الوان نُشر

علم التاريخ وفلسفته في فكر ابن خلدون.. قراءة خاصة

ألوان - عرب جورنال

علم التاريخ وفلسفته في فكر ابن خلدون.. قراءة خاصة

يشكل كل فصل من فصول في كتاب"علم التاريخ وفلسفته في فكر ابن خلدون" للبروفيسور العراقي| جميل موسى النّجار" دراسة قائمة برأسها، ذلك أن كل واحد منها، عدا الأخير، وجد طريقه الى النشر، كدراسة مستقلة، في مجلات علمية تخصصية محكمة في الأردن والعراق والبحرين على مدى مساحة زمنية خلت ترجع بدايتها الى سنة 1995.

وألقي الأخير منها في مؤتمر دولي بعنوان (حـــوار الآداب) عقدته كلية الآداب في الجامعة الأردنية في تموز سنة 2010، إلا أن هذه الفصـول جميعاً انتظمت، في الوقت نفسه، في وحدة موضوعية تناولت الفكـر التـاريخي - الفلسفي عند العلامة الشهير عبد الرحمن بن محمد بن خلدون.

كما ودرست بشكل واف التنظيرات التي تضمنتها (مقدمة) إبن خلدون – ينبوع الفكر الخلدوني ومعين مختلف تجلياته – للتاريخ.. تارة كرؤى خلدونية لمنهج دراسة حوادث الماضـي التاريخ = Historiography) دراسة موضوعية لها قواعد وأصول منطقية وعقليـة تسمو بالتاريخ نحو آفاق العلم، وتنأى به عن دنايا الأغـراض وعبـث الأخطـاء والخرافات، وأخرى كتأملات خالجت العقل الخلدوني لمسيرة الإنسان والمجتمعـات البشرية التاريخ =History)، يخوض فيها التأمل العقلي الفلسفي بغية فهمهـا وتحديد إيقاعها، وصولاً الى فهم المتأمل لحاضره واستشرافه للمستقبل .

وقد تبلورت فكرة جمع هذه الفصول بين دفتي كتاب بعد تقليب متأن لوجوه الرأي، وتمحيص لمبررات هذا العمل ومدى فائدته، خلصنا فيه الى أن إنفاذ الفكرة، والمضي قدما في سبيل إنجازها، يقدم للقارئ العربي . عملاً متكاملاً، فيما نظـن، في مجال دراسة موضوعي علم التاريخ، وفلسفة التاريخ في الفكر الخلدوني قد لا يجد صنوا له في محمل الدراسات التي اختصت بابن خلدون، ويفتح آفاقاً جديـدة لدراسات الباحثين المتخصصين في التاريخ والفلسفة لهذين الموضوعين، فضلاً عـن تزويد المكتبة العربية بمصنف هي بحاجة إليه، والى ما يماثله من مؤلفـات تضيف جديداً للعلم، وتثري الدراسات الأكاديمية العربية التي باتت تتطلب المزيد من النافع والجاد والأصيل من أعمال الباحثين الأكاديميين، سواء في العراق أو في غيره مـن البلاد العربية.

إن كتابة فصول هذا المصنف خلال حقب متباعدة على مدى حوالي عقـدين من الزمان، وعلى شكل مباحث مستقلة، اقتضت أن تتكرر في بعضها أحياناً جوانب بعينها من المعلومات والأفكار والتحليلات، لاسيما ما تعلق منها باستعراض مفاصل حياة إبن خلدون لما لها من تأثير بالغ في توجهاتـه العلميـة ودراســته للتـاريخ واستخلاصه لفلسفته، أو بآرائه في المؤرخين السابقين وتصنيفه لهـم، أو بالحـالات والأطوار التي تمر بها الدولة بعد أن تنجح العصبية في تأسيسها. إلا أن تلـك المـدة الطويلة التي استغرقتها كتابة هذه الفصول أثمرت، في الوقت نفسه، قـراءات دقيقـة فاحصة لمقدمة إبن خلدون.. وعاء فكره الإبداعي، وللكثير مما كتـب عنـهـا مـن دراسات ومقالات، الأمر الذي مكننا من استيعاب الآراء والمقاصـد الخلدونيـة الي تختص بما يجب أن تتسم به الكتابة التاريخية الموضوعية، وبرؤى تفسير التاريخ.. تلك الآراء والمقاصد التي بات من المعروف لدى الباحثين المتخصصين في الفكر الخلـدوني أن بعضها جاء مناقضاً لبعضها الآخر، مما يصعب معه إدراك ما أراده لها إبن خلدون من معنى على وجه الدقة، تماماً مثل كثير من عباراته ومصطلحاته الـي ضـمنها مقدمته، ونحت المنحى نفسه في الغموض والاضطراب والتناقض أحياناً.

وقد حددنا، لاسيما في الفصل الثاني من فصول هذا الكتاب، كثيراً من مـوارد التناقض والإضطراب التي وردت في المقدمة، وحللنا طبيعتها وأشكالها، وبواعثها التي يمكن أن نعزوها، في الأغلب، الى دوافع الفكر(البرغماتي) لإبن خلدون وتوجهاتـه السلطوية التي ورثها عن أسلافه وشب عليها، قبل أن تصطدم ها نوازع العلم لديـه وحب الإشتغال به وتتغلب عليها، محدثة، وسواها من أسباب، (الطفرة) الإبداعيـة الفكرية التي حققها إبن خلدون بكتابته للمقدمة في الثلث الأخير من حياته. ولعـل الخطاب الخلدوني الذي تبدو بعض جوانبه مناقضة لبعضها الآخر، أو هـي تحمـل أوجها عديدة للتأويل، جاء متماهياً، كما ألمحنا، مع واقعية إبن خلــدون وانصـــــرافه للإشتغال بالسياسة شطراً كبيراً من حياته، بكل ما في السياسة من توجهات ذرائعية زائفة تظهر أمراً وتبطن آخر.. نقول لعل ذلك الخطاب كان في مقدمة الأسباب ا أدت إلى سوء فهم الكثيرين لجانب من آرائه وتوجهاته الفكرية.

على أن معايشتنا الممتدة عبر سنوات طوال مع أفكار إبن خلدون، ومع آرائه وعباراته ومصطلحاته في محال التاريخ.. علماً وفلسفة، وهي مفتاح الفكر الخلدوني الشامل فيما نرى، أوصلتنا الى نتيجة كانت تترسخ القناعة بها على مـر السـنوات تلك، مفادها ضرورة أن يصبح الفكر التاريخي الخلدوني، الذي تمخض عـن وضـع كثير من قواعد الدراسة التاريخية ورؤى لتفسير فلسفي لمسيرة التاريخ، منطلقا، مـع مقومات أساسية أخرى في مقدمتها تراثنا النقدي التاريخية وتجاربنا الحاضرة، للإرتقاء يفكرنا التاريخي، والتاريخي الفلسفي المعاصر، كيما ينهض بأعباء وضع منهجية عملية - وليست نظرية فحسب - للبحث التاريخي تنسجم مع طبيعة دراساتنا التاريخيـة وتفي متطلباتها، ويفتح آفاقاً رحبة لرؤية فلسفية للتاريخ ننظر بها للبحث التاريخي، ونستلهمها في فهم طبيعة مشاكلنا الحاضرة، بعد أن نفهم جـذورها، سعياً وراء حلها. محاولين في الوقت نفسه، أن تمتلك بذلك رؤية استشرافية للمستقبل، لتتكامل مع رؤى تشكل في التفسير الإسلامي للتاريخ – وفي تفسير الديانات السماوية أيضاً - جوهر العقيدة التي نؤمن بها، وثوابت مبادئها وقيمها.

وأخيراً، فإن من الضرورة بمكان أن نشير الى أن قراءة (المقدمة)، وإن تكررت مراقها ودقق النظر في دلالات ألفاظها وأحكمت حلقات تحليل نصوصها وتفسيرها ودراستها، قد لا تؤدي الى استيعاب حاذق للمقاصد الخلدونية دون استعانة بتلك الدراسات الرصينة لمقدمة إبن خلدون التي أنجزها باحثون مرموقون. وفي إطار هذه الرؤية، نجد أننا مدينون في عملنا هذا لعدد من الذين شكلوا مفتاح فهمنا للفكـر التاريخي الفلسفي الخلدوني، في مقدمتهم الأساتذة علي عبد الواحد وافي، ومحمـد عابد الجابري، وعلي الوردي، تغمدهم الله برحمته الواسعة أحر ما قدموا للعلـم وطلبته. ولله الحمد أولاً وآخراً، ومنه وحده السداد والتوفيق.

تابعونا الآن على :


 
حليب الهناء