محاور نُشر

 من عجائب السياسة الأردوغانية !؟

عرب جورنال / فيصل النظاري -
لايمكن لأي متابع واعٍ ومنصف، الاعتقاد بأن الصُّدف ـ وحدها ـ هي من تخلق كل هذه المشكلات الكثيرة للرئيس التركي ـ الطيب أردوغان، كما لايمكن تحميل دول الجوار التركي ـ وحدها ـ مسؤولية مايحدث، دون أن يكون لأردوغان نفسه وحزبه يدٌ في الأمر !

 من عجائب السياسة الأردوغانية !؟


فلاتكاد الحكومة التركية تنتهي من مشكلة مع هذا الجوار، حتى تخوض في أخرى، بل إن مشكلات تركيا أردوغان تعدت حدود الإقليمية لتصل إلى العالمية. فلتركيا مشكلات مع الولايات المتحدة ومع الدول الأوروبية، وأخرى مع دول أفريقية أو آسيوية، لاتكاد تنتهي أو تحصى.

فمن لديه القدرة ليحلَّ لنا هذا اللغز، على بساطته؟

ولماذا تركيا، بالذات، من بين دول العالم،

تواجه كل هذه المشكلات؟!


نعتقد بأن الطيب أردوغان، وهو السياسي المتمكن والدبلوماسي الناجح والمؤثر، بكارزمية شخصيته الجادَّة، المهابة.. قادر على وضع حد لكل تلك المشاكل، وبالطرق السلمية، لو أنه أراد العيش بهدوء وسلام مع العالم من حوله،

لكن يبدو أن لإثارة المشكلات والعيش في كنفها دورًا مرسومًا في صلب سياسة حزب أردوغان، لايمكن الاستغناء عنها.

السيد أردوغان والسيد بوتين وأمثالهما من الحالمين بالعودة ببلدانهم إلى هيمنة الإمبراطوريات الغابرة، لايستطيعون العيش بسلام، ومن دون إثارة خلافات ومشكلات، حتى لو اكتوت بنارها بلدانهم وشعوبهم. كأنهم يحملون في نفوسهم شيئًا على أهل الأرض.

أكبر دليل على صحة ما أقول ميلهم الدائم للعنف والركون إلى القوة العسكرية لحسم الخلافات، مهما كان الخلاف بسيطًا وقابلًا للحل !؟ 

لا أحمل حقدًا ولاضغينة لا على أردوغان ولا على غيره، لكن الأمر الذي دفعني للكتابة في هذا الموضوع هو كثرة المشكلات التي تثيرها القيادة التركية وميلها لاستخدام القوة، كما هو الحال اليوم مع الأحزاب الكردية، وكما كان الحال منذ أسابيع في شمال العراق.

والغريب أن للسيد أردوغان مفهومه الخاص للإرهاب وتعريفه المستقل.

فللرئيس التركي، مثلًا، موقفه الحازم من إرهاب حزب العمال الكردستاني، لكن له نظرته الخاصة وتعامله السري، كما يقال، مع إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية !؟

عند هذه النقطة، بالذات، من قضية الإرهاب، يتجسد خلاف أردوغان مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، فضلًا عن الفهم المتباين بين الطرفين لمفهوم الديمقراطية السياسية وتطبيقاتها، وأيضًا لمبادئ الحرية وقضايا حقوق الإنسان.

الأمريكان يدعمون( قسد) لأنهم القوة الفاعلة، التي قضت على وجود مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية، ولاتزال قسد هي الحارس الأمين، الذي يحتاجه الأمريكان لمطاردة بقايا داعش في المنطقة.

والأتراك عاتبون، يلومون حلفاءهم الأمريكان على تسليح ( قسد) كونهم يهددون الأمن التركي. وفي الخفاء يرى محللون أن علاقة تركية مع تنظيم الدولة هي سبب رغبة أردوغان بالانتقام من (قسد).

وهنا منشأ الخلاف التركي الأمريكي. 

أردوغان ودولته منضويان تحت لواء حلف الناتو، لكنه ليس مع الحلف في كل بنود معاهداته. يريد أردوغان أن تنضم بلاده للاتحاد الأوروبي، لكنه لايقبل بتعديل دستور تركيا ولا قوانينها بحيث تنسجم مع شروط عضوية الاتحاد. وحتمًا يرفض السيد أردوغان مبدأ التدخل في شؤون الآخرين، لكنه، مثل كل الحكام العرب والمسلمين، يجوِّز لنفسه مثل تلك التدخلات. وهكذا.

هناك إشكالية حقيقية في رأس أردوغان وفي فلسفة حزبه الحاكم، تحتاج لوقفة علاجية مع الذات. ولكن يبدو أن لارغبة لهم بإصلاح تلك التناقضات الصارخة. فالمصلحة التركية، التي أرعبت ولي العهد السعودي وشوهت سمعته إثر تورطه باغتيال الصحفي خاشقجي في تركيا، هي نفسها المصلحة التي استوجبت تسليم ملف القضية، لاحقًا، للقضاء السعودي، وذهبت بأردوغان لزيارة السعودية وكأن شيئًا لم يكن !

قوة شخصية الرئيس أردوغان تمكِّنه، دائمًا، من مواجهة قضايا إقليمية ودولية صعبة والعمل على حلها، بشجاعة وإقدام، لكن مشكلاته مع معارضيه في الداخل والخارج ومع الجوار اليوناني والعراقي والسوري والكردستاني لاتحظى باهتماماته !

فهي، كما يبدو، لاتستحق الجهد السياسي والسلمي لمعالجتها، لأن الحلول العسكرية هي الأفضل، وجاهزة على الدوام !

لكن السيد أردوغان ـ والحق يقال ـ ذكيٌّ، بما يكفي، لإرباك المتابع السياسي، وخلط الأوراق أمامه، حتى أن البعض قد يصاب بالعجز عن إدراك حقيقة الخلفية لتصرفات أردوغان.

واحدة من صور ذكائه المربك أنه ضد غزو روسيا لأوكرانيا، إلا أنه، أيضًا، ضد العقوبات على روسيا.

منذ أسابيع قليلة أسدى أردوغان الشكر والامتنان للقيادة الروسية على سحب قواتها من مقاطعة خيرسون الأوكرانية. وبعدها بأيام أتبَع تصريحه السابق، المخالف للحقيقة والواقع، أتبعه بتصريح آخر، أبدى فيه تعاطفه مع روسيا، التي تواجه، كما قال، الدول الغربية كلها.

يعرف أردوغان أن روسيا سحبت قواتها من خيرسون مضطرة، وبالتالي فهي لاتستحق لاشكرًا ولا امتنانًا. ويعرف أيضًا، لماذا تجمعت الدول الغربية ضد روسيا، التي تلتقي مع بلاده في تحالف النيتو.. ، لكن أردوغان يعرف كيف ومتى يتلاعب بالمواقف، ومتى يخدم التلاعب مصلحة بلاده.

القول بأن لا أخلاق في السياسة قول مردود على قائليه. ففي السياسة الناضجة والواقعية النزيهة أخلاقيات ومروءات ورجولات. وتكييف السياسات لخدمة مصالح دولتك عملية تحترم وليس فيها مايعاب، فقط يكون العيب ويكون التخلي عن الأخلاقيات عندما تجعل من سياساتك عملية بيع وشراء، عملية لعب على المتناقضات، من دون النظر لمصالح الآخرين.

الرئيس أردوغان سوف يحصل على مكافآته من بوتين لقاء تصريحاته الأخيرة، بالتأكيد. وليس هناك أهم من جعل تركيا مركزًا لتجميع وبيع الغاز الروسي. وقد يحصل من الولايات المتحدة على مطالب له ظلت محل تردد إدارة بايدن.

قوات سوريا الديمقراطية (قسد)،  المدعومة أمريكيٍّا، متهمة تركيًّا، بتبعيتها لحزب العمال الكردستاني وكلاهما متهم بالضلوع بالعملية الإرهابية، التي نفذتها امرأة في سوق مهم في تركيا، منذ أيام.. تتعرض هذه الأيام ( قسد) لعملية عسكرية تركية تحمل اسم ( مخلب السيف)، ويقال إن الأحزاب الكردية نفت علاقتها بالعملية، إلا أن أردوغان مصمم على الانتقام، على الرغم من التحذيرات الروسية والأمريكية من عواقب عملية كهذه.

يقال إن وراء إصرار أردوغان على تنفيذ (مخلب السيف) أهدافًا مصلحية من الولايات المتحدة، بالإضافة إلى أن في المسألة عملية دعاية انتخابية لحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان.

ما من عملية عسكرية يخوضها الجيش التركي ضد الأحزاب الكردية إلا ولها تداعيات وعواقب أمنية تنعكس على أمن الدولة التركية، إلا أن الأتراك لايعيرنها اهتماما.

لكن، وللأمانة والتأريخ، فأردوغان يستحق الإشادة على جهوده الجبارة في إقناع صديقه بوتين بالسماح بتصدير القمح الأوكراني لدول العالم، بعد انقطاع لأشهر، كاد يتسبب بمجاعة عالمية.

والخلاصة، التي لابد من قولها هي : إمَّا أن العالم لم يرتقِ، بعدُ، لمستوى فهم سياسات الرئيس التركي رجب أردوغان، وإمَّا أن الرجل مغرور ومتغطرس، لم يفهم ما الذي يجب عليه عمله تجاه أمن العالم وسلامه واستقراره. وقد يكون هذا هو سبب مشكلات أردوغان اللامنتهيَة!

    fisal7775560@gmail.com.

 

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء