أجندة نُشر

الحرب الروسية الأوكرانية.. خسائر على ( أوروبا ) فوائد لـ ( أمريكا )

عرب جورنال / عبدالسلام التويتي -

منذ ظهور الولايات المتحدة الأمريكية التي تأسست عام ١٧٧٤م قوةً دولية مؤثرة لا سيما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥ وبعد تأسيس حلف شمال الأطلسي ذي الطابع الدفاعي عام ١٩٤٩ الذي تعتبر أبرز مؤسسيه وصارت لها الكلمة الفصل بكل ما تعتمل فيه، اعتبرتها دول أوروبا لا سيما الغربية الحليف الأشدَّ موثوقية، وصارت تعتمد عليها اعتمادًا شبه تام في مختلف جوانب الحياة، حتى لقد أصبح لها اليد الطولى في رسم سياسة الإعلام.

الحرب الروسية الأوكرانية.. خسائر على ( أوروبا ) فوائد لـ ( أمريكا )

وفي نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي سارعت دول أوروبا الشرقية هي الأخرى للانضواء تحت قبعة «العم سام»، وفتحت أراضيها -شأنها شأن دول أوروبا الغربية- لإنشاء القواعد الأمريكية، فصارت جميعها -بلا استثناء- قواعد أمريكية متقدمة ضد روسيا التي خرجت من الحرب الباردة شبه منهزمة.

لكن بالرغم من إيلاء دول أوروبا  حليفتها أمريكا هذه الثقة العمياء، فإن واشنطن تقدِّم -غالبًا- المصالح الأمريكية على ما يربطها بقارَّة أوروبا أو أيٍّ من دولها -بما في ذلك «الأطلسية»- من اتفاقات ذات مضامين تشاركية حتى لو كانت -بالنسبة للحلفاء- في أوروبا مصيرية، وأبرز مثالين على إغراق المواقف الأمريكية في الأنانية حادثة إبطالها صفقة الغواصات الفرنسية، واستثمارها -بمنتهى الأنانية- معاناة دول القارة العجوز الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية التي ما تزال سارية الاشتعال.

 

الحرب وآثارها السلبية على الاقتصادات الأوروبية

بالرغم من أن أوروبا تعتمد -منذ عقود زمنية- على روسيا بتزويدها بنسبة كبيرة من احتياجاتها من مصادر الطاقة وبالذات الغاز الذي تجاوزت نسب اعتماد بعض الدول على الغاز الروسي في المقام الأول -بحسب ما ورد في سياق التقرير الإخباريّ المعنون [خسائر أوروبا من الحرب الروسية بأوكرانيا تتجاوز تريليوني دولار] الذي نشره موقع «العربي الجديد» في الـ٩ مايو الماضي- (الـ ٩٠٪ بالنسبة لفنلندا ولاتفيا، بينما وصل إلى ٨٩٪ بالنسبة إلى صربيا. أما بلجيكا فبلغت نسبة تبعيتها للغاز الروسي ٧٧٪، وألمانيا ٤٩٪، وإيطاليا ٤٦٪، وبولندا ٤٠٪، أما فرنسا فوصلت النسبة إلى ٢٤٪، وقد كانت تشتريه -بسبب سهولة نقله بالإضافة إلى ما كانت روسيا تمنح الدول الأوروبية من امتيازات تفضيلية- بأسعار منخفضة، بيد أنَّ دول أوروبا انساقت -بغباء- وانضمت إلى ركاب أمريكا وشاركتها في فرض العقوبات على روسيا وإحكام ما تريد واشنطن إحكامه حولها من حصار متجاهلة فداحة ما ستلحقه بنفسها من أضرار يتصدرها ضرر فارق الأسعار الذي أشار إليه الصحفي «طه العاني» -في مكانٍ ما من تقريره الإخباريّ المعنون [مع استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا.. ما مستقبل الاتحاد الأوروبي؟] الذي نشره في موقع «الخليج أونلاين» يوم الأربعاء الموافق الـ٧ من سبتمبر الماضي- (وعلى النقيض أثبتت العقوبات ضعف الاتحاد الأوروبي واعتماد دوله الكامل على روسيا، وكأنها فرضت عقوباتٍ على نفسها بحرمانها من الغاز الروسي الرخيص الثمن).

ولم يقتصر الضرر الذي لحق بأوروبا على ارتفاع كلفة توفير سلعة الغاز الذي كان إنجازًا أوروبيًّا بامتياز، بل لقد بدأت تظهر منذ أكثر من ٦ أشهر بوادر ضرر كساد الاقتصاد وارتفاع معدلات التضخم إلى مستوى مؤلم، فقد تناولت ما ترتب على هذا المتغير الأخطر من فادح الأثر وسائل إعلام كُثُر من تلك الوسائل -على سبيل المثال- موقع «الحرة» الذي استهلَّ تقريره التحليلي المعنون [الحرب الروسية تضرب اقتصاد الاتحاد الأوروبي وتزيد معدلات التضخم] الذي نشر بتأريخ ١٤ يوليو الماضي بما يلي: (من المتوقع أن تؤدي الحرب الروسية في أوكرانيا إلى ”إفساد جهود الانتعاش الاقتصادي للاتحاد الأوروبي في المستقبل المنظور“، مع انخفاض النمو السنوي وتسجيل تضخم قياسي.

وحددت الأرقام الصيفية لمنطقة اليورو التي تضم ١٩ دولة أنَّ التضخم سيصل إلى متوسط ٧.٦٪ هذا العام، وهي زيادة كبيرة عن التوقعات السابقة البالغة ٦.١٪ الشهر الماضي.

وارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة ٨.٦٪ عن العام السابق، وتراجعت توقعات النمو الاقتصادي بمقدار 0.1 نقطة إلى ٢.٦٪ لهذا العام، وهو انخفاض كبير عن نمو العام الماضي بنسبة ٥.٣٪

وقال نائب رئيس الاتحاد الأوروبي «فالديس دومبروفسكيس»: إن ”حرب روسيا ضد أوكرانيا لا تزال تلقي بظلالها على أوروبا واقتصادنا“.

وأدت الحرب إلى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء ممَّا أدى إلى ”ارتفاع معدل التضخم وأثقل كاهل النمو الاقتصادي وثقة المستهلك“).

 

وضع أوروبي مؤسف ينبئ بتبايُن المواقف

بالإضافة إلى عامل الجوار هناك عوامل عدَّة جعلت تبعات الحرب الروسية الأوكرانية على الدول الأوروبية متفاوتة في الشدَّة، وقد أشير إلى ذلك التفاوت الملفت -منذ أكثر من ٨ شهور- في سياق المقال الاقتصادي المعنون [الحرب في أوكرانيا تسفر عن اثني عشر اضطرابًا ستغير وجه العالم] الذي اشترك في كتابته «أوليفيا وايت» وآخرون ونشره «mckinsey.com» في الـ٩ من مايو الماضي- على النحو التالي: (أسفرت الحرب عن نزوح أكبر عدٍد من اللاجئين في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، حيث شهدنا فرار ٥.٦ لاجئ خارج أوكرانيا، في حين هاجر ٧.٧ مليون آخرين من منازلهم بحثًا عن الأمان في مناطق أخرى ضمن الدولة، مما يعني أن الحرب أدت إلى نزوح ٣٠٪ من الشعب الأوكراني.

وتعمل الدول المجاورة وغيرها على تقديم المساعدات لأوكرانيا، حيث استقبلت بولندا على سبيل المثال، التي تُعد تجمّعًا كبيرًا للوافدين الأوكرانيين، معظم اللاجئين الذين بلغ عددهم ٣ ملايين لاجئ تقريبًا، أي ما يعادل ٨٪ من تعداد سكانها خلال فترة شهرين وأكثر بنحو ٤٥ مرة من التدفق السنوي الطبيعي للمهاجرين. كما استقبلت سلوفاكيا أكبر عدد من اللاجئين من حيث الحجم والتدفق مقارنةً بالمتوسط التأريخي السنوي للمهاجرين، بمعدل يفوق التدفق السنوي بنحو ١٠١ مرة).

وقد بدأت بعض الدول -بعد وصولها إلى حالة عدم القدرة على التحمل- تتململ، وتوشك أن تتحول في موقفها عن الإجماع الأوروبي حيال الحرب الروسية الأوكرانية التي كلفتها من الأعباء ما لم تكن تتخيل، وهذا الشأن -هو الآخر- شأن متداول وقد أشير إليه -في مستهل التقرير الخبري المفصل المعنون [بوتين يراهن على بذور الخلافات بين الأوروبيين لتفتيت اتحادهم] الذي نشر في موقع «ميدل إست أونلاين» يوم الأحد الـ٧ من أغسطس الماضي- على النحو التالي: (توقعت الإيطالية «ناتالي توتشي» المختصة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية ألا تستمر الدول الأوروبية في نفس مواقفها الموحدة إزاء الحرب الروسية الأوكرانية وستنقسم في ما بينها حول أوكرانيا وروسيا مع تزايد الضغوط الاقتصادية لحرب تبدو مكلفة.

وقالت «توتشي» في مقال نشرته في مجلة «فورين أفيرز» الأميركية إن هناك مؤشرات وبذور خلافات بدأت تظهر بين الدول الأوروبية، مضيفة أن تلك الخلافات لن تكون إلا ”مجرد بداية لما سيعقبها من انهيار لوحدتها“.

وخصت بالذكر إيطاليا التي تتزايد فيها المعارضة لتقديم دعم عسكري لكييف خاصة بين الأحزاب الشعبوية الصاعدة في البلاد بعد سقوط الحكومة الائتلافية. إلى جانب تباطؤ ألمانيا بشأن شحنات الأسلحة الموعودة إلى أوكرانيا.

وأشارت إلى أنَّ السياق السياسي العام في أوروبا سيساعد على الانقسام مع صعود التيارات والأحزاب اليمينية والشعبوية التي اكتسبت ديناميكية تمكّنها من المزيد من البروز على حساب قيم الاتحاد الأوروبي ووحدته.

واستعانت «توتشي» بمثاليْ إيطاليا وفرنسا حيث تجد الأحزاب اليمينية والشعبوية أصداء شعبية واسعة عند تبنّيها لخطاب يلقي باللائمة على الحكومات الأوروبية التي ساهمت في تنامي نسب التضخم وانهيار العديد من الصناعات وتدمير سوق الشغل بسبب الإصرار على معاقبة روسيا واعتناق الأجندة الخضراء.

وحذرت من أن الخطر الأكبر من كل ما سبق ذكره يتمثل في عودة الانقسامات الجيوسياسية القديمة وتحديدًا الانقسام بين شرق القارة الأوروبية وغربها.

وتحدثت الكاتبة عن نوع آخر من الانقسامات المتربصة بوحدة القارة الأوروبية ألا وهو الانقسام بين الشمال والجنوب، وهو الانقسام الذي كاد يمزق منطقة اليورو خلال أزمة الديون السيادية في العقد الماضي).

 

بكلِّ تأكيد أمريكا هي المستفيد الوحيد

إنَّ عهدنا بأمريكا أنها -في سبيل أية مصلحة من مصالحها- تفتعل أزمة أو تشعل حربًا دامية غير آبهةٍ بما تلحقه من أضرار عميقة الآثار وبعيدة المدى في مصالح أخلص الحلفاء.

وقد كشفت الشهور الأولى من زمن الحرب الروسية الأوكرانية التي افتعلت «واشنطن» أسباب اشتعالها عن اتسام السياسة الأمريكية بمطلق الأنانية، فعلى الرغم من دفعها أخلص الحلفاء «الدول الأوروبية» إلى مشاركتها ما اتخذته ضدَّ روسيا من إجراءات عقابية تخلت -بموجبها- عن الغاز الروسي بعد أن كانت روسيا المزوِّد الأساسي بكل ما ترتب على ذلك التخلي من ارتفاع فاتورة تلك السلعة إلى الضعفين والثلاثة والأربعة، وبالرغم من اضطلاع تلك الدول -على سبيل الاضطرار- بتحمل جزءٍ كبيرٍ من أعباء دعم أوكرانيا في مواصلة الحرب التي لم تلح لها -بعد- مؤشرات انتهاء، بالإضافة تحمل الشرقية منها أعباء استقبال وتوطين ملايين الأوكرانيين التي ألحقت -بمجملها- أضرارًا بالغةً بالاقتصادات الأوروبية الشرقية منها والغربية، فلم تتردد أمريكا من تحقيق ما أمكن من مكاسب مالية -من مبيعات الأسلحة والنفط والغاز الأمريكيين بالأسعار التي أخذت في الحسبان اضطرار الأوروبيين إلى تينك السلعتين- على حساب اقتصادات أوروبا التي ما كان لها -لولا إغراء أمريكا- أن تشعل حربا، وهذا ما لمس جليًّا من احتواء مقال «عميرة أيسر» المعنون [كيف استفادت أمريكا من الحرب الروسية على أوكرانيا؟] الذي نشره موقع «رأي اليوم» في الـ٧ من نوفمبر الماضي على ما يأتي: (فالحرب الروسية على أوكرانيا التي دفعت أوروبا ثمنها غالياً على كافة الأصعدة والمستويات جعلت من الولايات المتحدة الأمريكية هي المستفيد الوحيد تقريباً منها، حيث تضطر الدول الأوروبية لدفع مبالغ طائلة لأمريكا من أجل شراء مختلف الأسلحة المتطورة التي تقدمها بدورها للجيش الأوكراني)، مثلما يفهم -أيضًا- من إيراد «الجزيرة نت» -في سياق تغطية إخبارية لحوار صحفي أجرته صحيفة «يني شفق» التركية مع الكاتب والعالم السياسي «سليمان سيفي أوغون»- من كلامه ما يلي: (يمكن القول إن استمرار الحرب الروسية الأوكرانية قد أعطى حيوية للاقتصاد العسكري الأميركي، وأنَّ ارتفاع أسعار الطاقة زودها بموارد جديدة، ولهذا السبب هي لا تريد للحرب أن تنتهي).

وكانت «الجزيرة نت» قد استهلت تلك التغطية بالعبارة التالية: (في تقرير لصحيفة «يني شفق» التركية، تحدث الكاتب والعالم السياسي «سليمان سيفي أوغون» عن الولايات المتحدة ومكانتها الدولية وموقفها من الحرب الروسية الأوكرانية، حيث يشهد بأنها المستفيد الأكبر من هذه الحرب).

وفي سياق توكيد هذا المعنى ضمَّن الصحفي «خالد مصطفى» خبره المعنون [خبير سياسات دولية: أمريكا المستفيد الأول من أزمة روسيا وأوكرانيا] الذي نشره في موقع «المصري اليوم» يوم الإثنين الـ٥ من ديسمبر الماضي ما يأتي: (قال الدكتور «أشرف سنجر» خبير السياسات الدولية -خلال استضافته في برنامج «كلام في السياسة» الذي يعرض على فضائية «إكسترا نيوز»-: «إن أمريكا استفادت من الأزمة الروسية الأوكرانية في تسعير البترول، وأنَّ قرارات الأمن تنطلق من واشنطن وليس من أوروبا).

وفي الجولة الإخبارية المعنونة [هل ستكون الولايات المتحدة المستفيد الأكبر من أزمة الطاقة الحالية؟] التي استعرض خلالها موقع «BBC عربي» أهم القضايا التي تناولتها الصحف البريطانية يوم الثلاثاء الـ٢٨ من يونيو الماضي أشار الموقع إلى (تركيز الكاتب «جدعون راتشمان» في سياق مقاله الذي نشره في صحيفة «فايننشال تايمز» على مدى ما يمكن أن تحققه الولايات المتحدة من مكاسب بسبب تلك الأزمة).

وأكد الكاتب -من ناحية أخرى- (أن الولايات المتحدة التي قد تعاني على المدى القصير من أزمة الطاقة الحالية، لكنها قد تحقق مكاسب كبيرة على المدى الطويل من تلك الأزمة.

فالولايات المتحدة تجاوزت روسيا لتكون أكبر مصدر لمنتجات الطاقة عالميا. ورغم المعاناة التي يعيشها المستهلك الأمريكي من ارتفاع أسعار الطاقة، تعتبر الارتفاعات الأخيرة في الأسعار عمودًا فقريًّا لقطاع استخراج النفط الصخري الأمريكي.

كما تشير الإحصائيات الحالية إلى أن الولايات المتحدة تحولت إلى مصدر للطاقة).

وإذْ صار الاستثمار الأمريكي على حساب الاقتصاد الأوروبي المهدد بالانهيار واضحًا وضوح الشمس في رابعة النهار، فقد أبدى كبار المسؤولين الأوروبيين -في ضوء استهلال الخبر الصحفي المعنون [غضب أوروبي مكبوت من بايدن.. "أكبر مستفيد من الحرب"] الذي نشره موقع «العربية نت» بتأريخ ٢٦ نوفمبر الماضي- (غضبهم خلف الكواليس من إدارة الرئيس الأميركي «جو بايدن»، متهمين الأميركيين بجني ثروة من الحرب، بينما تعاني دول الاتحاد الأوروبي.

وفي هذا السياق، قال مسؤول رفيع في الاتحاد الأوروبي: «الحقيقة -إذا نظرت إليها بكل وضوح وصلافة- أنَّ الدولة الأكثر استفادة من هذه الحرب هي الولايات المتحدة لأنها تبيع المزيد من الغاز وبأسعار أعلى، كما تبيع أيضًا المزيد من الأسلحة»).

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء