محاور نُشر

 عصبية طالبان والإرث التاريخي الثقيل !!

عرب جورنال / فيصل أحمد -
 الكتابة عن الأحداث الدامية الأخيرة في الداخل الأفغاني أو على الحدود مع باكستان، تتطلب، مثلها مثل أي كتابة منصفة، معرفة وفهمًا واستيعابًا لمجمل الأوضاع والإشكالات ذات العلاقة، وبأبعادها السياسية والاجتماعية والدينية والمذهبية .

 عصبية طالبان والإرث التاريخي الثقيل !!

إلَّا أن الكتابة عن أفغانستان، بالذات، تتطلب، فضلًا عما سبق، إلمامًا وإدراكًا لمدى التدخلات الخارجية وللإرث الدامي بين القوميات المتعددة والصراعات بين المذاهب الدينية المختلفة، بما فيها الصراعات التي حدثت، في إطار المذهب الواحد بين القوميات.

وتبلغ صعوبة الكتابة ذروتها عن أفغانستان عندما تمثل السلطة السياسية الحاكمة طرفًا رئيسًا في كل أو في معظم تلك الصراعات والأحداث، حتى أنه يمكنك القول بأن هذه السلطة هي محور المشكلة، بسبب أنانيتها المفرطة للاستحواذ على السلطة واحتكارها ونزوعها لإقصاء بقية المكونات المجتمعية، بالاستقواء بالأكثرية العددية للقومية الواحدة والأفضلية النضالية ضد هذا الغازي أو ذاك.

والصعوبة بمعناها الحرفي الواسع ستلاقيك عند كتابتك عن تطورات دموية تحوطها أجواء من الضبابية والتضليل والإخفاء المتعمد للمعلومات الحقيقية، التي تلجأ إليها السلطة القائمة وأجهزتها الأمنية المختصة. 


وحينها لن تجد بدًّا من السلطة نفسها بالضلوع في تلك الأحداث المزعزعة لأمن واستقرار البلاد، من دون أن يشوب اتهامك لها أي محذور، كالقول بأن السلطة الحاكمة هي المعنية بالمحافظة على أمن الوطن والمواطن، فكيف يصدر عنها فعل مخالف يفسد واجباتها ؟

جماعة طالبان القبلية الريفية المتدينة، لم تعد كذلك. ولا بتلك البراءة والمروءة والأخلاق الفاضلة، التي يفتقر إليها رجال السياسة الماكرين، الدهاة.

فطالبان المتشبثة بالسلطة قد تجدها متواطئة مع مكون ما تخدمها توجهاته الشريرة. وربما تستخدم شرانيته في خدمتها لاستمرار بقاء سلطتها.


فقبيل أحداث 11 سبتمبر 2001 ، بيومين، فقط، لم يجد قادة طالبان، الذين كانوا أكثر من هؤلاء التزامًا بالدين وأشد منهم ورعًا وزهدًا بالحكم، بأسًا في تكليف أحد عناصر تنظيم القاعدة لاغتيال الزعيم الطاجيكي البارز أحمد شاه مسعود، الذي استعصى عليهم الوصول إليه للنيل منه. فقتلوه في عملية إرهابية غير مسبوقة المثال.

 فهل سيتجنب قادة طالبان الحاليين عملًا جبانًا كهذا، وهم الأكثر أنانية وطمعًا بالسلطة ؟ 

جماعة طالبان المتربعة على كرسي حكم أفغانستان اليوم تخلت عن التزاماتها الدولية مع الأمريكيين في اتفاقية الدوحة. فتجاوزت البند الذي يلزمها بالحوار السلمي مع السلطة القائمة يومذاك برئاسة/ أشرف غني ـ البشتوني، من أجل التوافق على صيغة حكم مشتركة للنهوض بأفغانستان الجديدة. فأطاحت طالبان بحكومة أشرف غني وبنفس أسلوبها القديم القائم على الانتصار بالرعب من أي مسافة. وكان الأمريكيون لايزالون في الموقف.

وطالبان تخلت عن البند الذي يلزمها بتشكيل حكومة وطنية شاملة، لا تستثني أحدًا من المكونات السياسية والمجتمعية والجمعيات المستقلة.. ، بغض النظر عن قومياتهم ودياناتهم ومذاهبهم ومواقفهم من الوجود الأمريكي. لكن طالبان رفضت، بصلف وعنجهية، كل ذلك وشكلت حكومة طالبانية ذات أغلبية بشتونية.

فإذا سمعت عن عملية إرهابية استهدفت مسجدًا للشيعة أو مسجدًا للسنة أو مدرسة للبنات، فلاتستبعد أن تكون الأجهزة الأمنية لحكومة طالبان ضالعة فيه أو أن تكون لها به علاقة ما، من قريب أو من بعيد. فالمذهب السني لطالبان لن يمنعها من البطش بالمنافس أو المعارض السني، مادام عامل العداء العرقي فاعلًا أو اقتضت مصلحة حكومة طالبان القيام به.


حتى لو كانت العملية الإرهابية في بيت من بيوت الله صادرة عن عرقية غير بشتونية وكان هدفها إحراج حكومة طالبان الحالية، فإن السبب يرجع إلى أنانية طالبان وحرمانها للقوميات الأخرى من حق المشاركة في حكم البلاد. وبالتالي فجماعة طالبان وراء كل مصيبة في أفغانستان. 

قد تُحمِّل سلطات كابول تنظيم الدولة الإسلامية مسؤولية أي عمل إرهابي في البلاد؛ إما لإخفاء مسؤوليتها أو للتغطية على وجود رفض قومي لحكومتها. وقد يصدر بيان اعتراف باسم التنظيم، لكن طالبان لن تخرج من دائرة الشبهة. 


فالتنظيم سني متحالف معها تلتقي طالبان معه في علاقة جيدة مع أطراف خارجية؛ عربية أو إسلامية. فلايستبعد التنسيق بينهما وبين أصدقاء وحلفاء الخارج. خاصة عندما تستهدف العملية مساجد الشيعة.

وطالبان لا تختلف عن تنظيم الدولة في تحريم تعليم الفتيات. فما الجديد لو أقدم تنظيم الدولة على استهداف مدرسة للبنات أو جُيرت العملية الإرهابية باسمه ؟

> فيصل النظاري:
جماعة طالبان ذات القومية البشتونية، تشكل القومية الأولى في البلاد، بنسبة 40% من عدد سكان أفغانستان، الذي يقدر بأربعين مليون نسمة. أي أن تعداد قومية البشتون في أفغانستان تقدر بـ( 11) مليون نسمة. 

وفي باكستان تحتل عرقية البشتون المرتبة الثانية، بعدد( 25)  مليون نسمة. وهذا سر الدعم السخي الباكستاني بالرجال والمال والسلاح وبتوفير فرص التدريب والمأوى للحركة.

هذا الكم العددي البشتوني الممتد على حدود البلدين الجارين هو الذي يغري طالبان، من منظور اجتماعي قبلي، بادعاء حق التربع على السلطة من دون منازع.

فلا يُستبعد أن تكون عناصر بشتونية باكستانية وراء الهجمات المسلحة على جنود باكستانيين، منذ أسابيع خلت. الأمر الذي كلف الجيش الباكستاني أن يقصف بالطيران الحربي أهدافًا داخل الأراضي الأفغانية. ما أدى إلى قتلى وجرحى من المواطنين الأبرياء، يفوق عددهم أعداد الضحايا الباكستانيين. يقال إن سبب كل ذلك قيام الحكومة الباكستانية بتقليد الموضة لدى الدول المترفة؛ بإقامة جدار عازل على حدود البلدين، حال دون التواصل الأسري على جانبي الحدود. فأحدث ردات فعل لدى المواطنين الأفغان.     

في القرنين الماضيين كان الحكم في أفغانستان بيد قبائل البشتون. وهذا عامل آخر يشجع طالبان على التمسك  بالعمل لاسترجاع حق تاريخي بالسلطة.

وعندما غزا الاتحاد السوفيتي أفغانستان في عام 1979 شكلت طالبان رأس الحربة في مقاومة الاحتلال السوفيتي. 

وفي عام 2001، عاودت قبائل البشتون بقيادة طالبان مهمة المقاومة للاحتلال الأمريكي.

وفي كل الأحوال قدمت العرقية البشتونية تضحيات كبيرة، جنبًا إلى جنب مع مشاركة من بقية القوميات ، التي تشكل المجتمع الأفغاني.

لكن جماعة طالبان المتعصبة لقوميتها والمتشددة لمذهبها، لم تسمح لبقية القوميات باعتلاء مناصب قيادية في الدولة؛ لا سابقًا ولا لاحقًا، مهما كانت تضحياتهم ! وهكذا هي عادة العصبيات البدائية أو أي تحالف غير وطني.. لايكون إلا مرحليًّا أو تكتيكيًّا، سرعان ما يستحيل إلى صراع بيني، خاصة بين المذاهب والتنظيمات الإسلامية.  


هذه الأنانية الطالبانية البشتونية السنية أجبرت بعض القوميات الكبيرة العدد على مقاومة هيمنة وتفرد طالبان بالحكم. فكان على طالبان، مثلها مثل أي قوى بدائية جاهلية، متعصبة لذاتها، استحلت لذة التنعم بالسلطة، قمع كل منتقد أو معارض لحكمها، بما فيها المقاومة السياسية السلمية.

العرقية الطاجيكية، التي تشكل المكون العددي الثاني في البلاد بنسبة، 40% من سكان العاصمة لوحدها، كونهم عرقية متعلمة مثقفة..مشهود لها، أيضًا، بالمقاومة المسلحة الباسلة ضد الغزاة ومشهود لرجالها السياسيين المهرة بقيادة العمل السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والثقافي ومعظمهم من المذهب السني.. لم يكن من السهل على طالبان القبول بمنافستهم لها على إرث السلطة. 

مع هذه العرقية التي تزعمت تحالف قوميات شمالية، خاضت حكومة طالبان السابقة والحالية، أيضًا، صراعات مسلحة كبيرة، ذهب ضحيتها المئات وربما الآلاف. ولاتزال جراحاتها غائرة حتى اليوم. وقد تطول الثارات بين طالبان الحالية، التي استعانت بقوات خاصة باكستانية، فقضت على تمرد نجل أحمد شاه مسعود في وادي بانجشير المحصن، في أثناء انسحاب القوات الأمريكية.

أسلوب الاغتيالات، الذي اعتمدته طالبان، للتخلص من خصومها، منذ ظهورها، أورثها الكثير من العداوات والثارات، التي عليها الاستعداد لتحمل عواقبها من جهة بقية القوميات؛ الهزارة والأوزبك والإيماق والتركمان وصولًا إلى الأقليتين السيخية والهندوسية، اللتين تسبب اضطهادهما بالتدخل الهندي في أفغانستان لتصفية حسابات لها مع باكستان، الداعم الرئيس لطالبان.  

طالبان التي اغتالت الزعيم الطاجيكي أحمد شاه مسعود في عام 2001 ، اغتالت، أيضًا، في عام 2011 الرئيس برهان الدين رباني، الطاجيكي، الذي استمرت رئاسته بين عام 1992- 1996. ولذلك فقد لعب التحالف الشمالي بزعامة الطاجيك دورًا مهمًا في الإطاحة بحكم طالبان عند الغزو الأمريكي.

وطالبان هي التي اغتالت زعيم قومية الهزارة عبد العلي مزاري في عام 1995. وهؤلاء هم من المسلمين الشيعة الاثنى عشرية. وبعضهم شيعة إسماعيلية. وقد تعرضوا للاضطهاد الطالباني كثيرًا. 

لهذه الأسباب مجتمعة يتوقع المحللون المعنيون بالشأن الأفغاني أن يستمر هذا الصراع الداخلي في أفغانستان طويلًا. ويُخشى أن ينزلق هذا الصراع المحدود إلى حروب أهلية غير منتهية.

 

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء