أجندة نُشر

الولايات المتحدة تدفع باليابان لبناء قدراتها الهجومية لمواجهة الصين

عرب جورنال / أروى حنيش -
بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية، وتوقيع اتفاقية السلام مع الولايات المتحدة، اتجهت اليابان إلى التركيز على النمو الاقتصادي، وترك المسائل الأمنية لواشنطن. وقد سمحت تلك الاستراتيجية لطوكيو بتحقيق نموها وازدهارها الاقتصادي، والانفتاح على العالم في أنشطتها التجارية، التي اخذت تتصدر المنافسة، في جودة صناعتها ومحل الطلب العالمي دون منافس، وخاصة في صناعة السيارات، والمنتجات الالكترونية.

الولايات المتحدة تدفع باليابان لبناء قدراتها الهجومية لمواجهة الصين

مرحلة التحديات

بعد ما يقرب من خمسة عقود دخلت اليابان مرحلة جديدة نشأت فيها تحديات لم تعهدها من قبل، نتيجة عصر المنافسة الصناعية الحديثة، وهذا ما تسبب في الانحدار النسبي لاقتصادها، مع صعود ما تسمى دول النمور الآسيوية، التي كانت الصين على رأس هذه القائمة، استدعى ذلك من جانب اليابان التعامل معها باستراتيجية عدائية. رغم أن طوكيو ليست اللاعب الرئيس الذي يتعين عليه التعامل مع قضية صعود الصين، لكن رد الفعل الياباني على صعود بكين كان عاملًا أساسيًّا في زيادة الخصومة وبعث حدة الاضطرابات في شرق آسيا، لكونها أهم حليف للولايات المتحدة في المنطقة والمحيط الهادئ. لهذا فإن استجابة اليابان لصعود الصين لها تأثير كبير ليس فقط على التحالف بين الولايات المتحدة وطوكيو، ولكن أيضًا على استراتيجية واشنطن تجاه صعود بكين. بالرغم من أن اليابان والصين تجمعهما مصالح اقتصادية وتجارية كبيرة.

تحركات أمريكية

الولايات المتحدة الأمريكية سرعت خطواتها وتحركاتها، لتفعيل وإنفاذ جوانب متعددة من خطتها الإستراتيجية بعيدة المدى، التي تستهدف وقف اندفاع الصين الطَّمُوح للوصول إلى موقع الدولة الإمبراطورية الأولى، على حساب انفراد الولايات المتحدة بقيادة وإدارة النظام الدولي لتحقيق أجنداتها ومشاريعها الاحتلالية للهيمنة على العالم. حيث بدت وكأنها تضع المواجهة مع الصين على رأس أولوياتها الدولية، وأنها قررت الخروج من حالة الصراع على جبهات دولية واسعة ومتعددة، والتركيزَ على مواجهة الصين؛ بل يمكن القول بأن سلوك الولايات المتحدة الأمريكية بات يشي بوجود تقديرات استراتيجية لديها، تقول بأن الحفاظ على موقعها، كدولةً مهيمنةً على النظام الدولي اقتصاديّاً وسياسيّاً وعسكريّاً وديبلوماسياً وماليّاً، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق والانتقال إلى نظام القطب الواحد، بات مرهوناً بتحقيق الفوز الاستراتيجي على الصين، وهو ما يعني أن العالم سيعيش حالة صراعية مفتوحة على تطورات واسعة المدى زمنيّاً.

آخر الخطوات الأمريكية، ضمن تلك الاستراتيجية المتسارعة، كان الإعلان الصريح والمباشر عن نشر صواريخ أمريكية متوسطة المدى في مواجهة الصين، أو لإحاطة الصين بحزامِ ناري صاروخي، يحقق للولايات المتحدة فارقاً زمنيّاً في استخدام السلاح الصاروخي لمصلحتها؛ إذ يبدو صعباً، أو مستحيلاً أن تنشر الصين صواريخ متوسطة المدى في دول محيط الولايات المتحدة، كما جرى خلال ستينيات القرن الماضي حين نشرت روسيا صواريخها في خليج الخنازير في كوبا.

تلك الخطوة الأمريكية - على خطورتها - لا ينظَر إليها على أنها خطوة عسكرية محضه؛ بل في بعدها الإستراتيجي الأوسع والأشمل؛ إذ جاء الإعلان عن نشر الصواريخ، دفعاً وتطويراً للعملية الأمريكية الجارية منذ عدة سنوات لإثارة النزاعات بين الصين وجوارها الإقليمي لإنهاكها، ووقف توسعها الدولي. لقد بذلت الولايات المتحدة جهـوداً واضحةً لدفع اليـابان لتطـوير قدراتها العسكرية (الهجومية) وتغيير دستورها بما يمكِّن الجيش الياباني من تغيير عقيدته القتالية الدفاعية ولتحقيق الارتباط بالخطط الأمريكية في المنطقة والعالم، ولعبت في ذلك على ورقة الخلافات (اليابانية - الصينية) حول إحدى الجزر المتنازع عليها وعلى إرث الصراع (الصيني - الياباني). كما بذلت الولايات المتحدة جهوداً كثيفة لدفع الدول الثمانية (المتشاطئة) مع الصين في بحر الصين الجنوبي مثل فيتنام وإندونيسيا والفلبين... إلخ، للصراع العسكري مع الصين حول الجزر والمرور في هذا البحر الذي تنظر له الصين على أنه حائط أمان استراتيجي لها. ومؤخراً قررت الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب، الذي يصف نفسه بمبعوث الرب للمواجهة مع الصين، إنفاذَ صفقة تسليح مع تايوان، تمنحها 66 طائرة حديثة، كانت الإدارات السابقة قد امتنعت عن الموافقة عليها، حتى لا تفتح حركة الصراع مع الصين لآفاق خطرة.

مواجهة الصين عسكريا

الأخطر أن الإعلان الأمريكي عن نشر صواريخ متوسطة في شرق آسيا، في مواجهة الصين، جاء بعد نشر كتابات استراتيجية أمريكية طوال السنوات الأخيرة، تحـدثت صـراحة عــن ضـرورة التبكيـر بشـن حـرب عسكرية شاملة على الصين؛ إذ لا يمكن مواجهة الصين عبر الإجراءات الاقتصادية فقط.
تلك الكتابات المنشورة تحدثت بوضوح عن ضرورة مهاجمة الصين قبل أن تصل لمستوى التسلح الصاروخي النووي كروسيا، التي لا يمكن مواجهتها عسكريّاً بحكم ترسانتها النووية التي حققت معادلة استحالة الهجوم النووي الأمريكي عليها.

العلاقات الصينية اليابانية

نشأت العلاقات بين البلدين في 29 سبتمبر 1972، عندما وقع رئيس الوزراء الياباني آنذاك كاكوي تاناكا ورئيس الوزراء الصيني آنذاك تشو إنلاي بياناً مشتركاً اتفقت فيه حكومتا البلدين على إقامة علاقات سلام وصداقة دائمين.

بموجب الاتفاق اعترفت طوكيو بجمهورية الصين الشعبية التي يقودها الحزب الشيوعي باعتبارها "الحكومة الشرعية الوحيدة" للصين، وقطعت العلاقات الدبلوماسية مع تايوان، والتي يطلق عليها رسمياً جمهورية الصين.

تدهور العلاقات التجارية

تعتبر الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، واليابان ثالث أكبر اقتصاد شريكين تجاريين رئيسيين، وقبل بضع سنوات فقط بدا أنهما مستعدان لعلاقات دبلوماسية مزدهرة، مع خطط لزيارة من قبل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى اليابان. ولكن العلاقات بين الصين واليابان تدهورت مؤخراً بشكل لافت، وبدا البلدين ينكآن جراح الماضي، وبدلاً من الحديث عن تعزيز التبادل التجاري، يتبادلان الإيماءات العسكرية.

فلقد أحيت الصين واليابان ذكرى إقامة علاقات بينهما، ولكن بقليل من المزاج للاحتفال مع استمرار التوترات بشأن الخلاف البحري وتايوان، ولذا لم تكن هناك مراسم دبلوماسية كبيرة في ذكرى العلاقات بين البلدين. حسب وصف تقرير لموقع the Japan Times.

بدلاً من ذلك، تمت قراءة رسائل من الرئيس الصيني شي جين بينغ، ورئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا في حدث أقيم في طوكيو بدعم من الحكومة اليابانية والسفارة الصينية، استضافه لوبي الأعمال بين البلدين. وفي رسالته، حذر رئيس الوزراء الياباني، الذي لم يكن حاضراً في الحدث، من أن العلاقات مع الصين، "رغم أنها تمتلك إمكانيات مختلفة، إلا أنها تواجه العديد من التحديات والقضايا".

خلافات بين الصين واليابان


جعلت الخلافات حول جزر بحر الصين الشرقي المتنازع عليها وما تصفه المصادر الغربية واليابانية بتحركات الصين العدائية في المنطقة، وخصوصا بعد فتور العلاقات بين بكين وطوكيو.. وفيما يلي الأسباب الرئيسة للتوتر الغالب على العلاقات بين الجارتين القويتين الصين واليابان ولماذا تصاعدت هذه الخلافات خلال السنوات الماضية بشكل كبير؟

النزاع حول الجزر

الصين واليابان تتصارعان حول جزر غير مأهولة بالسكان، ولكنها غنية بالموارد، وذلك هو السبب الرئيس في الخلاف بين البلدين حول مجموعة هذه الجزر في بحر الصين الشرقي التي تخضع لسيطرة طوكيو وتطالب بها بكين، وتسمى سينكاكو في اليابان، ودياويو في الصين، حسبما ورد في تقرير لوكالة Associated Press الأمريكية.

وتؤكد اليابان أن الجزر التي كانت تضم يوماً مصنعاً للمأكولات البحرية اليابانية، جزء من أراضيها، سواء تاريخياً أو بموجب القانون الدولي. وتقول الصين إن اليابان استولت عليها عام 1895، وكان يفترض أن تعيدها نهاية الحرب العالمية الثانية.

وهذه الجزر المتنازع عليها محاطة بمناطق صيد غنية ومخزونات نفطية في أعماق البحر، وتتهم اليابان الصين بأنها لم تطالب بها إلا بعد اكتشاف هذه الموارد في تقرير للأمم المتحدة عام 1969. ولم يتطرق بيان تطبيع العلاقات عام 1972 إلى هذه المشكلة، لكن النزاع احتدم بعد أن أممت الحكومة اليابانية جزر سينكاكو عام 2012، ما أدى إلى احتجاجات عنيفة في الصين. وتحاول الصين بسط نفوذها من خلال تدخل خفر السواحل الصيني، وقوارب الصيد بانتظام إلى هذه المنطقة.

في الأشهر الأخيرة، تعتقد اليابان أن الصواريخ الصينية سقطت في منطقتها الاقتصادية الخالصة، واحتجت طوكيو على ما تصفه بالانتهاكات الجوية والبحرية المتزايدة، حسبما ورد في تقرير لموقع the Japan Times.

انتقدت اليابان وحليفتها الأمنية، الولايات المتحدة، صراحة ارتفاع وتيرة الأنشطة الصينية في بحار الصين الجنوبية، وطالبت طوكيو أيضاً بتحقيق السلام والاستقرار في مضيق تايوان.

قلق ياباني

يتنامى قلق اليابان إزاء أزمة تايوان، مع التدريبات العسكرية الصينية مع روسيا بالقرب من السواحل اليابانية، هذا الأمر اعتبرته اليابان ازعاجا لها، مع تحوّل طوكيو تمركزها العسكري نحو منطقة جنوب غرب اليابان، التي تشمل أوكيناوا والجزر النائية الملاصقة لشرق تايوان.

السياسة الدفاعية لطوكيو

صادقت الحكومة اليابانية، في 16 ديسمبر 2022، على ثلاث وثائق دفاعية مهمة، الأولى هي استراتيجية الأمن القومي والتي تحدد الخطوط العامة للسياسة الدفاعية لطوكيو على مدار العقد المقبل، والثانية: استراتيجية الدفاع الوطني التي تحدد الأهداف الدفاعية. أما الثالثة، فهي برنامج البناء الدفاعي الذي يحدد إجمالي نفقات الدفاع وحجم المشتريات للمعدات الرئيسة خلال السنوات الخمس إلى العشر القادمة.
وتشكل تلك الوثائق الثلاث معاً استراتيجية اليابان الشاملة وسياستها وأهدافها الدفاعية، التي حملت لهجة أكثر صرامة مقارنة باستراتيجيتها السابقة للأمن القومي، والتي صدرت للمرة الأولى في 2013.

وكشفت نصوص الوثائق الأمنية الثلاث عن جملة من التحولات في العقيدة الدفاعية اليابانية، وهو ما يمكن تفصيله على النحو التالي:

1- تنفيذ ضربات مضادة: تتضمن التعديلات الجديدة حق القوات اليابانية بشن ضربات مضادة ضد دول تعتبرها معادية، غير أن طوكيو قيدت تنفيذ هذه الضربات المضادة بثلاثة شروط: وجود تهديد حتمي لليابان، أو لدولة صديقة يقود لتهديد حتمي لليابان، وألا توجد وسيلة أخرى لتفادي الضربات التي تعتبر معادية، فضلاً عن أن يكون الرد بالحد الأدنى الممكن لتحييد التهديد. كما ستتجه اليابان لامتلاك الصواريخ دقيقة التوجيه لشن هجمات مضادة، بما في ذلك صواريخ توماهوك الأمريكية.
وبالتالي، فإن هذه الهجمات سوف تكون دفاعية، وليست استباقية، كما لن يكون بالإمكان توجيه الهجمات المضادة إلا ضد أهداف عسكرية. ولكن في المقابل، فإن تدخل اليابان للدفاع عن دولة صديقة هي نقطة إشكالية، نظراً لأنه ليس من الواضح من المقصود بهذه الدولة الصديقة، وهل المقصود بها تايوان، أم لا ؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإن ذلك يعني تهديد وحدة أراضي الدولة الصينية، وهو أمر لن ينظر إليه من جانب الصين بأنه أمر دفاعي بحت.
ومن جهة أخرى، فإنه إذا كان المقصود بالدولة الصديقة كوريا الجنوبية...! فإن الدولة المعتدية في هذه الحالة سوف تكون كوريا الشمالية، ولا يتوقع أن تقدم الأخيرة على مساندة سيول في مواجهة بيونج يانج، في ظل امتلاكها صواريخ نووية.

2- زيادة الإنفاق العسكري: تهدف اليابان إلى مضاعفة إنفاقها الدفاعي إلى حوالي 2% من ناتجها المحلي الإجمالي إلى ما مجموعه حوالي 43 تريليون ين ياباني (320 مليار دولار) خلال الفترة الممتدة من عام 2023، وحتى عام 2027. ويتبع مستوى الإنفاق الجديد معيار الإنفاق الدفاعي الذي يضعه الناتو، لترتفع بذلك الميزانية السنوية لليابان، في النهاية، إلى حوالي 10 تريليونات ين سنوياً (73 مليار دولار)، لتصبح بذلك صاحبة ثالث أكبر إنفاق عسكري على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة والصين.

وفي الإطار السابق، خصصت الميزانية نحو 5 تريليونات ين لتطوير الصواريخ بعيدة المدى، على أن يتم نشرها بحلول عام 2026، فضلاً عن إنفاق 3 تريليونات ين ياباني أخرى، لتعزيز قدرات الدفاع الجوي والصاروخي. بالإضافة إلى إنفاق 15 تريليون ين لتعزيز الاحتياجات الأساسية لقوات الدفاع الذاتي، بما في ذلك مخزونات الذخيرة وخزانات الوقود.

كما جرى تخصيص 5.6 مليار دولار لبرنامج مشترك مع بريطانيا وإيطاليا مدته 5 سنوات من أجل تطوير مقاتلة من الجيل الجديد من طراز “إف إكس”، وهي المرة الأولى التي تتعاون فيها اليابان مع دول أخرى غير الولايات المتحدة في مشروع رئيسي للمعدات الدفاعية.

3- تأسيس قيادة موحدة: نصت الاستراتيجية اليابانية لأول مرة على إنشاء “قيادة مشتركة دائمة” تكون مسؤولة عن التنسيق بين الفروع البرية والبحرية والجوية للجيشين الياباني والأمريكي، كما عبرت في الوقت ذاته عن حاجة اليابان إلى تعزيز قدراتها العسكرية بصورة مستقلة عن الجيش الأمريكي، وهو ما يرتبط بمخاوف طوكيو من إمكانية تطوير، أو امتلاك الصين وكوريا الشمالية لقدرات نووية تساهم في تحييد واشنطن عن التدخل في أي صراع تكون الدولتان طرفاً فيه، خاصة في ظل امتلاك بيونج يانج صواريخ باليستية عابرة للقارات قادرة على الوصول إلى أي نقطة في الولايات المتحدة.
ومن جهة أخرى، فإن انسحاب واشنطن المفاجئ من أفغانستان، فضلاً عن حديث فرنسا من فترة لأخرى عن إمكانية التوصل لاتفاق سلام مع روسيا يستوعب هواجسها الأمنية، أو إعلان كيفن مكارثي، زعيم الأغلبية الجمهوري في مجلس النواب الأمريكي، أن الدعم الأمريكي لأوكرانيا لن يكون شيكاً على بياض، كل هذه تطورات تكشف عن مخاطر الاعتماد بشكل كامل على المظلة الأمنية الأمريكية، خاصة أن قدرة كييف على مواصلة عملياتها العسكرية ضد الجيش الروسي سوف تتوقف على حجم ومدى استمرارية الدعم الغربي لها، خاصة الأمريكي، بالأسلحة.

4- المشاركة في تأمين الإندو – باسفيك: أشارت طوكيو إلى أن منطقة المحيطين الهندي والهادئ تواجه مجموعة من التحديات الأمنية، وعليه ستساهم استراتيجيتها الجديدة في تطبيق سياسة “منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة”، ويعد ذلك إشارة ضمنية من جانب اليابان بأنها سوف تسعى إلى مواجهة الجهود الصينية لنشر نفوذها في المحيطين، خاصة في ظل اتهامها من جانب واشنطن بالسعي لتحقيق الهيمنة في جوارها المباشر، وتحديداً بحر الصين الجنوبي عبر تحويله إلى بحيرة صينية مغلقة وعرقلة حرية الملاحة فيه.
ولعل ما يؤكد هذا المعنى أن الاستراتيجية اليابانية أشارت إلى أستراليا والهند والولايات المتحدة باعتبارهم يمثلون أهم الشركاء الأمنيين في مواجهة العدوان الصيني المتزايد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

5- تحديد خصوم طوكيو: انصب التركيز الأكبر في الوثائق الأمنية الثلاث على كيفية التعامل مع الصين كقوة صاعدة. وركزت الوثائق على كيفية دفاع اليابان عن نفسها في مواجهة الصعود العسكري السريع للصين، فضلاً عن تحديد مقدار القدرة الدفاعية وميزانية الدفاع التي ستحتاجها اليابان لمواجهة الصين التي وصفتها بأنها أكبر “تحد استراتيجي” لها في المنطقة، مقارنة بوصفها في الاستراتيجية القديمة عام 2013 بأنها “قضية تهم المجتمع الدولي”، وهو ما يتطلب وفقاً للوثائق اليابانية مراجعة استراتيجيتها الدفاعية، خاصة في ظل تنامي القوة العسكرية للصين، فضلاً عن عدم استبعاد لجوء بكين للقوة العسكرية لإحكام السيطرة على جزيرة تايوان.

وبالإضافة إلى الصين، وصفت الوثيقة روسيا باعتبارها مصدر قلق للأمن القومي الياباني بسبب تعاونها الاستراتيجي مع الصين، مشيرة إلى أن الحرب الروسية لأوكرانيا يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الذي يحرم استخدام القوة العسكرية في العلاقات بين الدول.

الجدير بالذكر أن النسخة السابقة من استراتيجية الأمن القومي الياباني، التي تم تبنيها في عام 2013 في عهد رئيس الوزراء شينزو آبي، دعت إلى تعزيز التعاون مع روسيا في جميع المجالات، بما في ذلك الأمن والطاقة، وكذلك إجراء مفاوضات حول الجزر الأربع في الجزء الجنوبي من جزر الكوريل، بهدف حل مسألة ملكيتها وإبرام معاهدة سلام.

وبالنسبة لكوريا الشمالية، أشارت الوثائق اليابانية إلى أن الأعمال العسكرية لبيونج يانج تشكل “تهديداً خطيراً ووشيكاً لليابان اليوم أكثر من أي وقت مضى، في إشارة إلى التجارب الصاروخية المتكررة لكوريا الشمالية.

6- تعزيز القدرات النوعية: تقوم طوكيو بتعزيز القدرات البحرية والبنية التحتية المرتبطة بالجيش في دول جنوب شرق آسيا. كما سيتم تخصيص ما يقرب من تريليوني ين لتعزيز قدرات اليابان في مجال الفضاء والدفاع السيبراني، فضلاً عن إعادة تنظيم قوة الدفاع الجوي لتصبح قوات الدفاع الجوي والفضاء، بجانب إنشاء فريق سيبراني قوامه 20 ألف عنصر ضمن قوات الدفاع الذاتي، لمنع الهجمات السيبرانية قبل وقوعها.

7- إثارة مخاوف سيول: احتجت كوريا الجنوبية على وصف الوثائق اليابانية جزر دوكدو التي تسيطر عليها سيول المتنازع عليها بين البلدين منذ 11 عاماً بـ” أراضينا الموروثة”. وقال المتحدث باسم وزارة خارجية كوريا الجنوبية، ليم سو سيوك، إن حكومة بلاده “تعترض بشدة على ورود العبارة في استراتيجية الأمن القومي اليابانية التي تدعي السيادة على دوكدو، وتدعو إلى حذفها على الفور”، مشدداً على أن سيول سترد بصرامة على أي أعمال استفزازية في الجزر، وهو ما يكشف عن استمرار التوتر في العلاقات اليابانية – الكورية الجنوبية، ليس فقط بسبب الخلاف حول الجزر، ولكن كذلك بسبب التاريخ الاستعماري الياباني لكوريا الجنوبية.

قلق صيني

تدرك الصين جيداً أن تغيير العقيدة العسكرية اليابانية يستهدفها بالدرجة الأولى، أكثر من أي بلد آخر، لذلك عبرت عن قلقها إزاء "الزيادة الكبيرة في ميزانية الدفاع اليابانية".

وحاولت الصين تهوين صعودها العسكري، وتصاعد قوة أسطولها البحري، واعتبرت أن "اليابان تبالغ في وصف التوترات الإقليمية، سعياً وراء تحقيق اختراقات عسكرية".
واعتبرت خطوة اليابان "خطيرة، وتثير شكوكاً قوية بين جيرانها الآسيويين، وفي المجتمع الدولي حول ما إذا كان يمكنها الالتزام بسياسة دفاعية موجهة حصراً إلى الدفاع ومسار التنمية السلمية".

روسيا هي الأخرى، لم تخفِ انزعاجها من تغيير اليابان لعقيدتها العسكرية، وقالت خارجيتها إن "اليابان باتت الآن على طريق حشد غير مسبوق للقوة العسكرية".
وحذرت روسيا اليابان من أن عودتها إلى "العسكرة الجامحة" ستثير حتماً تحديات أمنية جديدة في منطقة آسيا

كوريا الشمالية لم تتخلف عن ركب المنتقدين للاستراتيجية الأمنية الجديدة لليابان، وترى أن ذلك سيغير "جذرياً الظروف الأمنية شرقي آسيا"، واصفة هذه الخطوة بـ"الخاطئة والخطيرة للغاية"، مهددة باتخاذ "تدابير حاسمة".

واعتبرت وثيقة استراتيجية الأمن القومي الياباني، أن التجارب الصاروخية التي تقوم بها كوريا الشمالية تشكل "تهديداً خطيراً ووشيكاً لليابان اليوم أكثر من أي وقت مضى".

والمفارقة أنه حتى كوريا الجنوبية، حليفة اليابان في المنطقة، احتجت على اعتبار اليابان أن جزر دوكدو (يسميها اليابانيون تاكيشيما) المتنازع عليها، جزء من أراضيها.

بينما كانت الولايات المتحدة أكثر الدول تحمساً لتغيير اليابان عقيدتها العسكرية وتبني سياسة "الضربات المضادة"، وزيادة ميزانيتها الدفاعية، لأن ذلك من شأنه ردع التنين الصيني، ومواصلة عملية التطويق الاستراتيجي له.

 

تابعونا الآن على :


 

مواضيع ذات صلة :

حليب الهناء