أجندة نُشر

الحرب الأوكرانية تعمق مشاكل أوروبا الاقتصادية

عرب جورنال / أنس القباطي -
يتعرض الاقتصاد الدولي لاسوء كارثة في تاريخه منذ الحرب العالمية الثانية، جراء استمرار الحرب الروسية الاوكرانية للشهر التاسع على التوالي، والتي أدت إلى توالد مشاكل اقتصادية ارهقت الاقتصاديات الكبرى في العالم.

الحرب الأوكرانية تعمق مشاكل أوروبا الاقتصادية

واذا ما تتبعنا تأثيرات الحرب الأوكرانية على الاقتصاديات الدولية، وعلى وجه الخصوص الغربية منها، بعد 8 أشهر من الحرب، سنجد ان الضرر اصبح كبيرا في اوروبا، لكن لا يعني ذلك أن امربكا اصبحت بمنأى عن ذلك.

ومؤخرا اعترف الرئيس الأمريكي جو بايدن أن إدارته لا تستطيع ضمان القدرة على التخلص من التضخم. وهذا الاعتراف يعني ان الاقتصاد الأمريكي سيعاني على اقل تقدير خلال الشهرين الأخيرين من العام الجاري. وقبلها لفت بايدن إلى ان أولوية الجمهوريين في الكونغرس هي إلغاء قانون خفض التضخم، محذرا من ان إلغاء القانون سيؤدي لارتفاع التكاليف اليومية، ونحى بما تعانيه بلاده الى ما سماها بوراثة فوضى كبيرة بعد إدارة ترامب، مبينا ان ادارته تمكنت من إعادة بناء الاقتصاد من الأسفل إلى الأعلى. ومن حديث بايدن يتضح ان وضع الاقتصاد الامريكي غير مطمئن، فالسياسات الاقتصادية محل خلاف بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وبالتالي فإن ما حققه الجمهوريين من نتائج متقدمة في الانتخابات النصفية ستؤدي إلى وقف سياسات اقتصادية كانت ادارة بايدن قد بدات العمل بها لمنع مزيد من التأثيرات على الاقتصاد الامريكي نتيجة حرب اوكرانيا، وأبرزها قانون خفض التضخم، الذي فتح الباب على مصراعيه لنشوب حرب تجارية بين أمريكا واوروبا، كون هذا القانون سيعمل على استقطاب رؤوس الأموال الاوروبية إلى امريكا، في ظل تدهور تعيشه اقتصاديات دول الاتحاد الأوروبي.

وفي اوروبا بدا الوضع أكثر من سيء مع دخول فصل الشتاء، حيث بدأ نذير الاحتجاجات الشعبية يطل برأسه من اليونان، فقد خرجت تظاهرة حاشدة الخميس 10 نوفمبر/تشرين ثان 2022 في العاصمة صوفيا، احتجاجاً على غلاء الأسعار، يأتي ذلك رغم إعلان الحكومة اليونانية عن حزمة مساعدات بقيمة 5.5 مليار يورو لخفض التضخم ومساعدة ذوي الدخل المحدود، مظاهرات اليونان مؤشر على ان غليانا ستشهده دول الاتحاد الاوروبي خلال فصل الشتاء البارد، فتظاهرات الخميس في اليونان وصلت حد اطلاق المتظاهرين الغاضبين قنابل حارقة عل قوات الشرطة، والتي ردت بإطلاق غاز مسيل للدموع لتفريق المحتجين الغاضبين.

وفي العاصمة الفرنسية، باريس، شل الاضراب الذي نفذه موظفي القطاع العام الخميس 10 نوفمبر/تشرين ثان 2022 مرافق حيوية، وجاء الاضراب على خلفية رفض الحكومة وارباب العمل بزيادة الرواتب تماشياً مع التضخم وغلاء الأسعار الذي تشهده البلاد، نتيجة الحرب الاوكرانية.


وشهدت ألمانيا السبت 12 نوفمبر/تشرين ثان 2022 احتجاجات شارك فيها الآلاف تنديدا بارتفاع أسعار الطاقة وغلاء تكاليف المعيشة، مطالبين بفرض ضرائب إضافية على الشركات الكبرى المستفيدة من أزمة الطاقة وزيادة الرواتب ووضع سقف للأسعار.

وفي اوكرانيا تشير البيانات الاقتصادية الرسمية ان اقتصاد البلاد سينكمش خلال العام الجاري بنسبة 39%، نتيجة الدمار الذي تسببت به الضربات الروسية على مرافق البنية التحتية في البلاد، والتي ما تزال مستمرة، ويبدو انها ستكثف مع بدء فصل الشتاء لشل الحركة في البلاد. ومن الناحية المناخية فإن درجات الحرارة في العاصمة كييف ستكون أقل من التجمد اعتبارًا من بداية النصف الثاني من نوفمبر/تشرين ثان الجاري، وفي حال شنت القوات الروسية موجة من الضربات على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا، فإن ذلك سيؤدي الى شلل شبه تام في العاصمة كييف، وهو ما قد يؤدي الى موجة نزوح جماعي للسكان بحثا عن التدفئة في شتاء قارس.

المصاعب الاقتصادية التي تواجهها الاقتصاديات الأوروبية نتيجة الحرب الاوكرانية خلال فصل الشتاء الذي بدأ يدق الابواب ستؤدي الى خلافات داخل دول الاتحاد الاوروبي، خاصة في الجانب المصرفي والمالي، وهو ما كان قد كشفه مصرف "دويتشه بنك" وهو مصرف ألماني؛ عندما أكد وجود خلاف مع البنك المركزي الأوروبي بسبب تدخلاته في أعمال البنوك الأوروبية، خاصة في أعمال التمويل. كما طالب مؤخرا بنك "كوميرتس" وهو ثاني أكبر مصرف تجاري في ألمانيا، طالب المركزي الأوروبي بالأخذ في الحسبان البيئة الصعبة التي يواجهها عملاء البنوك وسط التضخم، وفقا لما نشرته وكالة بلومبيرغ الامريكية. وظهور مثل هذه الخلافات ستؤدي الى اربكاك الخطط التي وضعتها الحكومات بسبب التضارب مع خطط البنك المركزي الاوروبي، ما سيكون بداية لضعضعة دور الاتحاد الاوروبي واضعاف تماسكه الداخلي.
وفيما يخص إمدادات الغذاء العالمي، فالمتوقع حصول ازمة جديدة تؤدي الى ارتفاع اسعار القمح والتي ستنعكس سلبا على أسعار منتجات غذائية أخرى. فروسيا لا تزال تشترط إزالة عراقيل صادراتها مقابل تمديد اتفاق البحر الأسود للحبوب الموقّع في مدينة إسطنبول التركية، وبالتالي فإن عدم التوصل الى اتفاق خلال النصف الأول من شهر نوفمبر/تشرين ثان الجاري، سيؤدي إلى حصول أزمة غذاء عالمي جديدة، ما يعني تعميق ازمات الدول النامية المعتمدة على الفمح المستورد من روسيا واوكرانيا، وهو ما كانت قد حذرت منه دولة الكونغو الأفريقية، والتي قالت إن القمح الأوكراني يتم إرساله إلى موانئ أوروبا، وليس لموانئ الدول التي قالوا إنها تعاني من المجاعات، مؤكدةً ان "هناك الكثير من النفاق في عالمنا". وهذا الطرح يؤكد الطرح الروسي قبل شهرين. وبالتالي فإن استحواذ اوروبا على شحنات القمح الاوكراني سيضر بسمعة دول الاتحاد الاوروبي، وسيؤدي إلى تفاقم مشاكل الجوع في الدول النامية.

وفي سياق مرتبط بالعقوبات والقيود التي تسببت بها الازمة والحرب الاوكرانية على الاقتصاد الدولي، طالبت الصين، الولايات المتحدة الامريكية بوقف استخدام القضايا التجارية سلاحاً واتخاذ خطوات ملموسة لحماية مبدأ اقتصاد السوق. ومن شان ذلك ان يؤدي إلى تصاعد الازمة بين بكين وواشنطن، على خلفية ازمة تايوان. وفي اوكرانيا اعلن مستثمرون صينيون رفضهم تأميم أصولهم في أوكرانيا، واتهمت شركة Beijing Skyrizon الصينية التي تستثمر في شركة "موتور سيتش" الأوكرانية، اتهمت النظام الاوكراني بتسييس السلوك التجاري العادي، مؤكدة ان المستثمرين الصينيين لن يتخلوا عن حقوقهم، بحسب ما أوردته وكالة نوفوستي. وفي حال اقدمت كييف على تأميم الأصول الصينية فإن ذلك نذير بانسحاب الاستثمارات الصينية من اوكرانيا، وهو ما سيضاعف من مشاكل الاقتصاد الاوكراني المهدد بالانهيار.

وفي لندن، اكد التقرير السنوي الصادر عن هيئة إنفاذ العقوبات المالية البريطانية (OFSI)، أن السلطات البريطانية استولت على أصول روسية ضخمة تصل قيمتها إلى أكثر من 18 مليار جنيه إسترليني، وذلك منذ نهاية فبراير/شباط 2022، وهذه الخطوات لن تقتصر على بريطانيا وستقدم عليها دول أخرى، وهو ما سيؤدي إلى تباعد الهوة بين روسيا والغرب، ما يعني ان كل طرف سيتجه إلى البحث عن اسواق جديدة، ما يرفع منسوب مستوى الاستقطاب للدول الخارجة عن الصراع، خاصة في قارة آسيا، وهو ما سيبشر بولادة نظام عالمي متنافر اقتصاديا.

وفي الشهر التاسع من الحرب الاوكرانية بدأ واضحا ارتفاع خسائر الاقتصاد الدولي، خاصة الشركات التي تعمل في روسيا واوكرانيا، فشركة "مازدا" اليابانية للسيارات أوقفت أنشطتها في روسيا، وقررت بيع حصتها في مشروع في فلاديفوستوك لشركة Sollers Auto (الشريكة في المشروع) مقابل يورو واحد فقط، وهو ما يعني تكبد شركة مازدا خسائر بقيمة 82 مليون دولار.

وعلى صعيد مستجدات تأثير الحرب الأوكرانية على سوق الطاقة العالمي، فإن دول الاتحاد الأوروبي ستواجه نقصاً في وقود الديزل، حيث ستنخفض مخزوناته في شمال غرب أوروبا مع بداية الربيع إلى أدنى حد منذ 12 عاما بحسب وكالة بلومبيرغ الامريكية، وهو ما سيكون له أثرا سلبيا على الانتاج الصناعي في القارة، وما سيترتب عليه من تداعيات كتسريح المصانع لبعض طواقمها العمالية.

وعلى صعيد أزمة الغاز المستفحلة في قارة أوروبا، فإن الازمة ستزيد استفحالا في الشتاء الحالي الذي تزداد فيه الحاجة للغاز، خاصة في ظل غياب البديل المناسب للغاز الروسي بعد تفجير أنابيب مشروعي سيل الشمال في 26 سبتمبر/أيلول 2022، حيث كانت أوروبا تحاول تخزين اكبر قدر ممكن من الغاز الذي ينقل عبر هذه الأنابيب، وهو ما تؤكده تقديرات شركة الاستشارات "ريستاد إنرجي"، والتي اكدت ارتفاع واردات أوروبا من الغاز المسال الروسي خلال العام الحاري بنسبة 20% في الفترة (مارس/آذار - أكتوبر/تشرين أول 2022) مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.

وفي الوقت الذي تعاني فيه أوروبا من ازمة غاز حادة، سجلت بيانات مخزونات الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة الأمريكية قراءة إيجابية بارتفاع المخزونات بمقدار 79 مليار متر مكعب بداية نوفمبر/تشرين ثان الجاري، أي أقل من توقعات سابقة عند 92 مليار متر مكعب، مع ارتفاع أسعار عقود الغاز بنسبة 3.09% عند 6.04 دولار لكل مليون وحدة حرارية. وهو ما يعني ان الغاز الأمريكي هو البديل الوحيد للغاز الروسي في اوروبا، لكن بأسعار مضاعفة كثيرا، وهو ما أثار الحنق الاوروبي من الحليف الأمريكي، الذي أصبح يستغل الحاجة الأوروبية لتحقيق المزيد من المكاسب.
وفيما الضرر الاكبر من الحرب الأوكرانية تدفعه أوروبا، وتستفيد منه أمريكا، ما تزال روسيا أقل ضررا من اوروبا رغم العقوبات الاقتصادية القاسية المفروضة عليها، حيث نجحت في البحث عن أسواق جديدة، وتقول وكالة بلومبيرغ الامريكية ان الغاز الطبيعي المسال من مشروع "سخالين1" الروسي لم يعد يُباع بخصومات وبأسعار رخيصة في قارة آسيا، ما يشير إلى تراجع مخاوف المشترين بشأن العقوبات الغربية، وكشفت بيع 3 شحنات غاز مسال بداية نوفمبر/تشرين ثان الجاري، وسيتم تحميلها في ديسمبر/كانون أول القادم بأسعار قريبة من أسعار السوق الحالية. ومع تدفق الغاز الروسي صوب آسيا، وتحديدا الصين، فقد ساعد ذلك في تخزين كميات كبيرة من قبل الشركات الصناعية، وهو ما سيؤدي إلى تراجع الطلب عليه مستقبلا، ومن شأن ذلك التأثير سلبا على الاقتصاد الروسي، وتوقعت شركة "تشاينا ناشيونال أوفشور أويل كورب" الحكومية، وهي أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في الصين؛ هبوط الطلب على الغاز المسال لأدنى مستوى له منذ 40 عاما، إلى 364 مليار متر مكعب بتراجع 1% عن العام الماضي، مع ارتفاع الأسعار العالمية، وفقا لوكالة بلومبيرغ الأمريكية.

المخاوف لدى دول أوروبا الشرقية التي أيدت قرار العقوبات الاقتصادية على روسيا، تزداد مع تقليص موسكو لحصص الغاز، ومؤخرا اتهمت مولدوفا شركة "غازبروم" الروسية بتقليص إمدادات الغاز، معتبرة ان ذلك قرار سياسي، لافتة إلى أنها كانت تدفع دائماً مقابل استهلاكها، موضحة ان الشركة الروسية خفضت حجم إمدادات الغاز لمولدوفا إلى النصف.

ومع ادراك روسيا حاجة أوروبا للغاز الروسي، والذي تتهم باستخدامه كسلاح حرب، طرحت موسكو مبادرات خاصة بإمدادات الطاقة في اجتماع لقادة مجموعة العشرين، تضمنت زيادة التعاون في مجال الغاز مع تركيا، وهو ما يعني تحويل تركيا الى وكيل للغاز الروسي في أوروبا، وبالتالي تصبح أنقرة وصيا على اوروبا في مجال الطاقة، في ظل الحاجة له مع ارتفاع أسعار الغاز الأمربكي.

وفي ظل أزمة الطاقة الحالية التي تعاني منها أوروبا تسعى الدول المنتجة للطاقة لتطوير مشاريع الانتاج لدعم اقتصادياتها، وفي هذا السياق اعلنت كازاخستان بدء ضخ شحنات النفط عبر خط أنابيب "باكو - تبليسي - جيهان" اعتباراً من مطلع يناير 2023، وهنا تكون الحكومة الأوزبكية قد استفادت من الحاجة للطاقة، في ظل تخفيض منظمة أوبك بلاس لانتاجها، والذي أثر على السعر الدولي للنفط، وهو ما أدى إلى مزيد من المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد الأوروبي.

ومما سبق يتضح ان الأزمات الاقتصادية الدولية ستستفحل مع استمرار الحرب الأوكرانية، والوضع الحالي بات بحاجة ماسة لمعالجات واقعية، وابرز هذه المعالجات تتمثل في القرار السياسي الذي يعيد النظر في دعم الحرب ومراجعة العقوبات الاقتصادية ضد روسيا من قبل أوربا على اعتبار أنها الأكثر تضررا من استمرار الحرب، وبدون ذلك ستظل الأزمات تتوالد حتى تصل إلى مرحلة يصعب معها وضع المعالجات.

 

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء