الوان نُشر

لطفي جعفر أمان.. شاعراً أممياً

د- أمين درهم
لطفي جعفر أمان.. شاعراً أممياً
عرفت الاستاذ الشاعرلطفي جعفر امان عام 1957م عندما ذهبت الي منزله بصحبة الفنان ابوبكر سالم بلفقيه لغرض طلب بعض من اشعاره لكي تلحن وتغنى من قبل الفنان بلفقيه حيث خرجنا من عنده بنص اغنية «وصفوا لي الحب من اول نظرة» وقد لحنها الفنان ابوبكر وقدمها في احدى حفلاتنا التي كانت تقام على مسرح مدرسة البادري وقد لاقت نجاح كبير.
 
واتذكر عندما دخلنا الى منزل الشاعر الكبير في القطيع كيف استقبلنا بترحاب وود جميل انا وابوبكر في اول مشواره الفني وكلمات الشاعر لطفي جعفر امان كانت ذات وقع جميل في نفس الفنان ابوبكر.. وتبادلا كل الاعجاب وقد اهدى شاعرنا امان لابوبكر اغنية «وصفوا لي الحب» وشارك في تلحينها، الشاعر لطفي جعفر امان، والشاعر امان كان رجل انيق ومنزله مرتب وجميل وتوجد به لوحات من رسمه وكان يعد منزله تحفة جمالية والشاعر لطفي كان لطيف مثل اسمه.. وكما يقولون كل له من اسمه نصيب.. رحمه الله تعالى عليه.. فهو شاعر يمني لم يعوض الى اليوم.
 
الشاعر لطفي جعفر أمان من مواليد الثاني عشر من أيار«مايو» عام ألفٍ وتسعمائة وثمانية وعشرين للميلاد (12 – مايو – 1928م) ولد في حيّ القطيع .. أحد أعرق أحيــاء منطقة كريتر شعبيّةً ..
قضى حياتهُ بين عدن والخرطوم في السودان والقاهرة في مصر حيثُ وافاتهُ المنيّة في أحد مستشفياتها (مستشفى القوّات المسلّحة في المعادي) وذلك في السادس عشر من كانون الأول«ديسمبر» عام ألفٍ وتسعمائة وواحد وسبعين للميلاد (16/12/1971م)، تلقّى لطفي أمان تعليمَهُ الابتدائي والإعدادي في عدن وتحت إشراف والدتِهِ الّتي حرصت على أنْ تصنع من ولدهـا فتى نظيفاً مرتّباً أنيقاً ذكيّاً لامعاً، فكان حفاظة المدرسة بلا منازع، وفارس فصله فهو رسام الصفّ وخطّاطه وهو الّذي تتباهى به المدرسة بإلقاء الشّعر من محفوظه المقرر، وبما يحفظه ممّا حصّله وحده، سافرَ إلى الخرطوم لتحصيل تعليمَهُ الثانوي وهناك تعشّق الشعرَ والجمال، بكلّ ما أوتيَ من ملكات الخيال، وبكل ما أودع في نفسه من رغبةٍ في العواطف.. فتعلّق بالروحانيات العذبة وتوجّه للفنّ بقلبٍ عامر، وكانت فترة .. فترة من الإغفاء الصاحي التي يشبه السكرة الصوفية فانسرح في أضواء هذا الحبّ حتى بدأ يقترب من حقيقته .. وإذا بالأضواء الباهرة تتلاشى ثمّ تتوارى وراء الألغاز والحجب وتتركه حائراً مضطرباً ... وكان محصوله الثقافي في هذا الطور باعثاً على التفتّق الذهني واستقصاء الحياة وما وراء الحياة .. وكانت الأبحاث الفلسفية والدينية تثير شغفه واهتمامه العظيمين حتى اضطربت عقيدته، كما اضطرب حبّه. واضطربت حياته معهما .. فكان لا يدنو من قبس اليقين إلا ليحترق بحذوة الشكّ...
 
بدأت زهراتهُ الأدبية تتفتح براعمها وهو بعد طالب في السودان. وكانت قصائده الأولى تنشر في صحيفة (فتاة الجزيرة)، ومن أوائل قصائده قصيدة نظّمها تحت عنوان (زهرة) وفي مطلعها يقول:
زَهرةٌ رفَّقهـا الفجرُ وندّاها جمالاً
داعبتْها أنملاتُ الفنِّ فازدادتْ كمالا
وقد نشرت له هذه الصحيفة عدداً من القصائد كقصيدة (أنا حامي الضمير) و(ميلاد أفكار) وغيرها والتي كان يبعثُ بها إلى الصحف في عدن من السودان ثمّ عاد لطفي إلى عدن حاملاً شهادة (دبلوم) تربية. وبعودته بدأت مساهماته في الحياة الأدبية، ففي أكتوبر 1948م أصدر باكورة إنتاجه الشّعري، وهو ديوان (بقايا نغم) عن دار (فتاة الجزيرة) وقد عكس فيه عواطفه المشبوبة المتأثرة بالجمال .. جمال المرأة .. وجمال الطبيعة .. ولم يكتفِ بنظم الشعر فحسب، بل كتب إلى جانب ذلك عدة مقالات دارت في معظمها حول موضوع (الفن للفن) فقد كان يرى أن الفنّ فوق الأخلاق، وأنّ الفن للفنّ فوق كلّ شيء آخر. وأصحاب هذا المذهب كانوا يرون في تحكيم المقاييس الاجتماعية والأخلاقية في المواضيع الفنية ظلما للفن وعنتاً للفنان الذي يحب أن يحيا لنفسه لا للناس. يبدو تأثر لطفي واضحاً بهذه الأراء وانعكس هذا التأثر على معظم قصائده في دواوينه (بقايا نغم) (الدرب الأخضر) و(كانت لنا أيام).
اُتهمَ لطفي بتأثره في شعره وخصوصاً في ديوانه الأول (بقايا نغم) بالشاعر المصري علي محمود طه وقد صرّح عبدالله باذيب في حقّه ذلك مبيّناً أنه ليس – ديوانه– سوى ترسم لخطوات علي طه، ودارت بينهما معارك قلمية عديدة .. مهما يكن من أمر تأثر لطفي بهذا الشاعر أو ذاك إلا أنّه شاعر يتمتع بقريحة فنية .. وشاعرية خصبة .. وخيال مبدع خلاق .. وأنه قد استطاع أن يقف على قدميه مع مجموعة من شعراء الوطن العربي أمثال نزار قباني والبياتي وغيرهما من شعراء التفعيلة الواحدة. إضافة إلى كونه شاعراً تقليدياً ينظم الشعر في موازين الخليل.
ثم تتابعت دواوين لطفي بعد (بقايا) نغم فصدر له ديوان (الدرب الأخضر) و(كانت لنا أيام) و(ليلى إلى متى؟) و(موكب الثورة) و(إلى الفدائيين في فلسطين) وأخيراً ديوان (إليكم يا إخوتي). والأخير يشمل جميع قصائد (موكب الثورة) و(إلى الفدائيين في فلسطين) ما عدا قصيدة من (موكب الثورة) وهي قصيدة (30 نوفمبر). وهذه الظاهرة كثيراً ما سيلاحظها القارئ المتتبع لدواوين لطفي سيجد نشر القصيدة الواحدة في أكثر من ديوان.
وله عدد من القصائد التي كتبها باللهجة العامية وهي مجموعة أغانٍ غنّاها مطربون عبر الإذاعة والتلفاز. وما يزال بعضها يُسمع حتى الآن، وقد جمعهما في ديوانين الأول (ليالي) والآخر (أعيش لك). بعض الأخبار تؤكد أنّ بعض ما نظّمه لطفي لم ينشره لسبب أم لآخر سواء بالفصحى أو العامية أي أنّ أعماله المنشورة ليست كلّ ما نظّمه وهنالك ما ناله الضياع
عمل الشاعر – لطفي جعفر أمان – في عدّة وظائف. منها محاضراً في مركز تدريب المعلمين. ومفتش مدارس، ثمّ ضابط مسؤول المطبوعات والنشر، ومديراً للتربية والتعليم، والوظيفة الأخيرة التي شغلها هي وكيلاً لوزارة التربية والتعليم والتي شغلها حتى ساعة وفاتهِ. وكان يعمل في أوقات إضافية كمذيع أول في (محطة عدن الإذاعية) وهو اول من افتتح اذاعة عدن واول من قال جملة «هنا عدن» منذ تأسيسها. وكان يقدم من خلالها أحاديث وبرامج أدبية وتربوية كما نشر العديد من المقالات في عدد من الصحف المحلية، وفي أثناء عمله كمحاضر في (مركز تدريب المعلمين) ساهم في تحرير (مجلة المعلم) وقد نشر فيها العديد من القصائد والمقالات الأدبية والتربوية
حضر عدة دورات تدريبية في الخارج، وكان آخرها في بريطانيا. واكتسب من هذه الدورات تقافة وخبرة أضافت إلى خياله الخصب بعدا جديداً، وإلى إحساسه المرهف عمقاً. كما هاجر إلى شرق أفريقيا مع زوجته، وعمل هناك مديراً لإحدى المدارس الأهلية. ثمّ عاد إلى عدن .. ولكنه كان يتردد عل شرق أفريقيا بين الحين والآخر.
وللطفي قصائد شعرية كثيرة تُغنّى، بعضها فصيح والبعض الآخر بالعامية. ويمكن اعتباره من بين الشعراء الّذين جدّدوا المحتوى الشعري للأغنية المحلية في اليمن. فأعلى من شأن الصورة الشعرية، واللمحة الفنيّة..
كان أيضاً يمتلك موهبة فنية في الرسم.. وفي الكتابة، كما هو الحال في الإلقاء، وفي مداعبة أوتار العود وايضاً التمثيل حيث كان له تمثيلية في الاذاعة بصوته لعدة شخصيات.
أكرهه المرض على هجر وظيفته كوكيل وزارة والانصراف للعلاج من المرض الذي لازمه، وأدى به إلى الانتقال من مستشفى إلى آخر حتى وافته المنية عن عمر لم يتجاوز ثلاثاً وأربعين سنة في مستشفى المعادي بالقاهرة في 16/12/1972م.

 

تابعونا الآن على :


 
حليب الهناء