أجندة نُشر

الوقود الروسي يغري باكستان لإدارة ظهرها للغرب

عرب جورنال / أنس القباطي -

دفعت المعضلة الاقتصادية التي تواجهها باكستان حكومة شهباز شريف للتوجه نحو روسيا للحصول على الوقود الروسي، آملا في ان يؤدي  لتخفيف ازمة الطاقة التي تعيشها البلاد.

الوقود الروسي يغري باكستان لإدارة ظهرها للغرب

وقال نائب وزير الطاقة الروسي، سيرجي موخالنيكوف إن "باكستان التي تشتري النفط والغاز الروسي ستدفع بعملات الدول الصديقة وليس بالدولار"، لافتا الى أنه سيبدأ تسليم النفط والغاز الروسي إلى باكستان في نهاية مارس/آذار 2023 ، موضحا انه تم الانتهاء من جميع الأعمال التحضيرية، بما في ذلك الموافقات.

ويعد تحديد عملة البيع مؤشر على أن هيمنة الدولار على الاقتصاد الدولي، قد بدأت بالتراجع، وان العالم يتجه نحو تكتلات اقتصادية تدير عمليات البيع والشراء بسلة من العملات المختلفة، وهو ما يعني ان سلة عملات رسمية واحتياطية سيتم التعامل بها مستقبلا، وستحدد قيمة كل عملة بقوة اقتصاد البلد وضعفه.

والجمعة 20 يناير/كانون ثان 2023 أفاد بيان مشترك بأن موسكو وإسلام آباد اتفقتا بشأن إمدادات النفط والغاز من روسيا إلى باكستان، على أن يتم الانتهاء من الاتفاقية في موعد أقصاه مارس/آذار 2023. وصدر البيان في ختام اجتماع للجنة الحكومية الروسية الباكستانية حول التعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والفني، وأكد أن "الجانبين بعد التوصل إلى اتفاق مبدئي بشأن التفاصيل الفنية اتفقا على توريد النفط والغاز الروسي إلى باكستان، وان يتم ذلك على أساس المصالح الاقتصادية المشتركة وأن تستكمل عملية التوافق النهائي بموعد أقصاه نهاية مارس/آذار 2023".

وهذا يعني ان باكستان قد بدأت تيمم وجهها صوب روسيا، وتدير ظهرها للغرب، الذي ظلت تدور في فلكه خلال القرن الماضي، ما يعني ان حالة الاستقطاب التي يشهدها العالم ستكون اكثر نشاطا في القارة الأسيوية، والتي يرشحها اقتصاديون لان تكون مركز اقتصادي نظير للمركز الاقتصادي الغربي.

وبدأ التقارب بين روسيا وباكستان بشكل لافت قبل 7 أعوام، عندما اتفقت حكومتي البلدين على تنفيذ مشروع السيل الباكستاني لانابيب نقل الغاز في اكتوبر/تشرين أول 2015، وقضت الوثيقة الموقعة حينها باستخدام المواد والتكنولوجيا والخدمات الروسية لتنفيذ المشروع.

وتعاني باكستان من ازمة اقتصادية حادة، وتعلق آمالها على النفط الروسي الرخيص، حيث تعتقد الحكومة الحالية ان ذلك سيكون طوق النجاة للبلاد، بعد ان فرض عليها صندوق النقد الدولي إلغاء الدعم عن الوقود كشرط أساسي لإحياء برنامج القرض المتعثر. وترى الحكومة الباكستانية ان النفط والغاز الروسي سيؤمن إمدادات رخيصة بعد رفع الدعم استجابة لشرط صندوق النقد الدولي.

والى جانب استيراد الوقود تتجه الحكومة الباكستانية لاستيراد المنتجات الغذائية من روسيا، واكدت ذلك وزارة الخارجية الباكستانية عندما قالت ان الحكومة تتبع "سياسة منفتحة"، مدفوعة بالمصلحة الوطنية لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية، بعد اعلانها في 26 مايو/آيار 2022، رفع أسعار المشتقات النفطية بمقدار 30 روبية (0.15 دولارا أميركيا) للتر الواحد.

ولحقت باكستان جارتها وخصمها اللدود الهند في استيراد الوقود الروسي، حيث استوردت نيودلهي الخام الروسي بخصم يتجاوز 30 دولارا للبرميل، وفي ذلك مؤشر ان روسيا تمكنت من ايجاد اسواق بديلة لوقودها عن الاسواق الاوروبية، وان الاسواق الاسيوية الواسعة ستكون بديلا للاسواق الاوروبية، وهو ما يعني ان موسكو تمكنت من اختراق جدار العقوبات الغربية، وهو ما سيساعد اقتصادها على تجاوز جزء من المعضلة التي سببتها العقوبات الاقتصادية الغربية.

ويرى محللون ان المرونة التي ابدتها موسكو في بيع وقودها سيساهم في جذب كثير من الدول لسوق الطاقة الروسي نتيجة الأسعار التنافسية والبيع بالعملات المحلية والمردود الاقتصادي المشجع لنمو الصناعات في البلدان المستوردة والتي سيجعل أسعار منتجاتها تنافس بقوة المنتجات الغربية من حيث القيمة. كما ان الأسعار الرخيصة والبيع بعملة البلد سيجعل البلدان التي تعيش حالات صراع تلتقي عند منشأ واحد للوقود، وهو ما سيمكن روسيا من لعب دور ريادي في الوصول الى تقارب بين تلك الدول، ما سيعيد لروسيا دورها الريادي كقوة دولية حاضرة في ملفات الصراع الساخنة، كما هو الحال في ملف الصراع الهندي الباكستاني حول اقليم كشمير.

وتفيد منصات اعلامية اقتصادية ان حكومة شهباز شريف تتطلع الى استيراد نحو 100 ألف برميل يوميا من النفط الروسي، وفي حال تمت مواءمة مصافي النفط الباكستانية لمعالجة النفط الروسي المخلوط، فإن الكمية المستوردة من روسيا ستزيد، وهو ما يشجع البلاد لاعادة تصدير النفط المصفى، على غرار ما تقوم به جارتها الهند، والتي تفيد تقارير صحفية اقتصادية ان نيودلهي بدأت باعادة تصدير النفط الى الغرب، وحسب تلك التقارير اصبحت الولايات المتحدة الامريكية واحدة من المشترين الرئيسيين للنفط الروسي، عبر الهند، مشيرة الى هذا النفط من الدرجة الروسية، ولا يمكن

للأمريكيين شراؤه مباشرة بسبب العقوبات المفروضة على روسيا. وتشتري الهند الآن حوالي 20٪ من إجمالي النفط الروسي المُصد،ر وتبيع النصف إلى الولايات المتحدة. وتقول مصادر صحفية ان الولايات المتحدة تشتري 10٪ من إجمالي النفط الروسي، عبر الهند، فيما النصف الثاني من النفط الهندي، أو بالأحرى المنتجات منه، تسترده أوروبا بالكامل تقريبا. ما يعني ان الولايات المتحدة مستفيدة من اعادة بيعها للنفط الروسي المشترى من الهند، والذي تبيعه بأسعار مرتفعة لاوروبا، وهو ما يزيد من التضخم في الغرب، بسبب ارتفاع تكاليف النقل وفوائد المشترين (الوسطاء).

وتنظر باكستان لمشروع السيل الباكستاني للغاز او ما يعرف بباكستان ستريم بأنه أحد المشروعات التي تستهدف من خلاله دعم صادرات الغاز الروسي إليها، بمقتضى الاتفاقية المبرمة بين حكومتي البلدين في أكتوبر/تشرين أول2015، وتبلغ قيمته 3 مليارات دولار، وبالمقابل تسعى روسيا لبدء تنفيذ المشروع، حيث تحركت فعليا لإنجاز مشاركتها فيه بحصة من الأسهم، لما له من اهمية في الوقت الحالي لتعويض جزء من ايرادات الخزينة الروسية التي تراجعت ايراداتها بسبب تفجير انابيب سيل الشمال 1 و 2 في بحر البلطيق، والتي كانت تنقل الغاز الروسي إلى اوروبا.

 وترى الحكومة الباكستانية بقيادة شهباز شريف ان نجاح صفقة استيراد الوقود من روسيا منجزا سيساهم في تحسن وضع اقتصاد البلاد، نظرا لأن واردات الوقود تمثل الحصة الأكبر من فاتورة واردات البلاد، حيث تكافح باستماتة لإعادة التوازن إلى ميزان المدفوعات، الذي تفاقمت أوضاعه بسبب تناقص احتياطيات النقد الأجنبي، فلم تعد البلاد قادرة على شراء الغاز الطبيعي المسال من السوق العالمية بسبب عدم القدرة على مواكبة الأسعار المتصاعدة، في حين تبقى الشحنات التي تستوردها بموجب اتفاقيات طويلة الأجل غير كافية لتلبية مستويات الطلب المحلي المتزايدة، ومع تناقص احتياطي الغاز في البلاد، شرعت حكومة شريف لتقنين استخدامه، فقد قصرت الاستخدام على الوحدات السكنية والمستهلكين التجاريين، وهذه المعضلة المقلقلة للحكومة الباكستانية ساهمت في توجهها للحصول على الوقود الروسي ذو السعر المناسب.

ومما سبق يمكن القول ان الوقود الروسي بأسعاره المناسبة ومرونة دفع قيمته سيساهم في تغلغل روسيا في الاسواق الأسيوية، ما سيمكنها من رفد خزينتها بموارد بديلة ستساعدها في اختراق جدار العقوبات الغربية، وهو ما سيعطيها دور مؤثر في القارة ذات الثقل السكاني الاكبر في العالم، كما ان الوقود الروسي سيساهم في تطور الاقتصاديات الاسيوية وجعلها منافسا للاقتصاديات الغربية، وصولا الى جعل القارة الأسيوية مركز ثقل اقتصادي كبير يجذب الاستثمارات من مختلف قارات العالم. وفي حال تمكنت باكستان بعد اتمام صفقة الوقود الروسي من تحقيق نتائج ايجابية تغير من وضع اقتصادها بشكل ايجابي؛ فإن ذلك سيكون منطلقا لدول أخرى تقارب مشاكلها الاقتصادية المشكلة الباكستانية للتوجه نحو استيراد الوقود الروسي.

 

Anas770879893@gmail.com

 

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء