أجندة نُشر

الأبعاد الاقتصادية والسياسية وسيناريوهات الصراع التركي - اليوناني في شرق المتوسط

عرب جورنال / أروى حنيش -
تتسارع وتيرة الأحداث بين تركيا واليونان في الوقت الراهن، وهو ما بات ينذر بنشوب نزاع عسكري أشبه بسنوات الحرب الأربعة بين الجانبين خلال الفترة ما بين عامي 1919 و 1922 التي أفضت في النهاية إلى معاهدة لوزان وانضمام اليونان إلى الاتحاد الأوروبي،

الأبعاد الاقتصادية والسياسية وسيناريوهات الصراع التركي - اليوناني في شرق المتوسط

بينما ظلت تركيا خارج الاتحاد الأوروبي، بالرغم من المحاولات الملحة لانقرة قبولها عضوا في الاتحاد الذي يرفض انضمامها. وفي مقابل ذلك تستخدم تركيا ورقة المهاجرين للضغط على أوروبا وابتزازها سياسيا وماديا. وبحكم الجوار الأوروبي يجد الأشخاص سهولة للوصول إلى تركيا من بلدان مختلفة، فضلا عن الفارين من الحروب والقمع السياسي، وصراع الإثنيات والفقر والحرمان في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، وقد ظلت مسألة الهجرة وطالبي اللجوء السياسي مستمرة حتى وقتنا الحاضر، وتستغل أنقرة هذا الجانب للضغط على الاتحاد الأوروبي لقبولها في الاتحاد، وعندما لم يكن ذلك سهلت عبور المهاجرين، حيث يحاول معظمهم العبور في زوارق من الشاطئ التركي إلى الجزر اليونانية عبر المهربين، ورغم مشقة ذلك، وما يتعرض له المهاجرون من وحشية في التعامل وعودة البعض، إلا أن هناك من يفلت في الوصول إلى اليونان وإلى بلدان أوروبية مختلفة عبر الحدود رغم تشديد حراس الحدود على المنافذ المحتملة لتهريب الأفراد.

ومؤخرا زاد التوتر بين تركيا واليونان، بشأن احتياطات الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، حيث تجدد الخلاف على إثر توقيع الاتفاق الحدودي بين اليونان ومصر في السادس من أغسطس/آب الماضي، رأت فيه تركيا انتهاكاً صارخاً لجرفها القاري، وهو ما دفعها إلى الإعلان عن عودة التنقيب في مياه البحر المتوسط، الذي كانت قد أوقفته مؤقتاً بعد وساطة ألمانية وأوروبية.


حوض المتوسط منطقة نزاع

ويتمتع حوض البحر المتوسط بثروات من أهمها الغاز، إلا أنه أصبح منطقة نزاع متعدد الأشكال بشأن حدود كل دولة متشاطئة، نزاع يشمل النزاع التركي - اليوناني، كما يشمل ليبيا ومصر و"إسرائيل" ولبنان وسوريا وقبرص اليونانية، وأيضا الدول من خارج الحوض كفرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا.

تقول تقديرات هيئات المسح الجيولوجي الأمريكية أن حوض شرق البحر المتوسط على 122 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، بالإضافة إلى 107 مليارات برميل من النفط الخام، وهذا ما يلخص سبب الصراع القائم والمحتدم بين هذه الدول. ومع تصاعد وتيرة التوتر بين تركيا واليونان، لوّح الرئيس التركي أردوغان، بالحرب ضد الأخيرة، عندما ذكّرها في خطاب له، بمعركة إزمير عام 1922، في إشارة إلى هزيمتها هناك، معلناً عدم اعتراف بلاده بما أسماه الاحتلال اليوناني لجُزر بحر إيجة، مستحضراً العبارة الشهيرة ( يمكننا أن نأتي على حين غرّة ذات ليلة )، في إشارة إلى إمكانية قيامه بعمل عسكري ضد اليونان في أي وقت.

ومع أن مثل هذه التصريحات النارية ليست بجديدة على أردوغان، إلا أنه ثمة مؤشرات كثيرة تُوحي بمشهد ساخن في العلاقات التركية – اليونانية، في المرحلة المقبلة، بعد أن فشلت كل الجهود السابقة في ايجاد حل للصراع بينهما، وهو صراع قديم، تاريخي، حضاري، يتداخل فيه القانوني بالسياسي والحضاري والأمني، ومؤخراً الاقتصادي، أي صراع يتجدّد ويقفز إلى سُدة المشهد السياسي كلما حاول أيا من الطرفين القيام بحركة إزاء الجُزر الكثيرة في بحري إيجة والمتوسط.

لقد مرت العلاقات بين أنقرة وأثينا بمراحل صعبة في عدد من الملفات التاريخية المتعلقة بالحدود البرية والبحرية والمياه الإقليمية والفضاء الجوي وجزيرة قبرص، وزاد من تأزمها محاولات التنقيب عن النفط والغاز في البحر المتوسط، وملف اللاجئين، واستضافة اليونان عدد من الأتراك المرتبطين بمحاولة الانقلاب، والخلاف حول “آيا صوفيا”. وكانت السلطات التركية قد اتهمت وحدات من خفر السواحل اليوناني باستهداف سفينة تجارية
 ترفع علم جزر القمر أثناء إبحارها في المياه الدولية قبالة جزيرة تركية. وبحسب بيان نشرته قيادة خفر السواحل التركي، ونشرته وكالة الأناضول، فقد أطلق زورقان تابعان للجانب اليوناني نيران على السفينة "أناتوليان" المخصصة للرحلات التجارية بهدف مضايقتها.

وحسب المصدر ذاته، فقد وقع الحادث أثناء إبحار السفينة في المياه الدولية على بعد 11 ميلا بحريا عن جزيرة "بوزجا" التابعة لولاية جناق قلعة (شمال غربي تركيا). ولدى وصول زورقين لخفر السواحل التركي غادر الزورقان اليونانيان المنطقة على وجه السرعة.

وأشار البيان إلى عدم وقوع قتلى أو جرحى بين طاقم السفينة المكون من 18 فردا جراء النيران التي أطلقتها الوحدات اليونانية متجاهلة قواعد القانون الدولي، وفق تعبيره. وذكر أن القيادة خصصت زورقين لمرافقة السفينة، وأن تحقيقا بدأ في الحادثة بناء على تعليمات المدعي العام المناوب في جناق قلعة.

في سياق متصل، نشرت قيادة خفر السواحل مشاهد توثق لحظة مضايقة الوحدات اليونانية السفينة، والأماكن التي اخترقتها الرصاص .


أبعاد الصراع
مرت العلاقات التركية اليونانية، بفترات من المد والجزر منذ استقلال اليونان عن الإمبراطورية العثمانية عام 1832، تنبع هذه الخلافات التاريخية بينهما بسبب الحدود البحرية، وملف جزيرة قبرص، بالإضافة إلى خلافات جديدة تتعلق بالتنقيب عن النفط والغاز في منطقة حوض شرق البحر المتوسط وإيجة.

حصلت اليونان، بموجت معاهدة لوزان عام 1923 على مجموعة من الجزر في منطقة إيجة، لا تبعد هذه الجزر عن الحدود التركية في منطقة إيجة سوى كيلومترين، بل امتد الصراع إلى منطقة حوض البحر المتوسط الموجود فيها جزيرة قبرص، وذلك مع سيطرة تركيا على 37% من الجزء الشرقي لجزيرة قبرص عام 1974، التي أصبحت عقبة أمام تحسن العلاقات بين البلدين منذ عقود.
وترى تركيا أنه من غير المنطقي المطالبة بجرف قاري 40 ألف كيلومتر لجزيرة "ميس" الصغيرة، وأن هذا الأمر مخالف للقانون الدولي. إذ تواصل تركيا كفاحها للدفاع عن حقوقها النابعة من القانون الدولي في المنطقة، وقد اشتد الصراع شرقي البحر المتوسط، اعتبارًا من عام 2000، في أعقاب اكتشاف حقول الغاز، لتشرع دول المنطقة في تحديد نفوذها البحري.

بيد أن الاتفاقيات الثنائية التي وقعتها قبرص اليونانية مع كل من مصر عام 2003 و"إسرائيل" عام 2005 ولبنان عام 2007، هي بداية الصراع الحقيقي في حوض البحر المتوسط، حيث تجاهلت حقوق القبارصة الأتراك، رغم عدم التوصل إلى حل لأزمة الجزيرة القبرصية، الأمر الذي عارضته تركيا وقبرص التركية بشدة، بل واعتبرته أنقرة انتهاكًا صارخًا لجرفها القاري.

تحاول اليونان السيطرة على جميع الموارد الاقتصادية في حوض البحر المتوسط، وحصار تركيا في شريط ضيق رغم أنها أكثر الدول إطلالًا على بحر إيجة والمتوسط، متذرعة بجزيرة "كاستيلوريزو" باليونانية و"ميس" بالتركية، وتبلغ مساحتها 10 كيلومترات مربعة، وتبعد عن البر اليوناني نحو 580 كيلومترًا، وتتبع لها عمليًا بموجب اتفاقيات دولية، وعن البر التركي نحو كيلومترين، وتطالب اليونان بجرف قاري لهذه الجزيرة 40 ألف كيلومتر، لكن تركيا ترى أنه من غير المنطقي المطالبة بجرف قاري 40 ألف كيلو متر لهذه الجزيرة، وأن هذا الأمر مخالف للقانون الدولي.

كانت شركة "نوبل إينرجي" ومقرها تكساس أول من أعلن عام 2011 اكتشاف الغاز قبالة قبرص في حقل "أفوديت" الذي يقدر احتضانه 4.5 تريلون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، واستمرت قبرص بالاتفاق مع دول عدة دون الرجوع لتركيا.

تحركات متضادة
في العام 2014 أعلنت تركيا "قواعد الاشتباك" في حوض المتوسط، وأشارت من خلالها إلى استعدادها للتصدي لأي محاولة للتنقيب في جرفها القاري والمياه الإقليمية لقبرص اليونانية دون توافق معها، وإثر ذلك اعترضت سفن حربية تركية سفينة التنقيب التابعة لشركة "إني" الإيطالية المتعاقدة مع قبرص اليونانية في حوض البحر المتوسط، بحجة أن البوراج تقوم بمناورات عسكرية في المنطقة عام 2018. وازداد الصراع في حوض البحر المتوسط، مع ظهور التحالفات بين الدول المعنية، حيث تأسس منتدى غاز البحر المتوسط في يوليو 2019، بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، الذي يضم مصر والأردن و"إسرائيل" وقبرص واليونان وإيطاليا، علمًا بأن بعض هذه الدول ليست مصدر غاز إنما مستهلك له كالأردن، في حين تغيبت دول معنية عن هذا المنتدى أهمها: لبنان وتركيا وسوريا.

في المقابل كان موقف تركيا مختلفًا، حيث عمدت إلى التحرك نحو خطوات عملية، ووقعت مُذكرتي تفاهم مع حكومة الوفاق الليبية برئاسة فايز السراج 27 من نوفمبر 2019، الأولى بخصوص التعاون الأمني والعسكري، والثانية بشأن تحديد مناطق النفوذ البحرية، لتوقف التحركات القبرصية عند جزيرة كريت، التي سيمر منها خط نقل الغاز والموارد النفطية إلى أوروبا.
عبرت اليونان عن غضبها من اتفاق مُذكرتي التفاهم بطرد السفير الليبي، ومن ثم وقعت اتفاقًا مع "إسرائيل" وقبرص اليونانية لمد خط الغاز "إيست مد" في 2 من يناير 2020 نحو "إسرائيل"، الذي جاء ردًا على اتفاق مُذكرتي التفاهم التركي الليبي، بعد فشل اليونان في حشد الموقف الدولي ضد التحركات التركية في المنطقة. وتُعتبر الاتفاقية التركية الليبية، مكسبًا سياسيًا وقانونيًا مهمًا لتحركات تركيا في البحر المتوسط، رغم أنها لا تعتبر الحل النهائي للخلافات القائمة بشأن مناطق النفوذ البحرية في المنطقة.

في الآونة الأخيرة وصلت العلاقات بين البلدين، إلى التصادم المباشر في المنطقة، إثر إعلان تركيا إخطارًا يُعرف باسم "نافتكس" لإجراء مسوح اهتزازية في منطقة من البحر بين جزيرتي قبرص وكريت في 21 من يوليو العام الحاليّ، تحت إطار مُذكرتي التفاهم التركية الليبية، اعتبرت اليونان هذه التحركات محاولة للتعدي على جرفها القاري، أي الجرف القاري التابع لجزيرة "ميس"، وترى أنقرة أن هذا مخالفًا للقانون الدولي وقانون البحار.

موقف الدول الفاعلة

مصر
تأتي الانتقادات المصرية للتحركات التركية في منطقة البحر المتوسط من باب المناكفة، إذ وقعت مصر اتفاقية مع اليونان لترسيم الحدود البحرية، رغم خسارتها ما يقارب 24 ألف كيلومتر من حدودها البحرية.
المفارقة هنا أنه على الرغم من أن مصر بادرت بإقامة منتدى غاز شرق المتوسط مع اليونان وقبرص وفرنسا نكايةً في أنقرة، فإنها استفادت من المواقف التركية التي تقف حائلًا دون إقامة خط غاز شرق المتوسط، كما أن مصر استفادت من مُذكرة ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، وعليه فإن المناكفة المصرية لتركيا مستمرة ما دامت حالة القطيعة بينهما مستمرة.

إسرائيل
وترى إسرائيل أنها غير معنية في التصعيد ضد تحركات تركيا في المنطقة، بهدف عدم تعطيل مصالحها معها الهادفة إلى تصدير الغاز إلى أوروبا عبر خط أنابيب يمر عبر البحر المتوسط.
بعد توقيع تركيا مُذكرتي التفاهم مع ليبيا، دعمت إسرائيل اليونان، لكن على مستوى التصريحات الإعلامية دون الذهاب إلى التصعيد المباشر على أرض الواقع.
وتجد إسرائيل فرصة في تحقيق هدفها بإنشاء خط أنابيب الغاز في شرق المتوسط، يمر عبر الأراضي التركية، لخفض التكاليف الباهظة التي من الممكن أن تتحملها في حال أقدمت على إنشاء خط الأنابيب من عرض البحر المتوسط، وأكثر أمنًا.

فرنسا
زاد التدخل التركي في ليبيا، بناءً على مُذكرتي تفاهم رفعت حجم المخاوف الفرنسية تجاه النفوذ التركي الذي يهدد مصالحها في إفريقيا والبحر المتوسط. تقوم السياسة الفرنسية في المنطقة على أساس المصالح الوطنية الواقعية، وأعربت باريس عن دعمها الواضح للمواقف اليونانية والقبرصية، مع تصور أنها تدافع عن مصالح الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بالمنطقة.

دعمت فرنسا، منتدى غاز البحر المتوسط، وأصدرت عددًا من البيانات المشتركة مع دول البحر المتوسط المنددة بالنشاط التركي في المنطقة، وعرضت فرنسا المساعدة على اليونان، بإرسال طائرات مقاتلة مع أجهزة استخبارات تكنولوجية إلى قبرص في 17 من أغسطس/آب من العام الحاليّ.

وينطلق موقف فرنسا المضاد لتركيا من مُنطلق إستراتيجية "الاتحاد من أجل المتوسط" التي ترمي للحفاظ على النفوذ الأوروبي في شرق المتوسط وزيادته، خوفًا من التأثيرات السلبية المتعلقة بالوجود الروسي والصيني والتركي المتنامي في الحوض.


الولايات المتحده الامريكية
وتقوم الولايات المتحدة الأمريكية بالدور الثانوي في المنطقة، أي دور "المراقبة"، تطور الموقف الأمريكي إزاء حلفائها الإقليميين، حيث تؤيد الطرف الذي يستطيع موازاة الدور الروسي المتنامي في المنطقة، بعد التدخل الروسي في ليبيا، وامتداد النفوذ الروسي القريب من الجناح الجنوبي لحلف الناتو وأوروبا، هو تركيا وفرنسا حاليًّا وبشكل أساسي، أي أنها تقوم بدور "الإمساك بكفة توازن القوى" بين تركيا وفرنسا لدفعهما بصورة مدروسة نحو موازنة الدور الروسي المتنامي هناك.
روسيا

وأصبحت روسيا من أبرز اللاعبين الأساسين في الساحة الليبية لصالح قوات حفتر، كما هو الحال في سوريا، تدعم روسيا قوات حفتر على عكس تركيا التي تدعم حكومة الوفاق الليبية بقيادة فايز السراج، والمعترف بها من الأمم المتحدة، لذلك أصبحت روسيا إحدى الدول المُعيقة لتحقيق أنقرة لمصالحها في المنطقة كما هو الحال في سوريا، وتفعل روسيا في الصراع بين اليونان وتركيا بشكل متوازن، فمن جهة تدعم اليونان من خلال تفعيل منظومة إس 300 في جزيرة كريت، والدخول في حركة تفاوض وحوار مع تركيا من جهةٍ أخرى.

مآلات الخلاف

تصاعد الخلاف بين تركيا واليونان هذه المرة ليدخل مرحلة جديدة، بسبب الاستقطاب الدولي الحاصل، ولتداخل كثير من الملفات، مع بقاء بعض الدول مدركة لأهمية الاستفادة من اللعبة دون الاصطفاف كلياً مع أحد أطراف الصراع، وهذا ما يضعنا أمام عدد من السيناريوهات:

السيناريو الأول: المواجهة الشاملة

يفترض هذا السيناريو مواجهة عسكرية شاملة بين تركيا واليونان، وذلك يعود للانتشار العسكري شرق المتوسط والتحركات المتزايدة، ويعزز من هذا السيناريو:
1- تصاعد الخلاف وتأزم الوضع، نتيجة السعي التركي لتعديل الاتفاقايات، والحرص اليوناني على التمسك بالأمر الواقع.

2- التحشيد العسكري المتنامي من الطرفين وعسكرة اليونان لبعض الجزر، وهو ما لا يمكن أن تقبل به تركيا.

3- تدخُّل أطراف إقليمية ودولية لتصعيد الخلاف، وهو ما قد يجعل من تطورها أمراً وارداً.

السيناريو الثاني: المواجهة الجزئية والاحتكاكات العسكرية المحدودة.

 ويفترض هذا السيناريو إمكانية وجود احتكاكات عسكرية أو مواجهة جزئية، يضطر إليها أحد الطرفين لمواجهة التصعيد العسكري للطرف المقابل، وهو سيناريو وارد، وقد يكون مدخلاً للتفاوض، ويعززه:
1- التصعيد اليوناني في عسكرة الجزر المتنازع عليها، وهذا قد يستفز تركيا ذات التجارب السابقة في نفس الموضوع، فجزيرة كارداك تعد من الجزر المتنازع عليها، وعسكرتها من قبل اليونان في 1996 أثار مواجهات عسكرية جزئية بين البلدين.

2- رغبة بعض القوى الإقليمية والدولية في إشغال تركيا قريباً من حدودها، في محاولة للتأثير على ما تراه توسعاً تركياً خارجياً.

السيناريو الثالث: المراوحة ومحاولة التوصل إلى صفقة جديدة.

يفترض هذا السيناريو استمرار عملية التصعيد السياسي بما لا يؤدي إلى انفجار عسكري شامل، مع تطور في المفاوضات ومحاولة التوصل إلى صفقة مؤقتة، قد لا تلبي الطموح التركي لكنها تحد من التصعيد العسكري. وإذا كانت اليونان ترفض الحوار غير المشروط فإنها قد تذعن لذلك مستقبلاً، أو قد ترضى بالتحكيم الدولي، لأن المواجهات العسكرية ستكون أضرارها كارثية لا على اليونان وتركيا فقط، بل على المنطقة كلها، وستؤخر من عملية الاستفادة من حقول الغاز، كما أن التسوية الشاملة من المستبعد تحققها على المدى القريب نتيجة تعقد الملفات وتشابكها.

ختاما
 ان مطالب أنقرة هو وضع جزر «بحر إيجة» تحت سيادة المجتمع الدولي ونزع الأسلحة من تلك المنطقة كما نصت معاهدتي «لوزان» و«باريس» فضلًا عن موافقة الولايات المتحدة لبيع «طائرات إف-16» إليها، بجانب حصار الأكراد ومحاربتهم، بالإضافة إلى إزالة أنقرة من قائمة الانتظار الخاصة بـ«الدول المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي» لتصبح أحد دول الاتحاد الأوروبي وهو الحلم الذي يراودها منذ عقود، وجددت مطالبتها على لسان رئيسها بقوله: «أظهروا لتركيا نفس الحساسية التي تظهرونها لأوكرانيا». ولكن ماذا سيحدث إذا لم يلبي الاتحاد الأوروبي مطالب أنقرة؟ بالتأكيد ستتعنت تركيا أكثر في رفض سياسة التوسعة التي يريدها حلف «الناتو» عن طريق انضمام السويد وفنلندا إليه. فضلًا عن أن ذلك سيؤدي أيضًا إلى إطالة أمد الحرب الروسية الأوكرانية؛ إذ تعتبر تركيا وروسيا حلفاء -ولو بشكل مؤقت- ومن ثم في حال استمرار الانحياز الأوروبي لصالح اليونان ورفض واشنطن تزويد أنقرة بـ«طائرات إف-16» فستطلب تركيا دعمًا أكبر مع روسيا مقابل أن تعرقل أنقرة أي قرار داخل الناتو من شأنه معاقبة روسيا، أي ستصبح الحرب عبارة عن صراع بين كتلتين -بشكل صريح ومباشر، باعتبار أن أطراف النزاع في الحرب الروسية الأوكرانية هم أنفسهم أطراف النزاع التركي اليوناني، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، التي بدأت في الآونة الأخيرة بإنشاء قواعد عسكرية كبيرة في الجزر اليونانية القريبة
من تركيا. كما ستعرقل تركيا الحلم الإسرائيلي بتزويد أوروبا بالغاز الطبيعي عبر خط أنابيب يمر بالأراضي التركية.
وتكملة لذلك من الممكن حينها نشوب حرب مؤثرة بين اليونان وتركيا، وقد يسرع من وقوع تلك الحرب أي خطوة قررت أن تتخذها اليونان لزيادة مساحة سيطرتها على «بحر إيجة» وتعنتها في تسليح جزر «بحر إيجة» وهي خطوة تلاقي ترحيبًا واسعًا في الداخل اليوناني، إذ تستند اليونان بخصوص هذا الملف إلى المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على «حق الدفاع عن النفس»، إذ أعلنت حكومة أثينا مرارًا أنها قامت بهذه الخطوة بغية التصدي لأي تهديد محتمل من تركيا. وسبق أن أشارت إلى أن جيش «بحر إيجة» الذي شكلته تركيا خارج قيادة الناتو، لديه أسطول إنزال على السواحل القريبة من الجزر. ولعل ما يؤجج من إمكانية حدوث تلك الحرب أيضًا هو تصاعد حدة التصريحات بين الجانبين اليوناني والتركي خاصة مع دعوة الجنرال اليوناني المتقاعد «يانيس إيغولفوبولوس» إلى شن هجوم صاروخي على إسطنبول، وتدمير الجسور التي تربط أوروبا وآسيا في هذه المدينة. وفي ظل دعوات داخل تركيا تعزيز سلاحها الجوي، للتصدي لأي هجمات محتملة من جانب أثينا.

 

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء