألف كتباً جامعة للمعارف منها: جوامع أخبار الأمم من العرب والعجم ,وطبقات الحكماء ومقالات في أهل الملل والنحل ,وتاريخ الأندلس.

أزدواج ثقافي:

ويرى الكاتب بإن خاصية الأزدواجية الثقافية قد ظهرت بالاندلس وبطليطلة على الخصوص لما استقلت بها بعد سقوط الخلافة الأموية أسرة بربرية أندلسية كانت في خدمة الحاجب محمد بن أبي عامر وهي أسرة ذي النون (427هـ ) وقد بلغت هذه الأسرة من البذخ والترف الغاية, وأقام ملوكها القصور المنيعة كما شجع هؤلاء الملوك الأدباء والشعراء فصارت طليطلة من أكبر الحواضر الثقافية في عهدهم وكانت أيضاً مركزاً للترجمة من العربية إلى اللاتينية حيث كانت اللغة الإسبانية تعد لغة الحوار حتى القرن الحادي عشر وقد انتشر وجودها فضلاً عن وجود ظاهرة تعدد المستويات واتسع حتى أدى ذلك إلى وجود ظاهرة الازدواجية اللغوية فمستعربو طليطلة مع وجودهم في أراض مسيحية قد كتبواوثائقهم باللغة العربية ,فقد استفادوا من النصوص العربية التي تركت بصمة وأثراً عميقاً في الآداب الإسبانية فكانت هذه الترجمات عبارة عن كتب مترجمة عن أصول عربية أو يونانية أوفارسية أوهندية وكانت أيضاً من تأليف علماء مسلمين أنفسهم بما تضمنته من إضافات جديدة إلى الفكر الإنساني وكلا النوعين كان جديداً بالنسبة لأوروبا التي كان التعليم فيها مقصوراً على الاناشيد الكنسية .

أما كيف سقطت المدينة ؟

فيطلعنا الكاتب " بإن سقوط طليطلة كان سنة 477هـ وذلك لما ضرب الفونسوالسادس ملك قشتالة حضارة حول طليطلة ,ولم يتقدم أحد لنجدتها فسقطت بسقوط قيم النجدة وشيم المروءة والأخوة ,فتركها جيرانها من ملوك الطوائف تسقط وتخرج من قبضة الإسلام إلى الأبد وقد حاول أمير المرابطين يوسف بن تاشفين استردادها من يد القشتاليين لثلاث مرات متتالية ولكن لم يفلح في ذلك وكان آخرها في سنة 483هـ في المرة الثالثة التي جهز فيها جيشاً ضخماً لتحقيق هذا الهدف , فاتجه بقواته إلى طليطلة واجتاح في طريقة اراضي قشتالة دون أن يتقدم أحد من ملوك الطوائف لمعاونته أوالسير معه وكان يرغب في استرداد طليطلة لعلة يشفي الجرح الدامي لكنه لم ينجح نظراً لمناعة أسوارها العالية وتحصنها المتين وقد ظلتً طليطلة مدينة محافظة على تحصينها وتخزينها في كل العصور ومعكل من ساد وحكم فقد واصل القشتاليون استفادتهم من التحصين والتخزين بعد احتلالها مشجعين النشاط الفكري وحركات الترجمة التي استثمروا مادتها من الخزانات التي غنموها من المسلمين فصارت مدرسة المترجمين في طليطلة مركزاً ثقافياً كبيراً جذب إليه العلماء والدارسين من مختلف انحاء أوروبا".

حراك علمي أشرف عليه كبار العلماء وبرعاية ملكية من قبل الملوك منهم الملك "الفونسو العاشر " الملقب بالعالم والحكيم والذي ولي عرش أسبانيا في منتصف القرن السابع الهجري .. حيث عمل على حماية مدرسة طليطلة كما شجع على عملية النقل والترجمة مهتماً باستخدام اللغة القشتالية " الإسبانية" مكان اللغة اللأتينية في تدوين المصنفات الأدبية والتاريخية والفلسفية ومن مدرسة طليطلة تمكن عدد من علماء المسلمين من إجادة اللغة الإسبانية وكذا مناقشة علماء المسيحية في مختلف المسائل الدينية والدنيوية .

وتتحدد هذ المرحلة العلمية الزاخرة بتراث العرب وحضارتهم الحاضرة في الإبداع التي أدهشت العالم ـ بتحديد الوجع الذي لحق بالمسلمين أهل الفضل في تحصين مدينة طليطلة وتقوية حضارتها وملئ خزائنها ...حيث تفاجئنا الأقدار بتلك الأسباب التي تضررمنها المسلمين في طليطلة بعد سقوطها حين عوملوا معاملة الذل والهوان في ظل ملوك قشتالة خصوصاً في عهد الفونسو العاشر 1258م الذي سن قانوناً عاماً لمملكته سماه " الأقسام السبعة " صنف فيها المسلمين إلى اربع فئآت وجعل لكل فئة منها معاملة خاصة, وهم المتنصرون والعبيد والمعتقون والمدجنون أما المتنصرون فكانوا موضع احتقار من طرف النصارى القدامى فوحد القانون بين الفئتين وأعطى ميراث الأب المسلم لأولاده المتنصرين دون غيرهم من الأبناء وكانت عقوبة من يرتد منهم الموت وفقدان الحقوق ومصادرة الأموال أما الأرقاء المسلمون فكانوا معرضين لكل أنواع الظلم والإيذاء وكان لسيدهم عليهم حق الموت والحياة والتعذيب والاغتصاب والتفريق بين الأقارب وبيعمن شاء منهم ولم يكن حال المعتقين أفضل بكثير من حال الرقيق أما المدجنون فكانت حريتهم الدينية تحترم لحد ما وكانوا يعيشون في أحياء خاصة بهم لهم شرائعهم وقضاتهم وتقاليدهم ومساجدهم وأعيادهم وأن كانوا دائماً عرضة للأضطهاد حسب أهواء طاغية الوقت وسياسته الخارجية وظلت هذه الأوضاع مستمرة بالنسبة لمسلمي طليطلة تسير من سيئ إلى أسوأ طيلة حكم المماليك النصرانية الأيبيرية التي سعت إلى تنصيرهم بالقوة ومن لم يستجب لذلك  فكان عليه أن يترك بيته ويخرج من المملكة من دون عودة .

 

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء