أجندة نُشر

زيت النخيل محور لحرب تجارية مرتقبة بين اوروبا وآسيا

عرب جورنال / أنس القباطي -
برزت الى الواجهة ازمة زيت النخيل، التي قد تتحول الى محور حرب تجارية بين دول جنوب شرق أسيا ودول الاتحاد الاوروبي.

زيت النخيل محور لحرب تجارية مرتقبة بين اوروبا وآسيا

وتتدارس الحكومتان الماليزية والإندونيسية اتخاذ قرار بوقف تصدير زيت النخيل إلى دول الاتحاد الاوروبي، رد على القيود التي فرضها الاتحاد على تلك الواردات في إطار سياساته الخضراء وبرنامجه لمكافحة التغيرات المناخية.

ومن شأن هذا الاجراء ان يؤدي الى ازمة غذائية في اوروبا، تضاف الى باقي الأزمات التي تعاني منها القارة العجوز، جراء تداعيات الحرب الاوكرانية التي تقترب من اكمال عامها الاول.

تنتج ماليزيا واندونيسيا الواقعان في جنوب شرق قارة آسيا نحو 90% من زيوت النخيل التي تحتاجها السوق العالمية. ويفيد تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة انه تم تدمير أكثر من 80% من الموطن الطبيعي للقردة في بورينو وسومطرة بجنوب شرق آسيا، بسبب سياسات زراعية خلال العقود الثلاثة الاخيرة، بهدف إنتاج زيت النخيل، لافتا الى تراجع عدد القردة المعروفة باسم (إنسان الغاب) أو الأورانغاتانغ السومطرية لتصبح مهددة بالانقراض. ويرى أنصار البيئة ان زراعة نخيل الزيت تقف وراء قطع مساحات واسعة من الأشجار الغابوية في جنوب شرق آسيا.

وفيما يعد الاتحاد الأوروبي مستورد رئيسي لزيت النخيل، إلا انه اتخذ قرارات في ديسمبر/كانون اول 2022 تفرض قيود على استيراد زيت النخيل، تحت مبرر بيئي. وفي حال طبق الاتحاد الاوروبي القيود التي أكدت عليها قرارته، وردت ماليزيا واندونيسيا بوقف التصدير الى دول الاتحاد، فإن ذلك سيؤدي الى تضرر قطاع هام من الاقتصاد الأوروبي.

يقول فضيلة يوسف وزير السلع الماليزي إن بلاده وجارتها إندونيسيا تناقشان القيود الأوروبية التي تحظر بيع زيت النخيل والسلع الأخرى المرتبطة بإزالة الغابات، كما تدرسان مسألة وقف صادرات زيت النخيل إلى الاتحاد الأوروبي، رداً على تلك القيود. وأوضح الوزير فضيلة في مؤتمر صحفي عقده في العاصمة كوالالمبور الخميس 12 يناير/كانون ثان 2023 أن وقف الصادرات إلى أوروبا والتركيز فقط على الدول الأخرى، هو الخيار لمواجهة أي تحرك من جانب الاتحاد الأوروبي، مشيرا الى أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الامريكية تطرحان باستمرار مزاعم لا أساس لها لتشويه الجهود المستدامة في صناعة زيت النخيل، منوها إلى أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يفرضان حظراً على منتجات زيت النخيل لشل صناعته عموماً، قبل حثه منتجي زيت النخيل على "ألا يتصرفوا بمفردهم بمواجهة هذه التحديات"، داعياً أعضاء مجلس الدول المنتجة لزيت النخيل (CPOPC) للعمل معاً ضد القيود الجديدة ومكافحة المزاعم الأمريكية والأوروبية.

وتؤكد إندونيسيا وماليزيا انهما وضعتا معايير شهادة اعتماد ملزمة لجميع مزارع زيت النخيل، وتريان ان هذا الاجراء يحمي الغابات من أي اضرار.

وفي رد الاتحاد الاوروبي على الوزير الماليزي فضيلة، قالت سفيرة الاتحاد لدى ماليزيا، إن الاتحاد لا يحظر أي واردات لزيت النخيل، نافيا أن يكون قانون إزالة الغابات قد وضع حواجز أمام الصادرات الماليزية، واوضحت السفيرة ميشاليس روكاس لرويترز إن القانون يطبق بالتساوي على السلع المنتجة في أي بلد، بما في ذلك الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ويهدف إلى ضمان ألا يؤدي إنتاج السلع إلى مزيد من إزالة الغابات وتدهورها.

وتضغط الاحزاب الخضراء والمنظمات المهتمة بالبيئة بشكل كبير على الاتحاد الأوروبي لوقف قطع الغابات لصالح توسع زراعة اشجار زيت النخيل. وتفيد دراسات بيئية ان استخدام زيت النخيل كوقود حيوي يزيد من انتاج الغازات الحبيسة.

وصنف المؤتمر الثاني للطاقة المتجدّدة الذي عقد برعاية الاتحاد الاوروبي، صنف الموادّ الأوّلية لزيت النخيل على أنّها تنطوي على مخاطر عالية، جراء التغيّر غير المباشر في استخدام الأراضي، وبناء على ذلك اصدار الاتحاد لوائح تنظيمية بهدف القضاء التدريجي على استخدام زيت النخيل في إنتاج الوقود الحيوي، في الفترة من العام 2023 إلى العام 2030.

وتصف الدول المصدرة لزيت النخيل قرارات الاتحاد الاوروبي بالانتقائية، لانه لم يشمل زيوت فول الصويا التي تساهم هي الأخرى في إنتاج الغازات الحبيسة، فضلا عن ان كميات كبيرة منها تزرع على حساب المساحات الغابوية في الأمازون.

وتسعى ماليزيا واندونيسيا لمقاومة القرار الاوروربي، فيما تدرك الدول الاوروبية ان ايقاف صادرات زيت النخيل من آسيا سيلحق اضرار بقطاع الصناعات الغذائية، لكنها تسعى للتخفف من الضغوط التي تمارس عليها من الاحزاب الخضراء.

وتفيد الإحصائيات الرسمية للعام 2022 ان ماليزيا واندونيسيا ينتجان ما يعادل 70 مليون طن من زيت النخيل، فقد بلغ إنتاج إندونيسيا 51.33 مليون طن، وانتاج ماليزيا 18.45 مليون طن. وهناك توقعات أن يشهد الانتاج زيادة كبيرة خلال العام 2023، فقد يصل الانتاج إلى 2.5 مليون طن.
وتستخدم زيوت النخيل على نطاق واسع في الصناعات الغذائية، كما تستخدم في الصناعات التجميلية والمنظفات، ويستخدم كوقود حيوي للسيارات والشاحنات، ويمكن مزجه مع الديزل. وهو ما يجعل سوق هذه الزيوت يتوسع جراء تزايد الطلب العالمي عليها. ومن هنا فإن ايقاف تصديره الى دول الاتحاد الاوروبي سيكون له انعكاسات سلبية لن تقل عن تلك الانعكاسات التي تسبب بها تراجع إمدادات الغاز الروسي الى اوروبا الغربية، وهو ما تخشاه دول الاتحاد الاوروبي.

تدرك الدول المصدرة لزيت النخيل ان القرار الاوروبي ليس قرارا بيئيا بحتا، وانما له اهداف اخرى، وهو ما كشفت عنه ندونيسيا التي اعتبرت إن قرار الاتّحاد الأوروبّي بشان فرض قيود على زيت النخيل يفتقر إلى الدقّة والشفافية، موضحة ان القرار جاء بهدف وضع قواعد لحظر زيت النخيل المنتج في جنوب شرق آسيا، مبينة ان دول الاتحاد الاوروبي تعزز من زراعة بذور اللفت، التي تتوسع زراعتها في تلك الدول رغم ما لها أضرار بيئية.

وفي الوقت الذي لزم فيه الاتحاد الاوروبي الصمت كثيرا حول التجريف الذي ظلت تتعرض له غابات الامازون التي تعرف برئة الأرض في فترة حكم الرئيس البرازيلي السابق، لصالح توسع الزراعة ومنها زراعة نبات الصويا المنتج للغازات الحبيسة، نجد الاتحاد يتخذ قرارات ضد دول اسيوية منتجة لزيت النخيل بحجة حماية البيئة، وهو ما يكشف ازداوجية معايير الاتحاد، ويؤكد ان وراء القرار الاوروبي مافيات اقتصادية تهدف لضرب الاقتصاديات الاسيوية الناشئة، والتي يراها ساسة الغرب مهدد للاقتصاديات الغربية التي تحتكر الأسواق الدولية.

غير ان اي خطوات تنفيذية للقرارات الاوروبية المتعلقة بزيت النخيل، لن تؤدي الى تضرر الاقتصاديات الاسيوية، وانما سيؤدي ذلك الى نتائج عكسية على الاقتصاديات الاوروبية، لأن السوق الأوروبية تعد من أهم المستوردين لزيت النخيل، إذ بلغت وارداتها خلال العام 2021 بما يقدر قيمته 6.4 مليار دولار، اي أنها تستورد 44.6% من حاجتها من إندونيسيا، و 25.2% من ماليزيا. ما يعني أنه إذا نفذت ماليزيا وإندونيسيا قرارهما حظر صادرات الزيت على الاتحاد الأوروبي فستحرم السوق الاوروبية من 69.8% من واردتها من تلك المادة الحيوية، حيث سيمثل غياب زيت النخيل الاسيوي ضربة للاقتصاد الأوروبي والصناعات الغذائية على وجه التحديد، كما سيؤدي الى نشوء ضغط كبير على قطاع الطاقة الأوروبي الذي يترنح تحت ثقل الأزمة التي أنتجتها الحرب في أوكرانيا، حيث أصبحت ثلثا الواردات الأوروبية من زيت النخيل الأسيوي تستخدم كوقود حيوي، نتيجة ازمة الطاقة المتصاعدة في اوروبا.

ومما سبق يتضح حجم التخبط الذي تعيشه الاقتصاديات الاوروبية، وعمق الازمة التي تعانيها دول الاتحاد الأوروبي، ومدى التقدم الذي اصبحت تعيشه الاقتصاديات الاسيوية، وثقلها في الأسواق الدولية، وقدرتها على حماية منتجاتها التي باتت تمثل رقما مهما في تدوير كثير من ماكينات الصناعات الغربية.

وفي حال اقدم الاتحاد الأوروبي على امضاء قراراته بشأن زيت النخيل الأسيوي، فإن التأثيرات السلبية لتطبيق تلك القرارات لن تكون اقل من التأثيرات التي تسببت بها مصفوفة العقوبات ضد روسيا، والتي ادخلت الاقتصاد الأوروبي في ركود غير مسبوق.

Anas770879893@gmail.com

 

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء