أجندة نُشر

هل ستصمد الحكومات الاوروبية في مواجهة وقف امدادات الغاز الروسي..؟

عرب جورنال /  أنس القباطي -

ما تزال أزمة الطاقة هي الهم الابرز للحكومات الاوروبية خلال فصل الشتاء الذي يطرق أبواب القارة العجوز، رغم اعلان بعض الدول ملء خزانات الغاز الاحتياطية بنسب تتجاوز 80%.

هل ستصمد الحكومات الاوروبية في مواجهة وقف امدادات الغاز الروسي..؟

واعلنت ألمانيا ملء خزانات الغاز الاحتياطية بنسبة تصل إلى 84.5%، فيما اكدت فرنسا انها وصلت إلى 90% في عملية ملء الخزانات الاحتياطية من الغاز. ورغم ان الحكومتين الألمانية والفرنسية اعتبرت هذه النسب من ملء الخزانات انجاز، إلا أن التفاخر بسرعة العملية وأدته روسيا باعلانها وقف إمدادات الغاز عبر خط "نورد ستريم 1".

وتبدو هذه الخطوة الروسية بأنها توجه للي الذراع الأوروبية، وتلويحا بقدرة موسكو على خلق اضطرايات شعبية خلال الشتاء القادم، على اعتبار ان وقف امدادات الغاز حتى مع ملء خزانات الاحتياط الاوروبية سيؤدي إلى خلق ازمة من خلال السحب من خزانات الاحتياط، وبالتالي تناقصها يوميا مع استمرار السحب، وهو ما سيؤدي إلى رفع أسعار الغاز، والذي سينسحب عليه ارتفاع فواتير الخدمات وابرزها الكهرباء في ظل شتاء اوروبي قارس، وهو ما قد يؤدي إلى تقطعات في التيار الكهربائي الذي لا تستحمله الشعوب الاوربية في الشتاء، خاصة في بعض الدول التي ظلت حلولها عاجزة عن الوصول إلى تأمين الحد الادنى من الغاز. وهنا سيتحول الاحتقان الشعبي إلى حالة غضب ستتفجر على احتجاجات شعبية قد تطيح بحكومات، وتصعيد حكومات تتقارب مع موسكو، على غرار ما حصل في المجر العضو في الاتحاد الأوروبي والمغردة في السرب الروسي، وهي التي حصلت مؤخرا على كميات إضافية من الغاز الروسي تصل إلى 700 مليون متر مكعب وبأسعار مخفضة، في تجاوز لقرارات الاتحاد الاوروبي بتقليص الاعتماد على الغاز الروسي، وهو ما سينأى بها عن ازمة الشتاء القادم التي ستعيشها كثير من دول غرب اوروبا.

القرار الروسي بوقف واردات الغاز إلى اوروبا عبر خط أنابيب نورد ستريم1 تزامن مع إعلان وزراء مالية مجموعة الدول السبع (ألمانيا، إيطاليا، بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، اليابان) في 2 سبتمبر/ايلول 2022 أنهم يخططون لتطبيق "حد أقصى لسعر النفط الخام لروسيا ومنتجاتها البترولية". وهذا الاعلان كشف أن الدول الغربية ما تزال مصرة على التصعيد في وجه روسيا على ذمة الحرب الاوكرانية، وهو ما واجهته روسيا برد مماثل بوقف واردات الغاز. لكن الغرب، واوروبا على وجه الخصوص قد تجد بديلا للمنتجات النفطية الروسية، لكنها لن تجد البديل الكافي للغاز الروسي، بسبب عدم وجود البنى التحتية الكافية لتخزين الغاز المسال الذي قد تحصل عليه من بلدان أخرى، عوضا عن الأسعار المرتفعة مقارنة بالغاز الروسي.

وادى القرار الروسي بوقف واردات الغاز إلى اوروبا إلى ارباك الحكومات الأوروبية، فهي لن تستطيع كسر قرار العقوبات الذي سارت فيه وفق المشيئة الأمريكية، لكن الاستمرار في نهج العقوبات ضد روسيا سيؤدي إلى احتجاجات شعبية ستدفع ثمنها على طريقة حكومة جونسون البريطانية، فالشعوب ستخرج إلى الشارع مطالبة بخفض فواتير الكهرباء وأسعار الغاز.

قلق الحكومات الاوروبية من الاحتجاجات في ظل الاحتقان الشعبي، يزداد يوما عن أخر خاصة بعد تصاعد الاحتجاجات مؤخرا في إيطاليا، والتي يبدو ان حكومة ماريو دراغي ستكون اول من يدفع الثمن، رغم نجاحها في تقليص الاعتماد على الغاز الروسي إلى قرابة النصف في وقت قياسي (من 40% إلى 25%)؛ إلا انها لن تنجح في خفض فواتير الكهرباء وأسعار غاز التدفئة في الشتاء القادم، وهو ما سيجعلها هشة امام مطالب الأحزاب التي توصف بأنها قريبة من موسكو، خاصة أحزاب اليمين المتطرف التي تتحفز لاسقاط حكومة دراغي. وما حصل في مدينة نابولي في 2 سبتمبر/أيلول 2022 يعد بمثابة ناقوس خطر ليس في وجه الحكومة الايطالية وانما يمتد تحذيره إلى أغلب دول غرب أوروبا. فقد أقدم محتجون غاضبون على احراق فواتير الكهرباء والغاز في الشارع، وهم يرددون هتاف "لن ندفع الثمن".

وفي ألمانيا يبدو الوضع مثيرا للقلق الحكومي، بعد اندلاع احتجاجات شعبية منددة بسياسات الحكومة في قطاعي الكهرباء والغاز، وذلك في مدينة لايبزيغ البالغ عدد سكانها نصف مليون نسمة (تقع جنوب برلين بنحو 190 كم). ومثلها الحكومة الفرنسية باتت تتوجس من حصول احتجاجات شعبية مستقبلا، فهي تعتمد على الطاقة النووية بنسبة 70%، لكن الجفاف الذي ضرب البلاد ادى إلى تراجع مناسيب المياه في أنهارها التي تستخدم مياهها في تبريد المفاعلات النووية، إلى جانب أعمال الصيانة التي تجريها على المفاعلات، و مع وقف روسيا صادرات الغاز لها عبر أنبوب نورد ستريم1، حتما سيؤدي إلى تعمّيق معاناتها. كما لن تكون دول مثل بريطانيا وإسبانيا بمنأى عن الاحتجاجات الشعبية التي ستكون أسعار الكهرباء والغاز، وما ستسببه من تضخم أهم عوامل ظهور الاحتجاجات وتأجيجها.

ويبدو الصراع القائم بين روسيا واوروبا بمثابة لعبة عضّ الأصابع، لكن الألم في اوروبا سيكون مضاعفا عدة مرات في فصل الشتاء البارد. ومن هنا ستسعى روسيا نحو تفكيك التضامن بين دول الاتحاد الأوروبي، بهدف الوصول إلى تقسيم دول الاتحاد إلى فريقين رافض للعقوبات ومؤيد لها، وكل ذاك تحت تأثير الاحتجاجات الشعبية المتوقعة. وما هو مؤكد ان المواطن الأوروبي حين يفقد القدرة على تحمُّل تكاليف فواتير الكهرباء المرتفعة والأسعار المتصاعدة للسلع والخدمات المرتبطة بالطاقة سيخرج إلى الشارع محتجا ولن يعود إلا بتخفيضها او الاطاحة بالحكومات، وتبدو الأخيرة هي الأقرب.

ولهذا يسعى الاتحاد الاوروبي للبحث عن حلول ولو بحدها الأدنى لتجاوز مصائب الشتاء القادم. وفي هذا السياق تَوجَّه رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال إلى الجزائر وقطر مؤخراً، لبحث فرص زيادة إمدادات الغاز من البلدين العربيين على المدى القصير، لتعويض أي نقص من الغاز الروسي. وهي الزيارة التي مهدت لها وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، بعد تصريحها باستبعاد رفع العقوبات عن روسيا، حتى ولو نشبت احتجاجات في أوروبا لاحقاً. لكن هل ستستطيع الحكومة الألمانية مقاومة ما سيحصل في الشتاء..؟ ربما يكون التصريح محاولة لاستعطاف الشعب الألماني من خلال تحذيره ضمنيا بأن الاحتجاجات لن تصب إلا في مصلحة روسيا، وان الرضوخ لاشتراطاتها سيشجّعها لاتباع نفس النهج الابتزازي، وان الحل الأمضى مع موسكو مواصلة سياسة العقوبات الاقتصادية على المدى الطويل لجعلها تجثو على ركبتيها. لكن المواطن حين يتضرر لن يوجه غضبه نحو الخارج.

واذا ما عدنا إلى الأسباب التي دعت روسيا لوقف إمدادات الغاز عبر أنابيب نورد ستريم1، سنجد انه جاء ردا على دعوة رئيس المفوضية الأوروبية، السيدة أورسولا فون دير لاين، عندما دعت الدول الأوروبية إلى تحديد سقف لأسعار الغاز الروسي، لمعاقبة الرئيس فلاديمير بوتين وحرمانه تمويل حرب أوكرانيا. وهذا التوجه يماثل في خطئه قبول الاتحاد الاوروبي في مجاراة التوجه الأمريكي الذي دفع لفرض عقوبات اقتصادية مشددة ضد روسيا دفعت ثمنها اوروبا اكثر من امريكا.

ومع سير اوروبا في طريق التشدد في نهج العقوبات ضد روسيا، تتشدد موسكو في موقفها من اوروبا، رغم تراجع قواتها في خاركيف مؤخرا. وفي هذا السياق شدّد الرئيس بوتين على "استحالة" محاصرة بلاده. وحمل المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف القادة الأوروبيين مسؤولية وقف خط "نورد ستريم 1"، وقال مهددا: "أوروبا ارتكبت أخطاء كثيرة يجب أن تدفع ثمنها".

وتفيد إحصائيات سوق الطاقة ان أسعار الغاز الطبيعي في السوق العالمية تضاعفت حتى وصلت إلى 3500 دولار لكل ألف متر مكعب في أغسطس/آب الماضي، لكن التحذيرات الروسية الصادرة عن مراكز اقتصادية مهتمة بالطاقة تؤكد أن أسعار الغاز من الممكن أن تقفز إلى 5 آلاف دولار لكل ألف متر مكعب. ومن هنا فالمشكلة لن تكن في احتياطيات الغاز التي تسعى اوروبا لتوفيرها لمواجهة فصل الشتاء، وإنما في الأسعار التي سيباع بها الغاز والخدمات والسلع المرتبطة بالطاقة للمواطن في الدول الأوربية، خاصة وأن الكهرباء المنتجة بالغاز الطبيعي ترتفع أسعارها باطّراد منذ مارس/آذار 2022، وهو ما يؤثّر في أسعار مختلف الموادّ الغذائية والخدمات، ويرفع نسبة التضخم.

ومما سبق يبدو ان لعبة عض الأصابع المؤلمة ستتواصل خلال الأسابيع القادمة، وان كان الألم سيتضاعف في فصل البرد القارس غربا، لكن يستطيع الغرب تحويله شرقا وبنفس القوة في حال تمكن الجيش الأوكراني من التوغل في اقليم دونباس، وبشكل يفوق مرات ما حصل في خاركيف بداية سبتمبر/أيلول الجاري.

 

 

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء