محاور نُشر

الاحتلال الفرنسي للجزائر ..تاريخ مثقل بالجرائم الإنسانية

عرب جورنال / توفيق سلام -
كانت الجزائر في القرن التاسع عشر من الدول العربية التابعة للدولة العثمانية، وعندما بدأ يدبّ الوهن في الدولة العثمانية، وتزايد أطماع الدول الأوروبية الاستعمارية عليها وعلى مناطق الشرق الأوسط، حيث وقعت كلها تحت الاحتلال الأوروبي بمختلف أشكاله (وصاية، حماية، انتداب، احتلال مباشر ...إلخ ). في الجزائر كانت معركة نافارين 1827، بين الأسطول العثماني من جهة والفرنسي من جهة أخرى انهزم العثمانيون في خليج نافارين، وتقهقرت القوات البحرية للأسطول العثماني في الجزائر في تلك المعركة. كانت فرنسا تتحين الفرصة المواتية لغزو الجزائر، وجاءت قضية صفع "الداي" حسين حاكم الجزائر في تلك الفترة قنصل فرنسا على وجهه بمروحة يده، فكانت حادثة المروحة هي الذريعة التي استغلتها فرنسا لبدء الهجوم العسكري عام 1830 لاحتلال الجزائر في عهد نابليون بونابرت، فهاجمت الجزائر من ميناء طولون بحملة عسكرية كبيرة، للسيطرة على البلد.

الاحتلال الفرنسي للجزائر ..تاريخ مثقل بالجرائم الإنسانية


كان الشعب الجزائري رافضا للوجود الفرنسي على أرضه، فكانت هناك ثورات شعبية لمقاومة الغزو الفرنسي في عدد من الأقاليم وقفت في مواجهة الجيش الفرنسي
وفي نوفمبر/تشرين أول عام 1832 بايع الجزائريون عبد القادر بن محي الدين أميرا عليهم، وذلك بعد مرور عامين على الاحتلال الفرنسي للجزائر. وكان عبد القادر في الـ 25 من عمره عندما تمت البيعة له بعد اعتذار والده عن الإمارة واقتراح نجله بدلا منه.
وعقب مبايعة الجزائريين له عام 1832 اتخذ عبد القادر من مدينة المعسكر عاصمة له وبدأ في تكوين الجيش والدولة، وحقق انتصارات ضد الفرنسيين. أدت انتصارات عبد القادر إلى إجبار الفرنسيين على إبرام هدنة معه فكانت اتفاقية "تافنا" عام 1838 التي اعترفت فيها فرنسا بسيادته على غرب ووسط الجزائر.

إقامة الدولة
شرع الأمير عبد القادر بعد هذه الاتفاقية في تشكيل الحكومة، وتنظيم الدولة ومكافحة الفساد، لكن تلك الاتفاقية كانت فرصة لفرنسا لالتقاط الأنفاس لتواصل بعد ذلك القتال ضد قوات الأمير عبد القادر، ومع وصول الإمدادات من فرنسا سقطت معاقله واحدا تلو الآخر.
وبعد مقاومة مريرة اضطر الأمير عبد القادر وأنصاره للاستسلام للقوات الفرنسية عام 1847 بشرط السماح بنفيه خارج البلاد، وتم نقله إلى فرنسا وسجنه هناك.
لكن تشكلت تشكلت جبهات مقاومة في محاور عديدة فهناك المقاومة التي يقودها أحمد باي بن محمد الشريف في الشرق، ومقاومة الأمير عبد القادر الجزائري في الغرب، ومقاومة فاطمة نسومر وسط القبائل، وما كانت تخمد واحدة حتى تثور الأخرى حتى القرن العشرين. ثم أتت ثورة التحرير الجزائرية عام 1954 التي حرّرت الجزائر من الاحتلال الفرنسي 1962.

التهجير والاستيطان
عندما احتلت فرنسا الجزائر، اتبعت سياسات قهرية بشعة تجاه الشعب الجزائري، في اعتقالات الثوار والتعذيب في السجون والتصفيات لعشرات الآلاف، إلى التدمير وحرق القرى، والاختطافات والاغتصابات، والنهب والسلب للممتلكات الشخصية إلى التفقير والتهجير والتنكيل بالسكان وممارسة الارهاب بشتى أنواعه آليات ومدرعات وعربات تجوب الشوارع والقرى والبلدات في عربدة صارخة لهتك أعراض المجتمع، وانتهاك القيم الإنسانية، فالانتهاكات تمارس علنا بشكل فاضح أمام الجميع، حتى بلغت استباحة المجتمع بشكل مفرط. فيما وفر المحتل كل سبل العيش والرفاهية للمستوطنين الجدد القادمين من فرنسا وباقي أوروبا، وتم منح المستوطنين امتيازات الأراضي الواسعة التي أصبحت تحمل أسماءهم. وأُقيمت أول مستوطنة في "بوفاريك" عام 1836، ثم توسعت إلى كل منطقة وصل إليها الاحتلال، وبلغ عدد المستوطنين في نهاية القرن 19 إلى مليون مستوطن من مختلف الجنسيات الأوروبية. كان الهدف من الاستيطان دعم التواجد الأوروبي في الجزائر للقضاء على الشخصية الوطنية، ومحاربة العقيدة الإسلامية، ومحاولة التنصير، وتشجيع الهجرة اليهودية إلى الجزائر. فجاء المحتل بقوانينه وتشريعاته، وبدأ بالاعتداء على المساجد والزوايا، ودور العبادة، ومصادرة الأوقاف الإسلامية، بالرغم من أن اتفاقية استسلام الجزائر العاصمة كانت تدعو إلى احترام الحرية الدينية للأهالي، إلا أن ذلك كان مجرد امتصاص غضب المجتمع. فتحولت دور العبادة لكنائس وإلى مراكز للشرطة، كانت هناك معارضة شعبية لعدم المساس بالمقدسات الإسلامية ودور العبادة. إلا أن المحتل لم يكن يقيم وزنا للاحتجاجات والاعتصامات السلمية، ولا احترام الأديان والمعتقدات. ولعل حادثة مسجد "كتشاوة" واحدة من الجرائم البشعة، حيث قام المحتل بقتل 4 الآف مسلم أعزل من المصلين المعتصمين بالمسجد، وتحويله إلى كنيسة، وسجن المعتقلين السياسيين، وحظر حزب الشعب بتهمة التعاون مع ألمانيا، وإلقاء القبض على مصالي الحاج بعد مذبحة 8 مايو التي ارتكبها الجيش الفرنسي عام 1945م تلتها مذابح عديدة..
وفي يوليو 1948م أحرق الجند الفرنسيون، ورجال البوليس القرى، وأتلفوا المؤن والأرزاق، وهاجم رجال الدرك عام 1949م قرية "سيدي علي بوناب" بدعوى التفتيش عن رجل هارب من الجندية.


استبدال الألقاب
كانت الألقاب الجزائرية قبل الاحتلال الفرنسي ثلاثية التركيب (الابن والأب والجد)، وفي حالات أخرى خماسية التركيب، بحيث تضاف لها المنطقة، وأصدرت سلطة الاحتلال في 23 مارس 1882 قانون الحالة المدنية، الذي ينص على استبدال ألقاب الجزائريين الثلاثية بألقاب لا ترتبط بالنسب، في محاولات متواصلة لطمس الهوية الجزائرية، أهم ملامحها إجبار الأهالي على تسجيل المواليد الجدد، وعقود الزواج لدى مصلحة الأحوال المدنية الفرنسية.. كانت الغاية من استبدال ألقاب الجزائريين بألقاب لا ترتبط بالنسب هو تفكيك نظام القبيلة ليسهل الاستيلاء على الأراضي، وإبراز الفرد كعنصر معزول، وتغيير أساس الملكية إلى الأساس الفردي بدلا من أساس القبيلة، والتحقير من الشخصية من خلال تغيير الأسماء، وإحلال الفرد في المعاملات الإدارية والوثائق مكان الجماعة، وأخيرا تطبيق النمط الفرنسي الذي يخاطب الشخص بلقبه وليس باسمه. وبموجب هذا القانون لم تكتفِ سلطات الاحتلال بتغيير أسماء وألقاب الجزائريين بصفة عشوائية، بل عوّضت العديد منها بأسماء مشينة ونابية، وبعضها نسبة لأعضاء الجسم والعاهات الجسدية، وألقابا أخرى نسبة للألوان وللفصول ولأدوات الفلاحة وللحشرات وللملابس وللحيوانات ولأدوات الطهي. ولم يكن هناك أي منطق في إطلاق الألقاب على الأشخاص، وكل ما هنالك هو رغبة في تحطيم معنويات الجزائريين، من خلال منح الفرصة لترديد أسماء مشينة طول الوقت وعلى مرّ الأزمان. وما يزال الأبناء والأحفاد يتوارثون هذه الألقاب التي أجبروا على حملها حتى اليوم.

تغيير اللغة
أصدر الحاكم العام الفرنسي للجزائر في 24 ديسمبر 1904م قرارا ينص على عدم السماح لأي معلم جزائري أن يفتح مدرسة لتعليم العربية دون الحصول على رخصة من السلطة العسكرية بشروط أهمها:
▪︎أن لا يدرس تاريخ الجزائر، وجغرافيتها والعالم العربي الإسلامي.
▪︎أن لا يشرح آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن الجهاد.
▪︎الولاء للإدارة الفرنسية.
في مارس 1938 أصدر رئيس وزراء فرنسا آنذاك "كاميي شوطون" قرارا نص على حظر استعمال اللغة العربية واعتبارها لغة أجنبية في الجزائر. ويأتي هذا القانون في سلسلة قوانين سنَّها الاحتلال الفرنسي لمحاربة اللغة العربية، وحتى الأمازيغية، وجعل اللغة الوحيدة للبلاد هي اللغة الفرنسية، وكان لهذه القوانين الأثر الشديد في المجتمع الجزائري، وتحويل لغة الإدارة والحكم إلى اللغة الفرنسية. فقد مُنع أساتذة جمعية العلماء المسلمين من التدريس، حيث نص القرار على إغلاق المدارس العربية الحرة التي لا تملك رخصة العمل، ومنع كل معلم تابع للجمعية من مزاولة التعليم في المدارس المرخصة إلا بعد أن يتحصل على رخصة تعليم تقدمها له السلطات المعنية، ومع ذلك امتنعت السلطات الفرنسية عن إصدار الرُّخص رغم الطلبات العديدة التي قُدمت.


الموقف الشعبي
لم يتجاوب الشعب الجزائري مع السياسة الفرنسية في جميع الأقاليم ، خصوصا في المناطق التي عرفت ضغطا فرنسيا مكثفًا لتحويل اتجاهها الوطني، فلم يكن للإعانات، ولا المساعدات التي تقدمها الإرساليات التبشيرية، ولا التعليم الذي وفرته المدرسة الفرنسية، ولا المستوطنين الفرنسيين، ولا المهاجرين الجزائريين الذين تنقلهم السلطات للعمل في فرنسا أثرا في فرنسية الشعب الجزائري المسلم، ما دفع مخططي السياسة الفرنسية إلى اتهام الجزائريين بأنهم شعب يعيش على هامش التاريخ.

مناهضة المحتل
قاوم الشعب سياسة التفرقة العنصرية، وتقسيم المجتمع إلى كنتونات طائفية بين ابناء الشعب الواحد برفع شعار "الإسلام ديننا، والعربية لغتنا والجزائر وطننا" الذي أعلنه العالِم والمجاهد الجليل عبد الحميد بن باديس، ورأى المصلحون من أبناء الجزائر في الانخراط في حركات المقاومة الشعبية، وكانت رؤيتهم أن العمل يجب أن يقوم –في البداية- على التربية الإسلامية لتكوين قاعدة صلبة يمكن أن يقوم عليها الجهاد في المستقبل، مع عدم إهمال الصراع السياسي فتم تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام 1931 بزعامة ابن باديس، وفتحت مدارس لتعليم ناشئة المسلمين، وهاجم ابن باديس الفرنسيين وجرمهم على عملية التجنس بالفرنسية وعدّها ذوبانا للشخصية الجزائرية المسلمة، وطالب. بتعليم اللغة العربية والدين الإسلامي، وأثمرت هذه الجهود في تكوين نواة قوية من الشباب المسلم للاعتماد عليهم في تربية جيل قادم.
وعلى الصعيد السياسي بدأ الجزائريون نهج الكفاح المسلح من خلال تشكيل مكونات المقاومة الشعبية والتنظيمات السياسية التي خاضت ميدان النضال الوطني بأفكار متعددة في وسائل وأساليب المواجهة ضد المحتل، ومنهم الشيوعيون، والوطنيون القوميون، وظهرت عدة تنظيمات سياسية منها حزب الجزائر الفتاة، وجمعية نجم شمال أفريقيا بزعامة مصالي الحاج الذي عرف بعد ذلك
بحزب الشعب الجزائري، وتعرض زعيمه إلى الاعتقال والنفي مرات كثيرة.
ولم يكن هناك من خيار أمام الفصائل الوطنية الثورية، إلا توحيد جهودها في النضال الوطني، رغم امكاناتها المحدودة والبسيطة، بالاعتماد على البندقية التقليدية، أمام الجيش الفرنسي المدجج بتراسنة كبيرة من الاسلحة الحديثة، واختارات جبهة التحرير أساليب حروب العصابات كوسيلة لارهاق العدو، واستنزافه.. إذ لم تكن هناك من وسيله لردعه وايقاف مذابحه، وجرائمه التي طالت السكان، وحجم الدمار والإسراف في القتل وأفقار السكان، وتحويلهم إلى سخرة وعبيد، وتحقير كرامتهم وانتمائم الوطني أمام ثقافة الاستعلاء للجنس الأوروبي الذي لا يردعه أي ناظم، أو قوانين، أو أدبيات سياسية أو قوانين عسكرية. كان يتصرف بعقلية نازية متطرفة ضد السكان في تاريخ طويل من المآسي والقهر والاذلال، والامتهان المختلطة بالجرائم الإنسانية التي يصعب الإلمام بها وأحداثها وتفاصيلها، نتناول هنا بعضا منها، كوقائع عن آلاف الجرائم المختلفة الذي تعرض لها الشعب الجزائري طيلة 132 عاما من الاحتلال الغاشم.

محرقة مغارة الظهرة
تستند هذه الواقعة إلى ماتذكره العديد من المصادر والمراجع التاريخية، وروايات القدامى، فضلا عن ما يورده مؤلفو كتاب "جرائم الاحتلال الفرنسي في الجزائر" على لسان أحد الضباط الفرنسيين الذي يروي بعضا من هذه الأحداث فيقول: "لقد كانت حملتنا تدميراً منظماً أكثر منها عملاً عسكرياً، نمضي أوقاتنا في حرق القرى والأكواخ"، ثم يسترسل في السرد إلى أن يقول: "آه أيتها الحرب، كم من نساء وأطفال تجمعوا في جبال الأطلس العالية المكسوة بالثلوج، فماتوا هناك من البرد والجوع". وكان الناس يشردون من قراهم نساء وأطفال وشيوخ إلى الصحاري ليموتوا جوعا وعطشا، إلا من كتب له النجاة للالتجاء إلى البلدان المجاورة.


مذبحة العوفية
لم يكد الاحتلال الفرنسي يستقر في الجزائر حتى ارتكب جنوده وضباطه تحت قيادة الجنرال "دو روفيغو" عمليات إبادة وحشية بحق الشعب الجزائري.. فهذه المجزرة واحدة من تلك الجرائم، التي حدثت على مشارف الجزائر العاصمة، حيث كانت تقطن "قبيلة العوفية" في الجنوب الشرقي من المدينة، كانت تلك القبيلة سابقاً مكلفة بحراسة البرج المحصن الذي أقامه العثمانيون بجوار أراضي هذه القبيلة.. أصدر الجنرال "روفيغو" الأمر لقواته في ليلة 5 أبريل/نيسان 1832، بسحق "قبيلة العوفية"، وإبادة أفرادها لكونه اشتبه بأنهم تعاونوا مع المقاومين الجزائريين الرافضين للاحتلال الفرنسي، واتهم الجنرال الفرنسي القبيلة بسلب مبعوثي "فرحات بن سعيد" أحد المتذبذبين بين الولاء للأمير المجاهد عبد القادر الجزائري وفرنسا بمنطقة الزيبان.. هجمت القوات الفرنسية على القبيلة في ساعات الفجر، وقتلت منهم عدداً كبيراً، وقطعت رؤوس عددا كبيرا من رجال القبيلة واقتادت شيخ القبيلة وأعدمته على الملأ.

وأشار المؤرخ الدكتور "جمال يحياوي" إلى أن الهدف من تنفيذ الجريمة الوحشية في "الحراش" ضد "قبيلة العوفية" والتي راح ضحيتها مئات الجزائريين من الشيوخ والنساء والرضع، هو بث الفزع والخوف في باقي القبائل وترهيبها حتى لا تنخرط في المقاومة الشعبية. وذكر نفس المؤرخ أن الجنرال "روفيغو" يُعتبر من الشخصيات العسكرية الأكثر دموية، وتاريخه مثقل بالجرائم، إذ سبق له إعطاء أوامر بقتل 4 الآف جزائري، بعد رفضهم قراره بتحويل مسجد "كتشاوة" إلى كنيسة 1831، أو مركز عسكري، منفذ المجزرة يمتلك سجلاً إجرامياً وسفاحا سابقا معروفا بتعطشه للدماء.

محرقة أولاد رياح
حدثت هذه المحرقة عام 1845، تقول وقائعها أن فرنسا أرسلت الجنرال "لونوفيل أوبسرفاتور" لإخماد المقاومة التي يقودها الأمير عبد القادر الجزائري. كان هذا الجنرال دمويا منذ تم تجنيده في الجيش النابليوني في سن العشرين، وشارك في حملات بروسيا(ألمانيا) وبولندا، وقمع الشغب في باريس عام 1834، وكان يقول: "يجب تعقب المنافس واصطياده وتدميره"، وأنشأ فرقاً خاصة في الجزائر من الجيش الفرنسي كانت مهمتها مصادرة الأراضي، ونهب المحاصيل والماشية، وحرق من يلجأ إلى الكهوف، واتبع طريقة خنق وحرق القرى بكامل سكانها. وفي خضم اشتداد المقاومة الشعبية التي اندلعت بالمنطقة بقيادة "محمد بن عبد الله" الملقب بـ"بومعزة" بجبال الظهرة مطلع سنة 1845 وبعد معركة كبيرة كبد فيها الثوار الجزائريون قوات الاحتلال الفرنسي خسائر فادحة، لجأ أفراد من قبيلة "أولاد رياح" من الشيوخ والنساء والأطفال، إلى مغارة في عمق الجبل للاختباء والاختفاء عن أنظار القوات الفرنسية. لكن القوات الفرنسية كانت تتعقبهم فوصلت إلى المنطقة وحاصرت المغارة وطلبت من أفراد القبيلة الاستسلام، وحين رفضوا الاستسلام، وضع الجنود الفرنسيون أكوام الحطب على باب المغارة، وأشعلوا النيران وقتل اختناقا جميع مَن كان في المغارة.
كان العقيد "أوجين كافيناك" هو الذي افتتح هذا النوع من الجرائم في يونيو 1844 بحرق المئات في الكهوف على الضفة اليسرى لوادي الشلف، وقام الجنرال"بوجو" بالتنظير لها، وتعميمها بإعلانه الشهير " إذا انسحب هؤلاء الأوغاد إلى كهوفهم، أوقدوا عليهم النار مثل الثعالب".
تردد صدى هذه الجرائم عالميا وفي الصحافة الفرنسية ليضغط الرأي العام على جرائم فرنسا التي لجأت إلى الكذب وتضليل الرأي العالمي، وطمس الحقائق التي كانت تظهر رغم محاولات النفي.. ففي رسالة لأحد الأسبان كان شاهدا على المحرقة، كتب واصفا المجزرة بقوله :“مامن ريشة يمكنها أن ترسم ذلك المنظر، في منتصف الليل، وتحت ضوء القمر، ترى مجموعة من القوات الفرنسية منهمكة في إشعال نار جهنمية، وتسمع الأنين الخافت للرجال والنساء والأطفال والحيوانات، وأصوات تكسر الصخور المتفحمة والمنهارة.. في الصباح عندما حاولنا الوصول إلى مدخل المغارة، وجدنا جثث الثيران والحمير والاغنام، ومن تحتها الرجال والنساء والأطفال .. رأيت بأم عيني رجلا ميتا ركبته على الأرض، ويده تشد قرن ثور، وبجانبه إمرأة تحمل طفلها بين ذراعيها، لقد اختنق هذا الرجل حينما كان يحاول إنقاذ أسرته من هيجان هذا الثور .. لا شيء يمكنه وصف المنظر الرهيب للمغارة، كل الجثث كانت عارية وفي وضعيات تدل على المعاناة التي تعرضوا لها قبل أن يموتوا .. كان الدم ينزف من أفواههم، أحصينا 760 جثة”.
كان وزير الحرب المارشال سولت يحاول التنصل من الجريمة، إلا أنه فيما بعد كتب إلى توماس روبير بيجو الحاكم العام للجزائر قائلا له : "إن ما حدث شيء مؤسف ومؤلم حيث ترددت الأحداث المؤسفة في كل مكان، ولا يمكنني تبرير هذه الحقيقة التي يبدو لي، في الواقع، من الصعب جدا تبريرها". ووجهت الصحف نقدا لاذعا لتلك العمليات، وعلى رأسها صحيفة La Démocratie pacifique التي تبنت ردود فعل جد غاضبة عندما كتبت في إحدى مقالاتها : "لقد تم حرق النساء والأطفال كأنهم حيونات، القائد هناك يعمل كرجل لا يفهم سوى الحرب الوحشية، حرب الإبادة والدمار أو الإرهاب، واليوم يتقدم إلى ما وراء الوحشية ويفتخر باستعارة أكثر أساليب الحرب فعالية من جانب المتوحشين أنفسهم.. نحن أيضا نشارك الوحشية، ونأمل أن تؤدي مثل هذه التجاوزات الفظيعة إلى فتح أعيننا في نهاية المطاف، وتقديم قرار لفرنسا. سنرى ما إذا فرنسا ستواصل تصدير المعاناة لهذه الأرض من أفريقيا تحمل سمعة قهر الحضارة".
في باريس دوت أخبار المحارق، وما يقوم به الجيش من ارتكاب جرائم فضيعة في إبادة السكان ب "الخنق بالدخان" في الكهوف ووسائل تعذيب عديدة وإبادات عديدة. وفي مجلس الشيوخ بفرنسا اعترف "بيجو" بالمسؤولية، وبرر أفعالة بمقولته : "وهل لي أن أعتبر أن احترام القواعد الإنسانية تجعل الحرب في أفريقيا من المرجح أن يستمر إلى أجل غير مسمى". لكن فرنسا لم تتوقف هنا، بل أعادت استخدام محارقها طوال قرن من الزمن، حيث يؤكد أوليفييه "غرانمايسون كورت" على أنه تم إعادة استخدام هذه الأساليب في الأعوام اللاحقة لتلك المحارق خلال الحرب في الجزائر (1956-1962). وواجه الجيش الفرنسي مرة أخرى جماعات متمردة لجأت إلى الكهوف المحصنة، وكان المحتل يستخدم الطيران الحربي والمدفعية لضربهم وهدم الصخور والمغارات فوق رؤوسهم . وكثيرا ما قُتل المقاتلون المتمردون في ملاجئهم بصواريخ أرضية، أو بصواريخ أطلقتها طائرات مسلحة، أو طائرات هليكوبتر، ومع ذلك لم يتركوا أي فرصة للعدو للاستسلام.

مذبحة 8 مايو 1945
بعد وصول أنباء عن استسلام ألمانيا النازية في الحرب الوطنية العظمى 1945،
خططت السلطات الفرنسية لإقامة احتفال بمدينة "سطيف" الجزائرية بمناسبة هزيمة قوات المحور، ومن ضمن الاحتفال رفع أعلام دول الحلفاء المنتصرين (الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، والاتحاد السوفيتي، والصين، وفرنسا، وبولندا، وكندا وغيرها).
حينها قرر بعض مؤيدي حزب الشعب الجزائري الوطني الذي أسسه مصالي الحاج في العام 1937 استغلال الاحتفال من أجل التذكير بقضيتهم العادلة وهي إنهاء الاحتلال الفرنسي للجزائر، وذلك برفع العلم الجزائري في الاحتفال.. ووفقاً لما ذكره موقع History of Yesterday التاريخي، قرر شاب جزائري يبلغ من العمر 26 عاماً يدعى "بوزيد سعال"، رفع العلم الجزائري، فأطلق شرطي يدعى "أوليفيري" النار عليه وأرداه قتيلاً، لتنطلق بعدها انتفاضة شعبية في عدة مدن ضد الاحتلال الفرنسي.. فكان الرد الفرنسي دموياً وعلى مدار عدّة أيام نفذت القوات الفرنسية عمليات قتل جماعية، بحق الجزائريين، في عدة مناطق، أبرزها سطيف والمسيلة وقالمة وخراطة وسوق أهراس، ولم تستثنِ الأطفال والنساء وكبار السن، وفقاً لما تذكره المصادر التاريخية التي تشير إلى أن القوات الفرنسية أعدمت كثيراً من المدنيين عن طريق إطلاق النار عليهم من مسافة قريبة، بينما نقل آخرون في شاحنات ليتم دفعهم من أعالي الوديان، أو إخراجهم من المدن وإعدامهم قبل حرق جثثهم، ومن ثم دفنهم في مقابر
جماعية. كما استخدم جنود الاحتلال أفران الجير للتخلص من جثث الضحايا. وتقدّر المصادر مقتل نحو 45 ألف جزائري خلال تلك المذبحة، في حين تقول مصادر غير رسمية إن الأعداد تتجاوز ذلك الرقم. وقالت وكالة أنباء روسيا اليوم إن قوات الاحتلال الفرنسي بدأت عملياتها ضد المتظاهرين الجزائريين في سطيف في 14 مايو، فأطلق الطراد (Duguay-Trouin) حممه على المدينة، إضافة إلى المدفعية الثقيلة، ودخلت عقب ذلك الطائرات الحربية التي حولت "سطيف" إلى محرقة، بعد قصفها ب 41 طناً من القنابل، وفي النهاية دخلت قوات المشاة إلى المنطقة لقتل من بقي من الأحياء.

جمبري بيغار
خلال ثورة التحرير الجزائرية، وبشكل خاص في معركة مدينة الجزائر سنة 1957، كانت قوات الاحتلال الفرنسي تتفنن بتعذيب الجزائريين، واحدة من تلك الطرق عرفت باسم "جمبري بيغار" هذه الاسلوب الوحشي في التصفية للثوار ابتكرها الجنرال الفرنسي "مارسيل بيغار" حيث يقوم بغرس أرجل الثوار داخل قوالب إسمنتية ويتركهم على هذا الحال حتى يجف الإسمنت، وبعدها يُحملون في طائرات عسكرية ويُرمون بهم في عرض البحر الأبيض المتوسط.
وقد كشفت رئيسة الهيئة الجزائرية لمناهضة الفكر الاستعماري، المحامية فاطمة الزهراء بن براهم، أن بحارة وصيادين جزائريين عثروا على هذه القوالب الإسمنتية وبداخلها آثار أقدام.
كانت تلك الطريقة، جزءاً من الحرب النفسية ضد خلايا الفدائيين لجبهة التحرير الجزائرية في العاصمة وغيرها من المناطق، ولم يستثنِ "بيغار" منها أحداً شملت الشيوخ والنساء وحتى الأطفال، وأحياناً كان يربط مع الضحية زوجته وأطفاله معاً قبل رميهم من الطائرة.

مجزرة باريس 1961
الأعمال الوحشية بحق الجزائريين لم تتوقف عند حد التراب الجزائري، بل امتدت إلى باريس، حيث تحول لون مياه نهر السين إلى الأحمر.
فما دوافع هذه المذبحة..؟
كانت فرنسا قد فرضت يوم 5 أكتوبر/تشرين الأول عام 1961، حظر تجول على الجزائريين الذين يعيشون في باريس ومحيطها تزامناً مع دخول حرب الاستقلال مراحلها الأخيرة.
وفي يوم 17 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه خرج أكثر من 300 ألف جزائري في مظاهرة سلمية، رفضاً لحظر التجول ودعماً لنضال بلدهم من أجل الاستقلال. وبناءً على أوامر صادرة من رئيس شرطة باريس آنذاك موريس بابون، تدخلت الشرطة بقوة في قمع المتظاهرين، وقتلت العشرات منهم عمداً في الشوارع ومحطات مترو الأنفاق، وألقت بعدد من المصابين من الجسور في نهر السين، ما أدى إلى مقتلهم، وهو ما بات يُعرف بعد ذلك بمجزرة "باريس 1961". بينما لم يُحدد رسمياً عدد قتلى الاحتجاج الذي أسفر عن إصابة آلاف الأشخاص واعتقال قرابة 14 ألف شخص، إلا أن شهود المجزرة ومصادر مستقلة ذكرت أن أكثر من 300 جزائري قُتلوا على يد الشرطة الفرنسية.

اغتصاب النساء
لقد مارس الجنود الفرنسيون أبشع الجرائم الإنسانية بحق النساء الجزائريات، في السجون وهتك أعراضهن، حيث تعرضن للتعذيب الوحشي بشكل بشع يعجز اللسان عن وصفه، فقد كانت عمليات اغتصاب النساء، كما يصفها مؤرخون هي الخبز اليومي لجيش الاحتلال، وهناك الكثير من الروايات والقصص الواقعية لنساء جزائريات تعرضن لأهوال من التعذيب النفسي والجسدي، وبقر بطون الحاملات، ومن بينهن نساء مناضلات تعرضن لآلام مبرحة من التعذيب الوحشي في السجون، وإلى الصعق بالكهرباء، والاغتصاب المتكرر، مما أدى بالبعض إلى الحالات النفسية، وهناك من فارقن الحياة بفعل التعذيب…!!
وتشير المصادر إلى أنه لا يمكن معرفة عدد النساء الجزائريات اللاتي تعرضن للاغتصاب، وتذكر الكاتبة الفرنسية سيمون دو بوفوار صديقة جان بول سارتر، تعرضت من خلاله لهذه القضية، كما تم تقديم العديد من الشهادات، وحسب الأرقام الفرنسية أن هناك حوالى أربعة آلاف حالة اغتصاب لنساء جزائريات، وذلك بين سنوات 1954-1962م.

أهداف فرنسا
واحدة من الأهداف الجيوستراتيجية لفرنسا أنها كانت تسعى إلى الاحتفاظ بالجزائر داخل الامبراطورية الفرنسية الكبرى والتي ما فتئت تتهاوى وتنهار بعد هزيمتها في فيتنام على يد الجنرال جياب، وذلك قبل شهور قليلة من اندلاع الثورة الجزائرية، وهو الأمر الذي لم يهضمه جنرالات فرنسا الذين سعوا بكل ما أوتوا من قوة من أجل وقف تيار التاريخ في الجزائر، والإبقاء على هذا البلد تحت قبضتهم، وجعله جزءاً لا يتجزأ من ترابهم، وتحت هذا الشعار صرح الجنرال دوغول: "من دانكيرك إلى تامنراست بلد واحد هي فرنسا"، وأكد في أحد حواراته :"إنه مادام هناك دوغول، فلن يرتفع علم جبهة التحرير على الجزائر أبداً".. لم يكن جنرالات فرنسا وقادتها يتصورون أن ما حدث في فيتنام سيتكرر في الجزائر، وستُفلت من بين أيديهم، وكان الهدف الرئيس لقادة فرنسا من سياسيين وعسكريين هو الإبقاء على الجزائر فرنسية، وعندما لم يقبل الشعب الجزائري بهذه المعادلة بدأت رياح مقاومة جبهة التحرير الشعبية، والتيارات السياسية في مواجهة الغزاة، بدأت سيول الدماء، ومسلسلات الجرائم تزداد وابتكر جنرالات الجيش ومنهم:
ماسو، وسالان، وجوهر، وبيجار، وأوساريس، وموريس بابون بالأعمال الوحشية الأكثر بشاعة واجراما في التاريخ.

اسماء جنرالات لا تنسى عن الذاكرة الشعبية الجزائرية وفي المدونات الشخصية، وأدبياتهم التاريخية والسياسية والثقافية. فهذا مثلا الجنرال بول أوساريس الذي عمل تحت قيادة الجنرال ماسو عام 1957م، وكان ألقى القبض على الشهيد العربي بن مهيدي، والمناضل ياسف سعدي، وأسفرت عن استشهاد عدد كبير من الثوار، من بينهم علي لابوانت، وعلي بومنجل، وغيرهم، لم يتوقف المحتل عن سلسلة جرائمه المتواصلة ضد الإنسانية خلال قرن وربع، وما تلاها بحق الشعب الجزائري التي مازالت شواهدها وتأثيراتها حتى اليوم.

عندما سُئل الكاتب الفرنسي فرانسيس جانسون صاحب كتاب :"الجزائر الخارجة على القانون" على التعليق على ما ورد في اعترافات الجنرال بول أوساريس في كتابه: "أجهزة خاصة" أجاب :" إن مسألة التعذيب مرتبطة بالمسألة الاستعمارية، وأعتقد أنه على رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة معاً الذهاب إلى الأمام في تصريحاتهم التي سمعناها حتى الآن حول مأساة شعب، وعلى المسؤولين اليوم طلب السماح من أولئك الذين عانوا خلال حرب التحرير، وأقصد بالضبط طلب الاعتذار والسماح من الشعب الجزائري فيما لحقه من جرائم من طرف الاستعمار الفرنسي " فالجرائم الفرنسية والقتل الجماعي خلال الثورة (1954-1962) هو امتداد للجرائم البشعة التي ارتكبت أثناء الاحتلال سنة 1830، وفي ثورة المقراني سنة1871م، وما تلاها من ثورات لم تتوقف منذ وطئت أقدام المحتل الفرنسي أرض الجزائر.

تجارب نووية اشعاعية
تشير المصادر التاريخية إلى أن سلطات الاحتلال الفرنسي أجرت سلسلة تجارب نووية في الصحراء الجزائرية بين عامي 1960 و 1966، وأجرت خلال هذه الفترة 17 تجربة نووية، بحسب مسؤولين فرنسيين، بينما يقول مؤرخون جزائريون إن العدد أكبر من ذلك. وخلّفت تلك التجارب آلاف الضحايا، من العمال الجزائريين والمواطنين الأصليين والبدو الرحل، وكذلك الجزائريين الذين تمّ استعمالهم كمختبر تجارب، وفق ما يذكره باحثون، فضلا عن تأثيراتها على النباتات والحيوانات وعلى البيئة والانسان بشكل عام.

وكشف وزير الخارجية الجزائري الأسبق صبري بوقادوم أن هذه التفجيرات النووية تعادل 4 أضعاف قنبلة هيروشيما باليابان، وبلغ عدد الضحايا الجزائريين لهذه التجارب 42 ألفاً على الأقل، بعد إصابتهم بأمراض ناجمة عن التعرض لنشاط إشعاعي وإحداث عاهات مستديمة؛ بسبب الإشعاعات النووية التي لا تزال تلوث المكان وتقتل البشر حتى اليوم، وترفض فرنسا تزويد الجزائر بالأماكن الدقيقة لتلك التجارب، أو حتى تعويض ضحايا تلك الجرائم.

واخيرا فإن مذبحة 8 مايو 1945 تعد يوما وطنيا في الذاكرة الشعبية، تخلد فيه أرواح ملايين الشهداء الذين سقطوا على يد الاحتلال الفرنسي الغاشم طيلة 132 عاما، في وقت تستمر الدولة في جهود اقتطاع الحقوق المعنوية والتاريخية للجزائريين عبر القنوات التفاوضية مع باريس من قبل رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، ليعيد قرار ملف الذاكرة الوطنية، إلى مجالها التاريخي الحقيقي، بعد محاولات حثيثة لحصر جرائم المحتل الفرنسي في الجزائر في السنوات السبع للثورة التحريرية، بل سعي البعض إلى التلاعب بالتاريخ والمشاعر، وتوظيف مقاربات زائفة للمساواة بين الضحية والجلاد، من خلال الدفع إلى الواجهة بما يسمّى "بالجراح المشتركة".
الرئيس تبون حسم في رسالته بالمناسبة، وبشكل قاطع في الحقبة الزمنية التي تشكل الرصيد الكامل للذاكرة الوطنية الواجب صيانتها وتخليدها لكل الأجيال، حيث أكد أن جرائم الاحتلال الفرنسي خلفت أكثر من 5.5 ملايين شهيد منذ 1830 إلى 1962.. وقال في رسالته التاريخية : " إن القمع الدموي الوحشي للاحتلال الاستعماري الغاشم، سيظل وصمة عار في جبين قوى الاستعمار التي اقترفت بحق شعبنا طيلة 132 سنة". وأكد أنها "جرائم لا تسقط بالتقادم رغم المحاولات المتكررة لتبييضها، لأن عدد ضحاياها تجاوز الخمسة ملايين ونصف المليون ضحية من كل الأعمار، أي ما يمثل أكثر من نصف سكان الجزائر". وإلى جانب الدماء الزكية، التي سقت أرض الجزائر، لن يمحي من سجل الاحتلال الفرنسي ما اقترفه من نهب وسلب لمقدرات وكنوز وممتلكات تفوق قيمتها مليارات الدولارات، إلى جانب ما تركه من سموم وألغام، على البيئة والإنسان في الصحراء الجزائرية، وعلى الشريط الحدودي، لازالت آثارها مستمرة إلى غاية اليوم. وفي إطار هذه النظرة الشاملة تطرح السلطات الجزائرية على الطاولة مجموعة من الملفات كحزمة ثقيلة لملف الذاكرة، لا يبدو أنها ستجد طريقها إلى الحل خارج الأطر التفاوضية العسيرة، بسبب مماطلة وتملص الطرف الذي خسر الحرب. وتقف أمام البلدين أربعة ملفات أساسية هي: استعادة الأرشيف الوطني، التفجيرات النووية في الصحراء وآثارها، استكمال استرجاع جمام المقاومين الشهداء والمفقودين.
وطيلة السنة الماضية، استطاع الرئيس تبون ونظيره الفرنسي تحريك جزء من المياه الراكدة، حيث استعادت الجزائر أول دفعة لجماجم أبطال المقاومة الشعبية، وجرى الاتفاق على الشروع في عمل ثنائي لتسوية الملف، لكن طيلة هذه الفترة لم يصدر عن باريس إلا خطوات رمزية قليلة، لا ترتقي حتى إلى نظرة الجزائر للملف. وكانت الجزائر قد طالبت رسميا من فرنسا الخرائط الطبوغرافية لأماكن إجراء التجارب النووية والكيماوية، ومواقع دفن نفاياتها بغرض الشروع في تطهير المناطق من الإشعاعات النووية. هذه الاحداث التاريخية تعيد لذاكرة الشعوب بمقاضاة الغزاة الذين يتشدقون اليوم بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، بينما هم مطالبون اليوم بالتصالح والاعتراف بجرائمهم والاعتذار، وتقديم التعويضات عن جرائمهم، والضمانات المطلوبة بعدم تكرارها مرة أخرى....!

Tawfiqsallam89@gmail.com

 

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء