أجندة نُشر

من المستفيد والخاسر من تفجيرات انابيب غاز سيل الشمال ..؟

عرب جورنال / أنس القباطي -
تعد التفجيرات التي تعرضت لها انابيب مشروعي سيل الشمال علامة فارقة في مسار الصراع القائم بين روسيا والغرب، وولوجا إلى مرحلة جديدة من حرب الاستنزاف التي فرضتها تداعيات الحرب الاوكرانية المستمرة للشهر السابع.

من المستفيد والخاسر من تفجيرات انابيب غاز سيل الشمال ..؟

وأعلن الأثنين 26 سبتمبر/ايلول 2022 توقف ضخ الغاز الروسي إلى اوروبا، بسبب أعمال تخريب تعرضت لها انابيب نقل الغاز. واكد مشغل انابيب "السيل الشمالي" انخفاض الضغط في خط الأنابيب "السيل الشمالي1". وفي نفس اليوم تم الإعلان عن انخفاض الضغط أيضا في انابيل "السيل الشمالي2"، وهو مسار جاهز لضخ الغاز، لكنه توقف بسبب تخلي ألمانيا عن المشروع. واكد علماء الزلازل في مملكة السويد وقوع انفجارين يوم الاثنين على مسار خطوط الأنابيب التي تمتد من روسيا إلى ألمانيا عبر قاع بحر البلطيق، وتمر بالمياه الاقتصادية للدنمارك وفنلندا والسويد. وتفيد المعلومات المتداولة حتى الآن أن الأعطال وقعت قرب جزيرة بورنهولم الدنماركية.

ويعد هذا الحدث منعطف جديد في الصراع الروسي الغربي، الذي تصاعد على ذمة الحرب الأوكرانية. ولا تزال أسباب الانفجارات التي تعرضت لها الأنابيب غامضة، وسط اتهامات متبادلة بين الطرفين. لكن ما حصل يعد مؤشر على ان من يقف خلف العملية يسعى لقطع امدادات الغاز الروسي عن اوروبا، وهو ما يعني خلق قطيعة بين روسيا وأوروبا، وبالتالي تحويل واردات الغاز الاوروبية إلى مسار أخر.

تقول صحيفة “الجارديان” البريطانية أنه لا يمكن التأكيد بأن عملية التخريب متعمدة. موضحة ان الانفجارات حدثت تحت الماء في بحر البلطيق قرب المياه الإقليمية التي يبلغ طولها 12 ميلًا في بورنهولم الدنمركية. وفى الوقت الذي لمحت فيه جهات غربية إلى مسؤولية روسيا عن الحادث لوقوع التسرب قرب دولة تسعى للانضمام إلى حلف الناتو، لكن تحليل الجارديان يرى ان ما حدث من الناحية العملية يشكك في ذلك الاحتمال. مبينة انه لم يتضح على الفور كيف كان سيتم تنفيذ أي هجوم. منوهة إلى أنه كان من المفترض اكتشاف غواصة تستهدف خطوط الأنابيب في المياه الضحلة نسبيًا في بحر البلطيق، حيث نادرًا ما تتجاوز الأعماق 100 متر، لكن لم يرد ذكر لغواصات من الدول التي تحقق في الحوادث. لافتة الى أن منطقة البلطيق ليست المكان المناسب لنشر غواصات لوشاريك في المياه العميقة، والتي يمكن أن ينشرها الروس لقطع كابلات الاتصالات التي تمتد في أعماق المحيط الأطلنطي، حيث يبلغ متوسط عمق المياه أكثر من 3500 متر. ونقلت الصحيفة عن مصدر عسكري بريطاني تكهنه باحتمال أن تكون الألغام قد زرعت سرا من سفينة تجارية مقنعة وتم تفجيرها بعد أيام أو أسابيع، مشيرا الى ان هذه عملية يجب إجراؤها ببعض العناية، ولكن ليس بموارد عسكرية متخصصة بشكل خاص.

وتفيد وسائل اعلام غربية أن الانفجارات ستؤثر على الأصول المملوكة لروسيا، على اعتبار أن خط أنابيب السيل الشمالي1 بين روسيا وألمانيا مملوك بنسبة 51٪ لشركة غازبروم الروسية، في حين أن الخط الثاني مملوك لشركة سويسرية تابعة لنفس الشركة. ومن الناحية الفنية فإن انابيب هذا الخط صممت لتكون قاسية، فكل قسم من خط الأنابيب يحتوي على غلاف فولاذي بسمك 27 إلى 41 ملم، وهو بدوره محاط بطلاء خرساني من 60 إلى 110 ملم، وهو ما يثير تساؤلات حول دقة التفجير بحسب الجارديان، خاصة وان قوة أحد الانفجارات بلغت 2.3 درجة على مقياس ريختر، بحسب وصف خبراء دنماركيون، وهو ما يعني أنه يتماشى مع قنبلة قوية من الحرب العالمية الثانية. وبالتالي فهي ليست حادثة تافهة تمامًا.

من جانب أخر أفادت تقارير صحفية روسية أن البحرية الأمريكية اجرت في يونيو/حزيران 2022 مناورات عسكرية في المياه الاقليمية الدنماركية، ركزت على التعامل مع الألغام، بمساعدة مركبات غير مأهولة تحت الماء، في ذات المكان الذي تمر منه الأنابيب، وهو تلميح إلى اتهام الولايات المتحدة الأمريكية بالوقوف خلف التفجيرات. ويدعم هذا التلميح ما نشره عضو البرلمان الأوروبي البولندي رادوسلاف سيكورسكي، الذى قال على حسابه في موقع التدوينات المصغرة "تويتر": “شكرا للولايات المتحدة". مبديا سعادته بـ “شلل” خط الأنابيب الذي حاربت ضده الحكومات البولندية لمدة 20 عاما”، وقال: “الخط مشلول في ثلاث أرباعه وهذا أمر جيد لبولندا”. وفي الوقت الذي تم فيه تعطيل خطي الأنابيب، اعلن عن إطلاق خط أنابيب غاز البلطيق، لنقل الغاز النرويجي إلى بولندا عبر الدنمارك. وهذا الأمر يضع بولندا في مقدمة المشتبه في ارتكابهم أعمال تخريب.

من جانبه دعا الاتحاد الأوروبي إلى اجراء تحقيق حول الحادثة. وقال مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل أن الاتحاد يعتبر أن التخريب “ليس مصادفة” وأن ثمة مؤشرات على أنه “عمل متعمد”. ودعا إلى إجراء تحقيق.

ويورد الخبير في شؤون الطاقة بوريس مارتسينكيفيتش تفاصيل حول الخسائر وطبيعة ما حصل، ويؤكد أن ما تعرضت له خطوط أنابيب "السيل الشمالي" هي أعمال تخريبية، موضحا ان تسرب الغاز حدث على 3 أنابيب في وقت واحد. معتبرا أن أعمال الصيانة لأماكن تسرب الغاز في الأنابيب الثلاثة مكلفة للغاية، وستستغرق وقتا طويلا، نظرا لوقوع الأنابيب في قاع بحر البلطيق، فضلا عن أن الأعمال تتطلب خبراء رفيعي المستوى. وبين مارتسينكيفيتش، إن الأنابيب تحتوي على غاز بقيمة تصل إلى نحو ملياري دولار، وفي حال اتخاذ قرار بخفض الضغط في الأنابيب لإجراء الصيانة فإن الأنابيب ستمتلىء بمياه البحر، وهو ما سيعقد ويزيد تكلفة أعمال الصيانة. لكنه لفت إلى أن مواصلة ضخ الغاز في الأنابيب للحفاظ على الضغط ومنع دخول المياه إليها سيترتب عليه تكاليف إضافية كون الغاز يتسرب. وقال: يمكن التأكيد أنه تمت خسارة ملياري دولار، وهي موجودة على شكل غاز في الأنابيب. واعتبر أن تعطل الأنبوبين يصب في مصلحة اوكرانيا،  كون إمدادات الغاز من روسيا إلى أوروبا ستنحصر عبر الأراضي الأوكرانية. مستبعدا أن تقف روسيا أو "غازبروم" وراء الحادثة نظرا لأعمال الصيانة المكلفة. ويؤكد محلل النفط والغاز وصناعة البتروكيماويات، ألكسندر سوبكو، ما قاله مارتسينكيفيتش، من ان قيمة تسرب غاز تصل إلى ملياري دولار من "السيل الشمالي". مبينا أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان يجب إخراج كل الغاز من خطوط الأنابيب، لكنه أقر بأن الأنابيب ستحتاج إلى الضغط لإبقاء المياه خارجها، وهو ما يعني أن الغاز سيحتاج إلى الضخ باستمرار، وبالتالي سيستمر في الارتفاع إلى سطح البحر.

ورغم أن مارتسينكيفيتش اعتبر أن تعطل أنبوبيي سيل الشمال 1 و 2 يصب في مصلحة اوكرانيا إلا أن الإجراءات التي اتخذتها شركة نافتوغاز الأوكرانية، بشأن عبور الغاز الروسي إلى أوروبا ستؤدي إلى فرض عقوبات روسية على الشركة، وهو ما أشار إليه بيان شركة غازبروم الروسية التي حذرت من أن فرض عقوبات على شركة نافتوغاز سيعني من الناحية العملية منع شركة غازبروم من الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاملات المكتملة. ويرجح أن يتم فرض العقوبات، وهو ما سيؤدي إلى وقف إمدادات الغاز إلى أوروبا عبر أوكرانيا.

تساؤلات اخرى اثارها محللون روس حول اكتشاف مركبة بحرية مسيرة مجهولة المصدر بالقرب من مدينة سيفاستوبول الروسية، قبل اسبوع من عملية التفجير التي استهدفت أنابيب سيل الشمال لنقل الغاز. مرجحين ان المركبة التي اعلن عن اكتشافها الأربعاء 21 سبتمبر/ايلول 2022 لها ارتباط بالحادث، وهو ما يجب ان يؤخذ في الاعتبار عند بدء عملية التحقيق. لافتين إلى أن الأطراف المهتمة بهذه العملية التخريبية واضحة، وان من كانوا يسعون لإغلاق "السيل الشمالي2" في السنوات الأخيرة، هم من يقف خلف التخريب، في اشارة صريحة للولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وبولندا ودول البلطيق وأوكرانيا.

وفي هذا السياق يقول المحلل الروسي ألكسندر نازاروف إنه "أصبح من الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية دخلت في صراع مباشر مع روسيا"، لكنه لفت إلى انه من الصعوبة بمكان إثبات تورط واشنطن في هذا الهجوم الإرهابي. مشيرا إلى ان ذلك يتطلب استجابة فورية ومتزنة من جانب موسكو.

وبعد هذه الحادثة التي تعد علامة فارقة في الأزمة العالمية للطاقة، اصبح تدفق الغاز من روسيا إلى أوروبا، مقتصرا على مسارين، الأول عبر "السيل التركي"، والثاني عبر أوكرانيا، والمسار الأخير مهدد بالتوقف في حال طبقت العقوبات الروسية على شركة الغاز الاوكرانية، وهناك مسار ثالث لنقل الغاز الروسي إلى اوروبا، وهو المسار البولندي، لكن خط أنابيب الغاز عبر بولندا لا يعمل حاليا بسبب العقوبات المتبادلة، رغم أنه صالح للعمل من الناحية الفنية.

ويرى المحلل الروسي نازاروف ان الولايات المتحدة الأمريكية، بعد تفجير خطوط أنابيب الغاز، ستجعل ألمانيا تعتمد بشكل اضطراري على إمدادات الغاز الأمريكي المسال، وبذلك ستضع روسيا أمام خيار الاستمرار في دعم أوكرانيا من خلال مدفوعات العبور، او خيار خسارة جزء مهم من إيرادات الميزانية، إذا ما قررت موسكو رفض نقل الغاز عبر أوكرانيا، حيث كان بإمكان روسيا في السابق تحويل نقل الغاز إلى "السيل الشمالي". معتبرا إن واشنطن رفعت رهاناتها بعد إجراء الاستفتاءات في المناطق الأربع المحررة بشأن الانضمام إلى روسيا.

تقول وسائل اعلام روسية في الوقت الحالي إن على الولايات المتحدة الأمريكية أن تجيب على ما إذا كانت متورطةً في استهداف الأنابيب، على اعتبار انها كانت قد هددت مسبقاً بـ"التخلص من السيل الشمالي2". مطالبة موسكو بالتمسك بفكرة أن الأمريكيين نفذوا تهديدهم بالفعل وقاموا باستهداف الخط.

وكان الرئيس الأمريكي جو بايدن قد صرَّح في فبراير/شباط 2022، وقبيل بدء الحرب الأوكرانية، بأنَّ "روسيا إذا غزت أوكرانيا فلن يكون هناك شي اسمه السيل الشمالي2، وسنتخلص منه". وهذا التصريح جعل الكرملين يصف التكهنات التي ترى بأن تسرب الغاز من خطوط أنابيب "السيل الشمالي 1 و2" هو من فعل روسيا، بأنها "غبية وسخيفة". وفي هذا السياق قال الكرملين إن روسيا لن تضحي بالسيل الشمالي لأنها فقدت طرق إمداد الغاز إلى أوروبا، مستبعدا أن تكون أوروبا وراء التخريب، خصوصاً ألمانيا، على اعتبار أنها أكبر اقتصاد أوروبي والمستفيد الأول من الأنابيب، حيث ان أوروبا تتكبد حاليا وبشكل فعلي أكبر خسائرها بسبب أزمة الطاقة غير المسبوقة في القارة، ولن يكون بإمكانها التضحية بـ"السيل الشمالي1".

من جانبها بدت ألمانيا أكبر الدول القلقة من الحادث، لأن خطوط أنابيب السيل الشمالي ستبقى غير صالحة للاستخدام لفترة طويلة، وربما إلى الأبد، وفقاً لما أوردته صحيفة دير شبيغل الألمانية. وحاليا تبحث السلطات الألمانية هذه الحادثة، وعززت الرقابة على المياه السيادية بعد الحادثة مباشرة، حيث قامت الشرطة الفيدرالية بمراقبة المسارات الخاصة بالبنية التحتية الحيوية. كما اعلنت النرويج نشر جيشها لحماية منشآتها النفطية والغازية من أي تخريب محتمل.

وأدت الحادثة إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا، حيث قفزت إلى أكثر من 25%، بحسب شبكة Investing للبيانات المالية. وهو ما سيزيد من الاعباء على الاقتصاديات الأوروبية، والضغوط على الحكومات التي زادت مخاوفها من ردة الفعل الشعبية، في وقت كانت قد وضعت خطط لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقة في الشتاء القادم، لكن تلك الخطط سيكون مصيرها الفشل مع حادثة التفجيرات الاخيرة التي لم تأخذها تلك الخطط في الحسبان.

ومما سبق يمكن القول ان توقف انابيب غاز السيل الشمالي يعد علامة فارقة في مسار الأزمة بين روسيا والغرب، وامتحان عسير ستواجه اوروبا، وسيؤدي إلى انهاك اقتصادياتها المثقلة بكم هائل من المشاكل، وسيضع الاقتصاد الروسي على المحك، لما ستفقده الخزينة العامة من ايرادات، وبالتالي فإن ذلك يعني الولوج إلى مرحلة جديدة من حرب الاستنزاف التي تواجهها اوروبا وروسيا وان كانت بنسب متفاوتة، والمستفيد مما حصل هي الولايات المتحدة الأمريكية، التي ستجني اموال طائلة من بيع الغاز المسال لأوروبا باعتبارها المسار الاضطراري لتعويض جزء من النقص في سوق الطاقة الاوروبي.

 

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء