أجندة نُشر

الأحوال الجوية وانعكاساتها على سير العمليات العسكرية في أوكرانيا

عرب جورنال / أنس القباطي -
ستلقي الأحوال الجوية بتأثيرها السلبية على سير العمليات العسكرية في أوكرانيا مع قدوم فصل الشتاء القارس.

الأحوال الجوية وانعكاساتها على سير العمليات العسكرية في أوكرانيا

وتفيد الجهات المعنية بالطقس ان الثلوج بدأت بالتساقط في العاصمة الأوكرانية كييف، الخميس 17 نوفمبر/تشرين ثان 2022، بالتزامن مع تكثيف روسيا ضرباتها الجوية على العاصمة كييف ومدن اوكرانية أخرى، مستهدفة مرافق حيوية ابرزها محطات الكهرباء.

واظهرت صور من العاصمة الأوكرانية كييف الثلوج وهي تغطي السيارات المتوقفة، وتنتشر طبقات منها في الشوارع، ما يعني ان الحاجة ستصبح ماسة للتيار الكهربائي الذي اصبحت البلاد تعاني من عجز كبير في توليده بسبب خروج محطات التوليد عن الخدمة جراء الضربات الجوية الروسية. وتتعرض أوكرانيا منذ الثلاثاء 15 نوفمبر/تشرين ثان 2022 لعمليات قصف واسعة، وعلى اثرها حذر حاكم منطقة كييف، أوليكسي كوليبا، من أنّ الأيام القليلة القادمة ستكون صعبة، حيث يمكن أن تنخفض درجات الحرارة إلى أقل من 10 درجات مئوية.

وعلى اثر الضربات الروسية المتواصلة، أعلنت شركة الكهرباء الوطنية الاوكرانية Ukrenergo الخميس تمديد انقطاع التيار الكهربائي بسبب "تدهور الوضع"، ولفتت على حسابها في موقع فيسبوك إنه "بسبب البرد القارس، زاد استهلاك الكهرباء في البلاد"، مشيرة الى ان ذلك "زاد من تعقيد الوضع في النظام الكهربائي، بعدما كان صعباً بالفعل"، لافتة إلى انه تم فرض "قيود أوسع" على استهلاك الكهرباء في جميع أنحاء البلاد، وبينت أنّها اضطرت لذلك كإجراء ضروري للحفاظ على استقرار نظام الطاقة بعد الهجوم الصاروخي الروسي السادس الذي استهدف منشآت الطاقة، في إشارة إلى قصف الخميس. وكشف الرئيس الاوكراني، فولوديمير زيلينسكي، مساء الخميس، أن أكثر من 10 ملايين أوكراني حرموا من التيار الكهربائي.

ومع بدء فصل الشتاء واستمرار القصف الروسي فإن الحياة في اغلب المناطق الأوكرانية ستتعرض للشلل شبه التام، وستواجه حكومة زلينسكي وداعميها ازمة انسانية سيكون من الصعوبة بمكان معالجتها، كما سيؤثر تساقط الثلوج على العمليات العسكرية لطرفي الحرب، وهو ما ادركته روسيا مبكرا، ولأجل ذلك نفذت اكبر انسحاب لها منذ بدء عملياتها العسكرية، وهو الانسحاب من خيرسون إلى الضفة الشرقية لنهر دنيبر، لأن النهر سيتغطى بطبقة من الجليد، وستكون عازلا للتواصل بين القوات على ضفتي النهر.

ومع الوضع الكارثي الذي بات يهدد اوكرانيا وسيلقي بتبعاته على داعميها الغربيين، نظرا لموجة النزوح التي ستتجه إلى أوروبا التي ستعاني كثيرا في فصل الشتاء البارد، اقدمت دول داعمة لاوكرانيا على تمرير قرار عبر مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الخميس، يدعو روسيا للانسحاب "فوراً" من محطة زاباروجيا ووقف جميع أعمالها ضد المواقع النووية الأوكرانية، وتضمن القرار الذي قدمته كندا وفنلندا بدعم امريكي اوربي دعوة روسيا للانسحاب "الفوري" من محطة زاباروجيا للطاقة النووية؛ الواقعة جنوب أوكرانيا، وجاء في نص القرار الذي أيدته 24 دولة أن "(مجلس المحافظين) يعرب عن قلقه البالغ من أن الاتحاد الروسي لم يستجب لنداءات المجلس بالوقف الفوري لجميع الإجراءات ضد المنشآت النووية في أوكرانيا، وتطالب الاتحاد الروسي بفعل ذلك على الفور، وصوتت روسيا والصين ضد القرار، فيما امتنعت كلا من كينيا وناميبيا والهند وباكستان والسعودية وجنوب إفريقيا وفيتنام عن التصويت. ويهدف هذا القرار الضغط على روسيا لتوقف القصف الجوي على المناطق الأوكرانية، وتحديدا تلك الضربات التي تستهدف محطات توليد الطاقة الكهربائية، ومخازن الوقود، كون استمرار القصف سيؤدي الى شل الحياة في اوكرانيا، وما سيكون له من تبعات سلبية على العمليات العسكرية كون القصف ادى الى تعطيل طرقات الامداد أيضا، عوضا عن ان انعدام الكهرباء سيؤدي إلى موجات نزوح جماعي باتجاه الدول الأوروبية، والتي تعاني هي الأخرى من أزمة طاقة، وستزيد موجات النزوح من تأزيم الوضع.

وعقب قرار وكالة الطاقة الذرية توالت التصريحات الداعمة للقرار من الدول الغربية بهدف تشكيل ضغوط على روسيا، وفي هذا السياق قال جوزيب بوريل منسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، الخميس إن السلام في أوكرانيا لن يكون ممكناً إلا بعد سحب روسيا قواتها، مشيرا إلى أن موسكو لم تُبدِ أي علامات على استعدادها لذلك، مبديا خشيته من أن روسيا ليست مستعدة للانسحاب، وطالما لم تنسحب فلن يكون السلام ممكناً، موضحا ان روسيا هي التي يتعين عليها جعل السلام ممكناً، كونها المعتدي الذي ينبغي عليه أن ينسحب إذا أراد سلاماً مستداماً. وهنا يتضح ان الغرب بداوا بالحديث عن السلام في اوكرانيا، لكن روسيا كما يبدو تدرك ان هذا الحديث ليس أكثر من محاولة لاستغلال الوقت لتجاوز اشكاليات الشتاء، ولذلك تواصل حملتها الجوية ضد أهداف حيوية، خاصة في مدن الغرب الأوكراني.
ومن حيث تأثير المناخ على العمليات العسكرية سنجد ان الأمطار التي تهطل خلال فصلي الخريف والربيع تحول الأرض في روسيا وأوكرانيا إلى وحول تصعب الحركة عليها، وتقتصر الحركة على الطرق الإسفلتية، وهو ما يصعب حركة الآليات العسكرية نظرا لرخاوة التربة، وفي الشتاء تتجمد الأرض جراء سقوط الثلوج، وهو ما يساعد الآليات العسكرية الثقيلة على الحركة، أما في فصل الصيف تكون الارض قد جفت وأصبحت متماسكة، ما يسهل من حركة العربات العسكرية المختلفة وتنفيذ عمليات عسكرية أوسع. وهنا يمكن لروسيا مثلا ان تشن عملية عسكرية واسعة باتجاه خاركوف التي انسحبت منها، وذلك مع حلول شهر ديسمبر/كانون أول القادم، مستفيدة من عامل الطقس الذي يؤدي إلى تحجر الأرض بفعل الثلوج.

واذا ما عدنا لموضوع الضربات الروسية المكثفة على محطات توليد الكهرباء سنجد ان الكهرباء انقطعت في العديد من مدن أوكرانيا، خصوصا كييف وخاركوف وجيتومير ولفوف وريفني وخميلنيتسكي وسومي، وحتى أوديسا، وهو ما يجعل الوضع حرجا في وجه حكومة زلينسكي، وخلال الأيام العشر الأخيرة من شهر نوفمبر/تشرين ثان الجاري ستنخفض درجات الحرارة في مدن الشمال والغرب الأوكراني إلى ما دون الصفر، وهو ما يعني زيادة الحاجة للكهرباء لغرض التدفئة، كما ان المياه ستتجمد في الأنابيب ما قد يؤدي إلى انفجار كثير منها، وفي ظل غياب الصيانة نتيجة حدة القصف وشل الحياة، ستصبح الحياة صعبة في تلك المناطق ، خاصة الحضرية منها، وهنا ستبدأ موجات النزوح باتجاه الدول المجاورة، وهذه الموجات تعني هجرة ملايين من البشر، ما سيضيف أعباء كبيرة على دول اللجوء، ولن يكون بامكان السلطات الأوكرانية وضع معالجات توقف موجات النزوح، او حتى نقل النازحين إلى الحدود، نظرا لحجم الدمار الذي لحق بالجسور والطرقات وسكك الحديد، بسبب الضربات الروسية.

اما بالنسبة لما حصل في خيرسون من انسحاب للقوات الروسية، فبالنظر إلى عرض نهر دنيبر الذي يتراوح بين 500 و 800 م، ونظرا لأن الضفة الغربية (اليمنى) للنهر أكثر ارتفاعا من الشرقية (اليسرى) فإن التقدم من الشرق إلى الغرب يعد بمثابة اقتحام قلعة بجدران عالية، وبالتالي فإن انسحاب القوات الروسية إلى الضفة الشرقية، يعني ان اي عملية عسكرية روسية مستقبلا ستكون صعبة، كون خسارة مدينة خيرسون هو خسارة لنقطة الانطلاق التي يمكن من خلالها لشن هجوم على مدينة أوديسا الساحلية، وبالتالي فإن ضغط القوات الروسية على أوديسا لم يعد ممكنًا، كما ان القوات الروسية بهذا الانسحاب تكون قد فقدت فرصة التقدم السريع إلى ترانسنيستريا لعزل أوكرانيا عن البحر، وهو ما يراه المحلل الروسي ألكسندر نازاروف، لكن بقاء القوات الروسية على الضفة الغربية من النهر خلال الشتاء يعني عزلها عن القوات في الضفة الغربية بسبب تجمد مياه النهر وبالتالي توقف الامدادات، ولهذا يبدو ان القيادة الروسية فضلت الانسحاب على الخسائر الكبيرة المتوقعة، وهو ما سيجعل الصراع حاليا منحصرا على الضفة الشرقية لنهر دنيبر كون السيطرة عليها من قبل القوات الروسية يعني ابقاء مدن زابوروجي وخاركوف وسومي وبولتافا تحت السيطرة او التهديد، وفي حال كانت الظروف مواتية سيكون أمامها فرصة لعبور النهر ولكن ليس إلى الضفة الغربية وإنما باتجاه المنبع، مستفيدة من ضيق عرض النهر في هذا الاتجاه. غير ان تقدم القوات الأوكرانية باتجاه الضفة الشرقية يعني اجبار القوات الروسية على انسحاب اكثر مهانة وفقدان السيطرة على مدن هامة، في حين ان الانسحاب سيكون إلى العمق الروسي، ما يعني سيطرة القوات الأوكرانية على مساحة واسعة من الأرض، لكن الأحوال الجوية ستعيق امداد القوات الأوكرانية نظرا لتجمد مياه النهر بين الصفتين خلال الشتاء، وهو ما يعني صعوبة شن أي هجوم.

ومما سبق يتضح ان مشكلة القوات الروسية في خيرسون مرتبطة بالطقس اكثر من ارتباطها بالقدرة على القتال، فالامدادات ستصبح صعبة مع تجمد مياه نهر دنيبر، والانسحاب لاحقا من الضفة الغربية سيكون فيه مصاعب وسيؤدي إلى خسائر بشرية ومادية، ومع كل ذلك فإن خسارة روسيا لخيرسون تعد بمثابة هزيمة معنوية وعسكرية كبيرة، لأنها ببساطة تعني خسارة القدرة على مهاجمة أوديسا، وبالتالي تحافظ اوكرانيا على منفذ إلى البحر الأسود.

ورغم تلك الخسارة؛ إلا أن المحلل الروسي ألكسندر نازاروف يرى انه يجب ألا ننسى أن لروسيا عمقًا استراتيجيًا استثنائيًا، يمكنها تحريك خط المواجهة لألف كم دون المساومة على البقاء حتى في حرب محتملة مع الناتو، موضحا ان الألمان في الحرب العالمية الثانية وصلوا إلى موسكو وستالينجراد على نهر الفولغا، ومع ذلك انتصر الروس، مبينا ان تعبئة القوات الروسية ستزيد بحلول ديسمبر/كانون أول ويناير/كانون ثان القادمين، والهجمات الروسية على البنية التحتية ستشل أوكرانيا، في وقت ستكون فيه أوروبا مشغولة بأزمة الطاقة الخاصة بها، وعندها ستكون روسيا قادرة على العمل.
وفي الجغرافيا العسكرية يكون لعناصر المناخ دور ريادي في نجاح أو فشل بعض العمليات العسكرية، ولهذا فإن من يقاتل وهو يجهل اهمية دور المناخ في العمليات العسكرية كمن يطلق النار على قدميه، والاحوال الجوية في العمليات العسكرية لاتحدد متى واين يكون الهجوم الناجح فحسب، وإنما متى واين يكون الموقف العسكري دفاعياً. والروس اكثر من يولي عوامل المناخ أهمية في عملياتهم العسكرية، فقد افشلوا حملة نابليون بونابرت على بلادهم في القرن التاسع عشر وكرروا نفس الشيء مع الهجوم الالماني الهتلري خلال الحرب العالمية الثانية، مستفيدين من الظروف الجوية. وفي هذا الجانب يعد فصل الشتاء جندي روسيا المرعب الذي دحر نابليون وهتلر.

وسبق للروس ان استخدموا خيار الأرض المحروقة والانسحابات التكتيكية لمواجهة قوات نابليون بونابرت التي كانت تتفوق على قواتهم، فكانوا يعمدون إلى إحراق المدن والمحاصيل الزراعية قبل وصول قوات نابليون، ثم ينسحبون محافظين على قواتهم، وتمكن نابليون من دخول موسكو في 14 سبتمبر/أيلول 1812، لكن الروس لم يذهبوا للتفاوض معه بهدف ابرام صفقة سلام، وانما ظلوا يقاومون هنا وهناك، ولم يمنحوا جيش نابليون فرصة المواجهة المباشرة، إلى أن اقترب فصل الشتاء، وهنا أصبح جيش نابليون بين فكي كماشة الثلوج والجليد من جهة، ونيران المقاومة الروسية التي تلاحقه باستمرار حارمة إياه من المحاصيل والمؤن. واضطر نابليون وجيشه للانسحاب التدريجي، وظل الجيش الروسي يتعقبهم بحرب استنزاف وحرائق شاملة دون الدخول في معركة مباشرة، إلى أن وصل جيش نابليون إلى نهر بريزينا، وحينها اعتبر المارشال ميخائيل كوتوزوف قائد الجيش الروسي أن الوقت حان للإجهاز على جيش نابليون فكبّدهم خسائر فادحة، فأضطر نابليون لمواصلة انسحابه ووصل إلى شرق ليتوانيا، وهناك ولى نابليون احد قادته على جيشه وعاد نحو باريس لمنع حدوث انقلاب ضد حكمه، لكن جيشه تقهقر، ووصل الجيش الروسي إلى الحدود الفرنسية، وهناك أبرم صلح بشروط روسية بعد ان فقد نابليون عرشه.

وتكرر الأمر مع جيش هتلر، فعندنا كانت قواته في ديسمبر/كانون اول 1941 على بعد 30 كم تقريبا من موسكو، كانت الخطط جاهزة للهجوم على المدينة ومحاصرتها من جميع الجهات، ثم إسقاطها، لكن درجة الحرارة انخفضت من حوالي 5 درجات، إلى ما دون 30 درجة تحت الصفر، وهو ما غير مسار المعركة، فكان التراجع مئات الكيلومترات أمرا حتميا مع ما يكلفه ذلك من خسائر، وبذلك وقع جيش هتلر بين فكي الكماشة؛ الجيش السوفياتي من جهة، والبرد والجوع والقمل من جهة ثانية.

ومما ينبغي الاشارة إليه أن الطقس يؤثر بشكل كبير في العمليات العسكرية في شرق أوروبا بشكل عام، حيث تواجه الجيوش عادة في المنطقة ظاهرة طبيعية تسمى “راسبوتيتسا”، وهي ظاهرة فتاكة تحدث في نهاية فصل الشتاء، حين يذوب الجليد، وتتحوّل الأرض إلى بحر من الأوحال، فتصعب الحركة والتقدم والتراجع، ويتحوّل الموقف إلى فخ طبيعي للجيوش الغازية. وبالتالي تشكل هذه الظاهرة جدارا واقيا لروسيا من الجانب الغربي في نهاية كل فصل شتاء.

وهنا ينبغي الاشارة إلى ان الجيشين الروسي والاوكراني اللذان يخوضان معركة اليوم هما أبناء بيئة واحدة، ويجيدا التعامل مع بيئتهما، غير ان ما يجدر التنبه له مدى استفادة كل طرف من العوامل الجوية في بيئة المعركة وتوظيفها لمصلحته، وهنا يمكننا القول ان التدخل الغربي خاصة الأمريكي في توجيه عمليات الجيش الأوكراني قد يكون نقطة ضعف ان احسنت موسكو استغلالها وتوظيفها.

 

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء