أجندة نُشر

الانقلاب العسكري في بوركينا فاسو يقلب بمعادلة النفوذ الفرنسي لصالح روسيا

عرب جورنال / أروى حنيش -
بعد إخفاق وفشل باريس في إيجاد حلول أمنية وسياسية في كل من بوركينا فاسو ومالي وجمهورية إفريقيا الوسطى، انتهزت موسكو الفرصة الذهبية للتواجد وإبرام الاتفافيات في دول ما كانت تُعرف باسم مربع النفوذ الفرنسي التاريخي في إفريقيا، والتغلغل على حسابها لإحياء الحضور السوفيتي (السابق) الذي كان أكثر انتشارا وتواجدا في تلك المناطق، عبر اتفاقات دبلوماسية وعسكرية وثقافية وفنية أثارت مخاوف باريس وهواجسها.

الانقلاب العسكري في بوركينا فاسو يقلب بمعادلة النفوذ الفرنسي لصالح روسيا


تاريخًيا لعب الاتحاد السوفيتي دورًا رئيسا في إفريقيا، حيث وفّر مظلة أيديولوجية وسياسية وسندًا عسكريًّا قويًّا ودعمًا لحركات التحرر الإفريقية المناهضة للاستعمار الأوروبي الغربي حينها، ولكن مع سقوط جدار برلين 1989م وتفكُّك الاتحاد، وانحسار دوره في مختلف القضايا الدولية ومناطق نفوذه التقليدية، استغلت الدول الاستعمارية الإمبريالية الأوروبية لملء الفراغ، وتحديدًا فرنسا للانفراد بالعلاقات الاقتصادية والسياسية مع مستعمراتها القديمة.

عودة المنافسة

يبدو أن المعركة الجيوسياسية من أجل السيطرة على إفريقيا تسير الآن على قدم وساق، بين روسيا الساعية لاستعادة مجدها، وفرنسا التي تخسر نفوذها بسبب فشل سياستها، وعدم جديتها في محاربة الجماعات الأصولية المتطرفة، وكذا نهب الموارد الوطنية لبلدان إفريقيا، وقد ضاق شعب بوركينا فاسو من الوجود العسكري الفرنسي الذي يطالب برحيله من بلده، بعد أن أضحى يشكل تهديدا على أمن واستقرار منطقة الساحل الأفريقي، نتيجة تغلغل الجماعات المتطرفة التي وجدت رخوة في القبضة الفرنسية الأمنية. في الوقت الذي تشتد فيه التظاهرات الشعبية المطالبة بإنهاء الوجود الفرنسي في ظل مطالبات شعبية بالتدخل الروسي المنافس ليس فقط في بوركينا فاسو، بل وعلى القارة الإفريقية بشكل عام في المرحلة القادمة.

فإذا كانت موسكو تراجعت خطوة إلى الوراء في السودان واصطدمت مساعيها بشأن إنشاء مركز بحري روسي برفض أمريكي، فإن لديها فرصة للقفز خطوتَين إلى الأمام في إفريقيا الوسطى، وخاصة في بوركينا فاسو وفي مالي، البلدان اللذان يقعان تقليديًّا تحت النفوذ الفرنسي. وقد أدرك الروس مؤخرًا أنّ فرصتهم في بوركينا فاسو، ليست رهينة بما سيقدمونه لهذا البلد من دعم فني وعسكري، بقدر ما هي مرتبطة بما ستخسره فرنسا جرّاء سياستها التي أثبتت فشلها طيلة الـ 8 أعوام التي تواجدت فيها على الأرض، حيث بدأ نفوذها بالانحسار تدريجيًّا.
أثبتت التجربة أيضًا أنه كلما تراجعت شعبية فرنسا في إفريقيا، وفي أي منطقة من العالم، زادت فرص روسيا للتدخُّل السياسي والعسكري، ففي سوريا خسرت باريس أسبقية انخراطها في دعم الثورة، وحل الأزمة لصالح موسكو، وفي ليبيا أيضًا فشلت في إدارة الملف وأسقطت بكرة خيط اللعبة من يديها، لتصبح لاعبًا ثانويًّا مقارنة بالروس والمصريين.
لذلك، فإن التدخل الروسي في سوريا وليبيا يُعد مثالًا للتخطيط الاستراتيجي، وجزءًا من الخطط السياسة الخارجية الجديدة لموسكو، والتي ستستمرُّ مستقبلًا عن طريق التدخل في بوركينا فاسو، وفي مالي وغيرهما كبوابتين مناسبتين للتغلغل، وحجز موقع مؤثِّر وفاعل لها في المشهد السياسي الإفريقي، بعد أعوام من خروج القارة السمراء عن دائرة أولوياتها.

الاستيلاء على السلطة

كل هذه التطورات تجري في وقت كانت فيه بوركينا فاسو تحرز تقدمًا نحو العودة إلى الحكم الدستوري، وقد شهدت ثاني انقلاب في 8 أشهر، حيث قام الجيش بالاستيلاء على السلطة في 30 سبتمبر 2022، وبالموازاة مع ذلك ظهرت فرنسا في صلب الأزمة، فبعد ساعات قليلة عقب الإطاحة بالرئيس والحكومة، قامت احتجاجات عنيفة ضد فرنسا، وصلت إلى درجة إضرام النار في سفارتها، والاعتداء على مركزها الثقافي بالحجارة.

الانقلاب العسكري الذي قاده النقيب إبراهيم تراوري أطلق رصاصة الرحمة على الوجود الفرنسي في أراضي البلاد، حيث أمهلت السلطنة الانقلابية الفرنسيين مدة شهر واحد لمغادرة البلاد، ليسدل بذلك الستار على فقدان فرنسا لواحدة من أكبر مستعمراتها السابقة في الساحل الافريقي، لصالح روسيا التي تحاول ركوب موجة العداء لباريس، حيث شوهدت أعلام روسيا الاتحادية ترفرف في سماء العاصمة "واغادوغو"، حينما خرج آلاف المتظاهرين المساندين والداعمين لتحرك الجيش والرافضين لما سمّوه بـ"الاحتلال الفرنسي" لبلادهم.

نفوذ موسكو

لقد نما نفوذ موسكو بشكل مضطّرد في العديد من البلدان الإفريقية الناطقة بالفرنسية في السنوات الأخيرة، إذ ليس من المألوف رؤية الأعلام الروسية في مثل هكذا مظاهرات شعبية، وسياسية أن يرتفع العلم الروسي، إلا لأن الحنين لعلاقات الصداقة التي جزءا فاعلا في نهضة البلد تنمويا، وبناء المشاريع الاستراتيجية التي ساهمت في عملية النهضة التنموية، بعد أن كان الاتحاد السوفيتي الصديق الوفي للخلاص من طغيان واضطهاد الاستعمار الفرنسي الغاشم.
على أراضي بوركينا حاول الاستعمار الفرنسي تثبيت وجوده العسكري والأمني، ومد نفوذه وسيطرته، فقام ببناء قاعدة عسكرية كبيرة، في العاصمة واغادوغو، حيث تتدخل قواتها الجوية بانتظام من النيجر المجاورة لدعم عمليات جيش بوركينا فاسو ضد الإرهابيين، وقد قيل إن الرئيس المخلوع بول هنري سانداوغو داميبا، لجأ إلى هذه القاعدة الفرنسية، ليخطط لهجوم مضاد، لكن الخارجية الفرنسية نفت أن يكون لها أي علاقة بما يحدث في البلاد.
وبالإضافة إلى المطالبة برحيل داميبا، يريد الانقلابيون إنهاء الوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل، حيث تتواجد فرنسا في بوركينا فاسو مع قوة صابر، وهي كتيبة من القوات الخاصة التي تدرّب قوات بوركينا فاسو المتمركزة في كامبوينسين، على بُعد حوالى 30 كيلومترًا من العاصمة واغادوغو.

الارهاصات الأولية للانقلاب

بدأت إرهاصات نهاية التواجد الفرنسي في بوركينا فاسو منذ الانقلاب الأول في 24 يناير 2022، ذلك أن عدم الاستقرار في البلد، وسوء الأوضاع المعيشية والأمنية شكّل تهديدًا خطيرًا لمستقبل عملية برخان في منطقة الساحل، ومن الناحية العملية تمَّ تقليص الوجود العسكري الفرنسي في بوركينا فاسو إلى القوات الخاصة "فرقة صابر"، وبحكم طبيعتها السرّية، تُستخدم هذه القوة المكوَّنة من حوالي 350 عنصرا لمطاردة وضرب الجهاديين. بالاضافة إلى ذلك يمكنها أن تشارك في السياسة الداخلية، كما فعلت في 31 أكتوبر، عندما تسللت إلى الرئيس المخلوع بليز كومباوري لتهريبه إلى برّ الأمان نحو ساحل العاج، لكن في الانقلاب لم يتم استخدام هذه الفرقة لحماية الرئيس المخلوع كريستيان كابوري، ما يعني أن باريس لم يعد لديها مصلحة، أو وسيلة في أن تلعب دور الشرطي في إفريقيا.

احتجاجات شعبية

خرجت الجماهير الشعبية من كل أرجاء ومناطق بوركينا فاسو مرددين شعار "نريد خروج فرنسا"، كانت اللافتات التي كتبت عليها بالخط العريض "عُد إلى وطنك" في إشارة للجيش الفرنسي.
لقد تجمهر آلاف المحتجين في شوارع مدينة "كايا" الواقعة شمالي بوركينا فاسو، لمنع القافلة العسكرية الفرنسية الكبيرة القادمة من ساحل العاج، من الوصول إلى النيجر.

ووفق ما أشارت إليه مصادر إعلامية محلية، فإن المحتجين قطعوا الطرق ومنعوا قوافل الجيش الفرنسي من إيصال أية إمدادات تخطط لإيصال معدات عسكرية إلى الميليشيات المسلحة التي تقف وراء الأعمال الإرهابية في المنطقة وتدّعي محاربتها، لمحاولة اجهاض الثورة ومساندة فلول ومرتزقة الحكومة السابقة. اعتصم الأهالي ومَن ساندهم من المدنيين الوافدين من المناطق والقرى المجاورة، في مداخل المدينة، ومفترقات الطرق، لحراستها وضمان عدم وصول أي امدادات، كما شكّلت قوات الجيش البوركيني والشرطة العسكرية حواجز بين المدنيين والقوات الفرنسية، لمنع أي اشتباك محتمل، فيما تدخّلت السلطة المحلية لمنع المتظاهرين من اعتراض طريق القوافل، إلا أنّ الجهود جميعها باءت بالفشل.

وأكدت العديد من المصادر الإعلامية، أنّ الشاحنات التي تُقلّ على متنها إمدادات الوقود والغذاء للجيش الفرنسي، قد عادت أدراجها، بينما بقيت المدرعات والدبابات مكانها في انتظار فتح الطريق لها.

ومن جانبه، ناشد وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، السلطات البوركينية الوساطة لمنع المحتجّين من تعطيل المهمة العسكرية الفرنسية في الساحل، قائلاً في تصريح إعلامي: "إنّ محرّضين يُثيرون المشاعر المناوئة لفرنسا، وقد أوضحنا للرئيس روك كابوريه أننا نودّ أن يجد حلاً للوضع القائم في كايا وأعتقد أنه سيجد الحل".

واستمرت المناوشات والاحتجاجات طيلة أيام متواصلة، ومع محاولة المحتجين الاقتراب من قوافل الإمدادات، أطلقت القوات الفرنسية وقوات الشرطة البوركينية طلقات تحذيرية، وتزعم العديد من المصادر أن الطلقات أسفرت عن إصابة 4 أشخاص من المدنيين، فيما نفى الجانب الفرنسي ذلك.

وازداد الوضع سوءاً، بعد الهجوم المسلّح الذي شنّته الميلشيات المسلحة الذي أسفر عن مقتل نحو 19 عنصراً من "كتيبة للدرك" في إيناتا، بالقرب من منجم للذهب، ومدني، كحصيلة أولية للهجوم، وفق ما أعلنه وزير الأمن البوركيني، ماكسيم كون، حيث قال في تصريح رسمي: "تعرّضت مفرزة من قوات الأمن لهجوم خسيس وهمجي هذا الصباح. صمدوا في موقعهم، وعُثر أيضاً على 22 عنصراً على قيد الحياة". فيما أكدت العديد من المصادر الأمنية في وقت لاحق أن عدد القتلى ارتفع إلى نحو 30 فردا.

كما هو الحال في مالي، كانت تنحية كابوري نتيجة الاستياء المتزايد بين قوات الأمن، بسبب إخفاقه المزعوم في تقديم الدعم الكافي لهم لمواجهة المسلحين المرتبطين بكل من القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، وجرى الإبلاغ عن تمردات في العديد من معسكرات الجيش في العاصمة واغادوغو وبلدتي كايا وواهيغويا الشماليتين. وجاءت الاضطرابات بعد شهور من الاحتجاجات المناهضة للحكومة والمطالبة باستقالة الرئيس.

تنشيط الأعمال الإرهابية
آزدادت الأوضاع الأمنية في البلد اهتراء، وخصوصا بعد الاستيلاء على السلطة من قبل عناصر الجيش، وخروج التظاهرات المطالبة برحيل التواجد العسكري الفرنسي. كل ذلك أعطى إشارة للقاعدة وداعش بالتقاط الضوء الأخضر بالبدء في مهاجمة المراكز الحيوية واستهداف العناصر السياسية والنشطة، وكانت البداية لتنفيذ العمليات الإرهابية قد بدأت في عام 2015، وتسببت بمقتل أكثر من 2000 شخص، وأجبرت 1.5 مليون نسمة على ترك منازلهم، ووفقا لتقديرات الأمم المتحدة، أن الهجمات الإرهابية التي طالت المجتمع، تسببت في اغلاق المدارس في أجزاء كبيرة من البلاد، واستمرارها يشكل خطورة كبيرة على الطلاب. ومن هنا تراجعت ثقة الشعب في إدارة الرئيس للأزمة الأمنية بشكل حاد، بعد هجوم في قرية سولهان الشمالية في يونيو 2021، وقتل أكثر من 100 شخص في الهجوم الذي ألقي باللوم فيه على متشددين عبروا الحدود من مالي، وقد أثار هجوم سولهان احتجاجات المعارضة في العاصمة، مما أجبر كابوري على إجراء تعديل في حكومته، وتعيين نفسه وزيرا للدفاع. كما أدى هجوم آخر على قاعدة إيناتا العسكرية الشمالية في نوفمبر 2021 إلى ازدياد حدة الغضب تجاه الحكومة، وخصوصا بعد العملية الهجومية على قوات الأمن الذي أسفر عن مقتل أكثر من 50 عنصراً من قوات الأمن، وذكرت تقارير أن القاعدة بعثت برسالة استغاثة تطلب فيها حصصا غذائية، ومعدات إضافية قبل أسبوعين من الهجوم، لكن تلك المساعدات لم تصل أبدا. وأقال الرئيس حكومته إثر الهجوم، وعيّن رئيس وزراء، ووزير دفاع جديدين قبل محادثات المصالحة الوطنية مع المعارضة.

وأثار الجهاديون أيضا توترات طائفية بين المجتمعات المسيحية والمسلمين التي كانت موجودة سابقا ومتعايشة بشكل سلمي في بوركينا فاسو. واستفاد المتطرفون، من هذا الوضع الأمني المهترئ، وحالة شبه غياب الدولة، ونقص الدعم الإنساني، الأمر الذي تسبب في إحداث تصدعات، وشروخا مجتمعية وانقسامات ضعيفة هوشة، وعرضة للتجنيد، كما قوض الوجود المسلح المشاركة السياسية.

في عام 2020، لم يتمكن الناخبون الذين فروا من منازلهم في أجزاء من الشمال والشرق من المشاركة في الانتخابات الرئاسية التي أعيد فيها انتخاب كابوري وحصل على نسبة 58 في المائة من الأصوات. وقد أدى ضغط المتشددين على المجتمعات إلى تنامي السخط العام خلال الولاية الثانية للرئيس.

تدهور العلاقات

مع تدهور الوضع الأمني، تراجعت شعبية فرنسا هناك وبدأت الاحتجاجات الشعبية تطالب بخروجها بوصف انتشارها شكلاً من أشكال الاستعمار القديم، حيث تظاهر المئات في وسط واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو، ورددوا شعارات مناهضة لفرنسا، ورفعوا لافتات تدعو الجيش الفرنسي إلى الخروج من البلاد، كما أشعل بعض المتظاهرين النار في أعلام فرنسا أو استخدموها لجمع القمامة.

وبحسب وكالة رويترز، فإن مظاهرات تمثل أحدث تعبير عن السخط والتذمر الغضب الشعبي، وتنامي المشاعر الوطنية المناهضة للسياسة الاستعمارية الفرنسية، التي تسببت في إغراق البلد بالأزمات في ظل إنعدام أي توجه للدولة لإنقاذ البلاد من أوضاعها الاقتصادية المزرية، بالإضافة إلى سياسة الاستعمار الفرنسي الذي يكرس بقاء هذه الأوضاع المأساوية، في ظل نشاط جماعة الإرهاب السياسي، وتدجينها، وتفقيسها لمد أنشطتها على مستوى القارة وخارجها، وهي في نفس الوقت توفر ظروف ومناخات مواتية للوجود الفرنسي الذي يتخذ منها ذريعة لمحاربتها، بينما ما يحدث هو عكس ذلك، فهذه العناصر المتطرفة على تنسيق مع الاستخبارات الفرنسية، وعلى علاقة في توجيه أنشطتها في بوركينا فاسو، وفي الدول الواقعة في غرب أفريقيا، والتي تعاني بسبب حركات التمرد ضد السلطات الحاكمة المتعاونة مع الاستعمار الفرنسي.

تقول رويترز إن بعض التوتر نابع من تصورات بأن الوجود العسكري الفرنسي في بوركينا فاسو لم يؤد إلى تحسين الأمن، علما بأن حشودا غاضبة سبق أن استهدفت مقرات السفارة الفرنسية، والمركز الثقافي الفرنسي، إضافة إلى قاعدة عسكرية فرنسية في بوركينا فاسو.. وأوقفت السلطات بث "راديو فرنسا الدولي" في ديسمبر بسبب تقارير قالت إنها كاذبة، وإنها أعطت صوتا لمتشددين إسلاميين، كما طلبت الحكومة في وقت سابق من هذا الشهر استبدال سفير فرنسا الحالي في واغادوغو.

ولدى فرنسا نحو 400 جندي من القوات الخاصة في بوركينا فاسو، والمعلن أنهم هناك لمساعدة القوات المحلية في محاربة التيارات الإسلامية المتطرفة، وتنتشر هذه القوات عبر منطقة الساحل الأفريقي وفي مالي منذ العقد الماضي.
بدورها، تقول وكالة الصحافة الفرنسية إن المظاهرات خرجت بناءً على دعوة تجمّع القادة الأفارقة الذي يجمع المنظّمات المؤيّدة لإبراهيم تراوري، الضابط الذي يتولّى السلطة منذ نهاية سبتمبر الماضي، حيث تعاني البلاد، على غرار عدد من البلدان المجاورة، عنفَ الجماعات المسلحة التابعة لـ"القاعدة" وتنظيم "داعش"، الأمر الذي تسبّب، منذ عام 2015، بمقتل آلاف الأشخاص ونزوح نحو مليوني شخص.
الموقف الروسي

على الرغم من الموقف الروسي المعلن برفض الانقلاب في بوركينا فاسو، إلا أنها من غير المستبعد أن تستثمر سياسياً وأمنياً في هذا البلد المغلق جغرافياً.
يقول أليكسي زايتسيف، نائب مدير إدارة الإعلام بالخارجية الروسية: "ننطلق من موقف مبدئي يتعلق بعدم قبول التصرفات غير الدستورية لتغيير السلطة، وندعو إلى إطلاق سراح رئيس البلاد كابوري فوراً، وكذلك العودة العاجلة إلى الحكم المدني في هذه الدولة". وبالنظر إلى تجارب سابقة في مالي، فإن موسكو وقفت إلى جانب الانقلابيين، رغم موقفها "المبدئي" برفض الانقلابات.

ومع إقرار فرنسا بفشلها في القضاء على الجماعات الإرهابية في شمال مالي، وتمددها في دول الساحل الإفريقي، وبداية توغلها في دول خليج غينيا عبر بوابة بوركينا فاسو، فليس من المستبعد أن يلجأ الانقلابيون في واغادوغو إلى الاستعانة بروسيا في مواجهة التهديد الوجودي الذي تمثله الجماعات الإرهابية في البلاد. إذ توفر موسكو للدول الإفريقية أسلحة وذخائر متنوعة بأسعار وشروط أقل بكثير من تلك التي تقدمها الدول الغربية، لطالما وقف الاتحاد السوفيتي إلى جانب شعوب المنطقة في التحرر من الاستعمار الفرنسي، ودعمها في مرحلة الاستقلال، قبل أن يتراجع هذا النفوذ مع نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي السابق.

تراجع الدور الفرنسي في الساحل

بعد أن قررت هيئة الأركان العامة الفرنسية، الصيف الماضي، خفض عدد قواتها العسكرية الموجودة في الساحل الإفريقي، تراجعت عن ذلك لاحقاً وقررت إعادة نشر قواتها من مالي إلى النيجر، منذ 16 نوفمبر الماضي، خاصة وأنّها أصبحت تواجه تهديداً حقيقيا مع دخول موسكو إلى جانب عدة قوى أخرى على الخط، كلاعب إقليمي منافس لها. ولم يلقَ القرار الفرنسي ترحيباً من غالبية الأفارقة المعارضين للدور الفرنسي في إفريقيا، وتقدّمت بذلك القوافل العسكرية الفرنسية على أرض من حِمم الغضب الشعبي المتنامي، خاصة وأن فرنسا، التي أطلقت حملتها العسكرية في الساحل الإفريقي منذ عام 2014، لمحاربة التنظيمات الإرهابية، قد فشلت في ذلك وعمّقت الأزمة الأمنية والسياسية لهذه الدول، علاوة على الاستنزاف المستمر لما تزخر به من ثروات وموارد.

وبدأ في الأثناء الدور الفرنسي يتآكل تدريجياً، خاصة مع التحفّظات الأمريكية على التدخل الفرنسي في إفريقيا، وعدم منح مجلس الأمن التفويض المطلق للعمليات العسكرية في القارة السمراء.
وباتت فرنسا تتأرجح بين إعادة تنظيم القوات، وخفض عددها وفقاً لاستراتيجية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أو بالحفاظ على موطئ قدمها التقليدي في هذه المنطقة التي بدأت تنازعها روسيا.

توجه بوركينا نحو روسيا

هناك عدة أسباب تفسر اتجاه بوركينا فاسو لتعزيز تقاربها مع روسيا والاستعانة بفاجنر في دعم قدراتها الأمنية، والتي يمكن عرضها على النحو التالي:

1- تصاعد التهديدات الإرهابية: إذ تعاني بوركينا فاسو تهديدات إرهابية متزايدة، منذ عام 2015، والتي أسفرت عن مقتل آلاف الأشخاص، ونزوح نحو مليونين من منازلهم، كما أصبح قرابة نصف مساحة الدولة خارج سيطرة الحكومة المركزية. وشهدت بوركينا فاسو خلال الأشهر الأخيرة تصاعداً كبيراً في وتيرة الهجمات الإرهابية، ففي أكتوبر 2022، تعرض معسكر "جيبو" إلى هجوم إرهابي، أسفر عن مقتل أكثر من 10 جنود من القوات البوركينية، وهو ما دفع السلطات في واجادوجو إلى البحث عن دعم موسكو لمواجهة هذه التهديدات المتزايدة، وهو ما عززته الزيارة غير المعلنة لرئيس الوزراء البوركيني، أبولينير دي تامبيلا، إلى روسيا، قبل أسابيع قليلة.

2- توتر العلاقات مع فرنسا: تنامت التوترات بين بوركينا فاسو وباريس خلال الأشهر الأخيرة، وبلغت حدتها في ديسمبر 2022، على خلفية طلب واجادوجو استبدال السفير الفرنسي لديها، لوك هالادي، وهو ما رفضته باريس، فضلاً عن قرار المجلس العسكري في الشهر ذاته، بتعليق عمل راديو فرنسا الدولي، بعد اتهامات وُجهت للمحطة ببث رسائل ترهيب لزعيم إرهابي.

وعلى الرغم من التوترات المتزايدة بين واجادوجو وباريس، فإن الأخيرة تبدو غير مستعدة للتخلي بسهولة عن نفوذها هناك، وهو ما انعكس في زيارة وزير الدولة الفرنسية للتنمية والفرنكفونية والشراكات الدولية، كريسولا زاكاروبولو، إلى بوركينا فاسو، في 10 يناير 2023، حيث اجرت مباحثات مع تراوري، وأكدت زاكاروبولو في أعقاب الزيارة إلى أن بلادها تظل شريكاً ثابتاً لبوركينا فاسو، وأنها ستستمر في تقديم الدعم للحكومة البوركينية في حربها ضد الجماعات الإرهابية، بيد أنه لم تصدر تصريحات رسمية عن السلطات في بوركينا فاسو بشأن موقفها من استمرار الانخراط الفرنسي.

3- تنامي العداء لباريس: شهدت الأسابيع الأخيرة زيادة حدة الغضب الشعبي في الداخل البوركيني من الوجود الفرنسي في البلاد
4- انقسامات داخل الجيش: رصدت تقارير غربية وجود انقسامات حادة داخل الجيش البوركيني بين الرتب المتوسطة، التي ينتمي لها تراوري، وكبار الضباط، والذين أيدوا الانقلاب العسكري الذي قاده الأخير، في سبتمبر الماضي 2022.

وتشير تقارير غربية إلى أن تراوري بات عرضة لسخط كبار الضباط في الجيش البوركيني واحتمالات اتخاذ خطوات تصعيدية ضده، إذ لم يتمكن من تحقيق نجاحات سريعة في مواجهة الجماعات الإرهابية، التي تتقدم بشكل مضطرد باتجاه العاصمة واجادوجو.


تداعيات إقليميه ودولية

يلاحظ أن هناك تداعيات إقليمية محتملة قد تترتب على استعانة واجادوجو بشركة فاجنر الروسية شبه العسكرية، وهو ما يمكن عرضه على النحو التالي:

1- توتر محتمل مع غانا: قد تفضي استعانة واجادوجو بعناصر فاجنر إلى تأجيج التوتر مع غانا، لاسيما في ظل تخوف الأخيرة من امتداد الاضطرابات الأمنية في بوركينا فاسو إلى الداخل الغاني، على الرغم من إشارة بعض التقديرات إلى أن واغاودوغو تتجه للاعتماد على عناصر فاجنر في المناطق الشمالية والشرقية من البلاد، والتي تعاني بشكل كبير من التهديدات الإرهابية، ومن ثم سيكون وجود هذه العناصر بعيدةً عن الحدود الشمالية لبوركينا فاسو والمتاخمة لغانا.

2- تصعيد الإيكواس ضد واجادوجو: قد تشهد الفترة المقبلة تصعيداً من قبل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "الإيكواس" تجاه بوركينا فاسو، بسبب تقاربها من روسيا، واتجاه واغادواغو للاعتماد على عناصر فاجنر، وربما يعزز هذا الطرح زيارة رئيس غينيا بساور والرئيس الحالي لمجموعة الإيكواس، أومارو سيسكو إمبالو، إلى وغاداوغو، في 11 يناير 2023، حيث التقى خلالها بتراوري.
ولوّح إمبالو بدعم الإيكواس لجهود بوركينا فاسو في مواجهة التهديدات الارهابية المتزايدة، في محاولة لتجنب انزلاق بوركينا فاسو نحو موسكو، وبالتالي من المتوقع أن تلجأ الإيكواس إلى فرض عقوبات ضد واجادوجو، إذا ما تبين أن جهودها السابقة لم تثن الأخيرة عن الاستعانة بعناصر فاجنر، وبالتالي ربما تشهد اجتماعات الكتلة الإقليمية المقبلة فرض مزيد من العقوبات على واجادوجو.

3- تصاعد التنافس الروسي – الغربي: يرجح أن تشهد الفترة المقبلة تعزيز الحضور الروسي في واجادوجو، إذ إن الزيارة غير المعلنة لدي تامبيلا، إلى موسكو، مطلع ديسمبر 2022، ضمت وفداً مكوناً من 12 مسؤولاً رفيع المستوى، وقد عبر هذا الوفد من خلال مالي، حيث رافقهم خلال الزيارة إلى روسيا مجموعة ضباط رفيعي المستوى من مالي، وهو الأمر الذي يعني تشكيل تكتل إقليمي موالٍ لموسكو، يضم مالي وبوركينا فاسو، مع عدم استبعاد انضمام المزيد من الدول مستقبلاً، لاسيما غينيا، والتي بدأت بوركينا فاسو خلال الأيام الأخيرة في التفاوض معها بشأن الحصول على تسهيلات لاستخدام ميناء كوناكري.
4- انسحاب فرنسي محتمل: على الرغم من سعي باريس، حتى الآن، للاحتفاظ بوجودها في واجادوجو، بيد أن هناك تقارير فرنسية أشارت إلى وجود مباحثات جارية داخل الحكومة الفرنسية بشأن انسحاب القوات الخاصة الفرنسية الموجودة في بوركينا فاسو، وهو ما قد يعيد تكرار سيناريو مالي مرة أخرى، ويكشف عن استمرار تراجع الدور الفرنسي في المنطقة.
وخلاصة القول فإن منذ عام 2015، أعلنت روسيا نيتها إقامة قواعد عسكرية في 6 دول إفريقية، وهي مصر والسودان وإريتريا وموزمبيق ومدغشقر وإفريقيا الوسطى، بالإضافة إلى مالي وغينيا، حيث يُذكر أن هاتَين الدولتَين كانتا حليفتين للاتحاد السوفيتي إبّان الحرب الباردة في غرب إفريقيا.
الظاهر أن موسكو تعمل على التغلغل في البلد الإفريقي، ففي أعقاب الانقلاب العسكري الذي شهدته مالي في أغسطس/ آب 2020، تصاعدت مؤشرات النفوذ الروسي التي ظهرت بشكل جلي في تظاهرات باماكو، حيث رفعت الحشود شعارات داعمة لموسكو والرئيس فلاديمير بوتين، فضلًا عن رفعهم للأعلام الروسية، وهذا ينم عن مطالبة شعبية لمساعدة روسية للقضاء على الجماعات الإرهابية التي ترعاها الولايات المتحدة، وفي ذات الوقت لمساعدة بوركينا فاسو في بناء الدولة وتحقيق التنمية الاقتصادية ...!

 

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء