أكتوبر 1, 2026 - 18:12
يوم السيادة في العراق.. واشنطن تغادر بعد 23 عاماً من الغزو والخراب

عرب جورنال _ كامل المعمري 

إذا كان إعلان بغداد الأول من أكتوبر/تشرين الأول «يوم السيادة» يحمل معنى يتجاوز المراسم الرسمية، فإن دلالته الأشد تقع في الطرف المقابل: واشنطن تطوي وجودًا عسكريًا بدأ بالغزو عام 2003، بعد ثلاثة وعشرين عامًا من الحرب والاحتلال وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة، ثم العودة العسكرية عام 2014 تحت راية قتال تنظيم «داعش».

الانسحاب الكامل لقوات الاحتلال الأمريكية من آخر مواقعها في العراق، الذي أكدته واشنطن في 30 سبتمبر/أيلول 2026، يغلق فصلًا عسكريًا طويلًا ويفتح سؤالًا أكثر إحراجًا للولايات المتحدة: ماذا بقي من المشروع الذي دخلت من أجله بغداد قبل أكثر من عقدين؟

السؤال لا يُقاس بعدد القواعد التي أُغلقت ولا بعدد الجنود الذين غادروا أربيل. سجل الحرب نفسه يفرض الحساب. الولايات المتحدة غزت العراق، أسقطت نظامه السياسي، تولت إدارة البلد بواسطة سلطة احتلال، أعادت بناء أجزاء واسعة من مؤسساته وفق تصوراتها، ثم أمضت سنوات تحاول احتواء النتائج السياسية والأمنية التي تشكلت بعد الغزو.

مشروع «تكاليف الحرب» في جامعة براون قدّر كلفة حروب الولايات المتحدة في العراق وسوريا منذ 2003، وفق تقديرات منشورة عام 2023، بنحو 1.79 تريليون دولار من الإنفاق المباشر، مع كلفة متوقعة تصل إلى 2.89 تريليون دولار عند احتساب رعاية المحاربين القدامى حتى 2050، وقدّر عدد القتلى في العراق وسوريا بين 550 ألفًا و580 ألفًا عبر مختلف أطراف الصراع. قاعدة Iraq Body Count توثق بدورها أكثر من 200 ألف مدني عراقي قُتلوا بأعمال عنف منذ الغزو الأرقام وحدها تكفي لإظهار حجم الثمن الذي رافق مشروعًا أمريكيًا قُدم باعتباره بوابة لإعادة تشكيل العراق والمنطقة.

وتزداد صورة الحرب قسوة عند العودة إلى الذريعة التي تصدرت الطريق نحو الغزو. ملف أسلحة الدمار الشامل كان أحد الأعمدة المركزية في حملة إدارة جورج بوش لتبرير الحرب أمام الأمريكيين والعالم. بعد سقوط بغداد، عمل فريق مسح العراق التابع للجهود الأمريكية على البحث عن الترسانة المزعومة، وسجلت وثائق أمريكية لاحقة غياب مخزون أسلحة الدمار الشامل الذي كان محورًا أساسيًا في النقاش السابق للغزو. الحرب وقعت أولًا، والبحث عن الدليل جاء تحت الاحتلال، والنتيجة الميدانية لم تطابق الصورة التي رُسمت للرأي العام قبل دخول الدبابات الأمريكية إلى بغداد.

المفارقة تكاد تختصر مأزق المشروع الأمريكي بأكمله. قوة عظمى تمتلك أضخم آلة عسكرية في العالم استطاعت إسقاط الحكومة العراقية خلال أسابيع، إلا أن تحويل الانتصار العسكري إلى نظام إقليمي يخدم أهداف واشنطن أثبت أنه أكثر تعقيدًا بكثير فالولايات المتحدة حسمت المعركة النظامية بسرعة، ثم غرقت في سنوات من التمرد، والتفجيرات، والحرب الطائفية، والصراع على مؤسسات الدولة، وصعود التنظيمات المسلحة، والتنافس مع إيران على النفوذ داخل العراق.

واشنطن لم تكتف بإسقاط السلطة القائمة. سلطة الائتلاف المؤقتة أصدرت في مايو/أيار 2003 أوامر اجتثاث البعث وحل عدد كبير من المؤسسات، وشمل أمر الحل الجيش والقوات الجوية والبحرية والدفاع الجوي وأجهزة عسكرية وأمنية أخرى، قبل أن تبدأ لاحقًا عملية إنشاء جيش عراقي جديد.

الوثائق الحكومية الأمريكية نفسها تحفظ تفاصيل القرارات التي غيرت بنية الدولة العراقية من جذورها. تلك القرارات تجعل مسؤولية سلطة الاحتلال جزءًا لا يمكن فصله عن أي تقييم جاد للفوضى المؤسسية التي أعقبت سقوط بغداد.

ثم جاءت النتيجة الاستراتيجية الأكثر مرارة لواشنطن. الولايات المتحدة دخلت العراق وهي تسعى إلى إعادة صياغة ميزان القوة في الشرق الأوسط، حتى صعود تنظيم «داعش» المدعوم امريكيا يظل شاهدًا ثقيلًا على هشاشة النظام الأمني الذي أعقب سنوات الاحتلال. القوات الأمريكية انسحبت على نطاق واسع عام 2011، وبعد ثلاث سنوات فقط سقطت الموصل أمام التنظيم، وامتد مسلحوه فوق مساحات شاسعة من العراق وسوريا، لتضطر واشنطن إلى العودة تحت تلك الذريعة بقوة عام 2014 على رأس تحالف دولي جديد. بلد خضع لسنوات من الاحتلال والتدريب وإعادة بناء المؤسسات الأمنية وصل إلى لحظة انهارت خلالها وحدات عسكرية أمام هجوم التنظيم في الشمال.

العودة الأمريكية عام 2014 شكلت إقرارًا عمليًا بأن مرحلة ما بعد الاحتلال لم تنتج بعد منظومة أمنية قادرة على منع كارثة بحجم سقوط الموصل واليوم تغادر القوات مرة أخرى بعد اثني عشر عامًا إضافيًا من عملية «العزم الصلب».

اليوم تحاول واشنطن تقديم سبتمبر/أيلول 2026 بوصفه خاتمة منظمة لمهمة مكافحة الإرهاب، بينما ذاكرة العراق تبدأ الحكاية في مارس/آذار 2003، يوم دخلت القوات الأمريكية البلاد تحت مشروع أوسع كثيرًا من مواجهة «داعش».

إعلان بغداد «يوم السيادة» يمنح المغادرة معنى سياسيًا يصعب تفريغه من دلالته. العراق لا يحتفل بانتهاء مناورة عسكرية ولا بتغيير اسم مهمة؛ يحتفل بخروج القوات الأجنبية بعد ثلاثة وعشرين عامًا من بداية الغزو. الاحتفال الرسمي والشعبي بالمغادرة يكشف مقدار الحساسية التي راكمها الوجود الأمريكي، ويضع واشنطن أمام مشهد بالغ الرمزية: الدولة التي دخلت العراق بالقوة عام 2003 تنهي وجودها العسكري بينما الحكومة العراقية تمنح يوم خروجها اسم «السيادة».

ومع مغادرة قوات الاحتلال الامريكي تظهر طبقة أخرى من النفوذ الأمريكي أكثر هدوءًا وأقل ظهورًا من القواعد العسكرية. رويترز كشفت أن عائدات النفط العراقي ترتبط بآليات مالية تمر عبر بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، بينما يعتمد العراق بصورة شديدة على الإيرادات النفطية في تمويل الدولة. التقرير أوضح أن الترتيبات تمنح واشنطن نفوذًا ماليًا مهمًا على بغداد، وأشار إلى أن الولايات المتحدة لوحت عام 2020 بإمكانية تقييد وصول العراق إلى أمواله النفطية خلال أزمة المطالبة بخروج القوات الأمريكية.

هناك تكمن المرحلة التالية من النفوذ الأمريكي. الجندي يغادر، والدولار يبقى. القاعدة العسكرية تُغلق، وشبكات النظام المالي تستمر. القوات تنسحب، والتدريب والتعاون الاستخباراتي يستمران. واشنطن قادرة على خفض تكلفة الاحتلال المباشر مع الاحتفاظ بأدوات ضغط مالية وسياسية وأمنية صنعتها علاقات امتدت عقدين. انتقال النفوذ من الدبابة إلى المصرف لا يلغي النفوذ، بل يغير أدواته.

وتصبح عبارة «السيادة» أمام اختبار أكثر صعوبة من مجرد إغلاق القواعد. قدرة بغداد على التحكم في أموالها، ومجالها الجوي، وسلاحها، وعلاقاتها الخارجية، ونظامها المصرفي، وقرار الحرب والسلم، ستحدد مقدار التحول الحقيقي الذي صنعه خروج القوات. 

كما أن استقلال القرار الاقتصادي يشكل ضلعًا أساسيًا في أي سيادة كاملة، خصوصًا في دولة يعتمد اقتصادها وموازنتها بصورة كبيرة على عائدات النفط المقومة بالدولار أما واشنطن، فتحاول تحويل الانسحاب إلى عملية إعادة تموضع تحمي ما تبقى من نفوذها وتخفض التكلفة. استمرار التدريب والدعم الاستخباراتي، إلى جانب الحضور الأمريكي في دول المنطقة، يسمح لها بمتابعة العراق أمنيًا من دون الاحتفاظ بالبنية العسكرية السابقة على الأراضي العراقية.

المنطقة بالنسبة للولايات المتحدة دخلت طورًا تصبح فيه إدارة النفوذ عن بُعد أقل تكلفة من إدارة الاحتلال المباشر. الانسحاب يحمل كذلك دلالة أوسع على حدود القوة العسكرية الأمريكية.

امتلاك التفوق الجوي والاستخباراتي والتكنولوجي لا يضمن القدرة على هندسة المجتمعات والدول بعد الحروب. العراق يقدم نموذجًا شديد الوضوح: واشنطن كانت قادرة على الوصول إلى بغداد وإسقاط الجيش والنظام القائم بسرعة فائقة، ثم احتاجت إلى أكثر من عشرين عامًا قبل الوصول إلى مغادرة نهائية لقواتها، في بلد ما تزال توازناته الداخلية شديدة التعقيد وما يزال نفوذ منافسي الولايات المتحدة قويًا.

الكلفة الأمريكية نفسها تكشف عمق المأزق. أكثر من 4500 عسكري أمريكي قتلوا خلال الحقبة الممتدة منذ الغزو وفق أرقام أوردتها رويترز، إلى جانب مئات آلاف الضحايا العراقيين عبر مراحل الحرب والعنف اللاحقة، وتريليونات الدولارات في الإنفاق المباشر والمستقبلي المرتبط بحروب العراق وسوريا وفق مشروع جامعة براون. أكبر حملة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة تنتهي بخروج القوات من العراق، فيما تبقى نتائجها السياسية موضع نزاع حتى داخل الولايات المتحدة.

واشنطن تستطيع الاحتفاء بنهاية «العزم الصلب»، إلا أن تلك العملية تمثل اثني عشر عامًا فقط من قصة بدأت قبلها بأحد عشر عامًا. الحساب الأمريكي الكامل يبدأ بالغزو، يمر بأبو غريب والتمرد والحرب الطائفية وتفكيك مؤسسات الدولة والانسحاب الأول وصعود «داعش» والعودة العسكرية، وينتهي اليوم بخروج آخر القوات. 

اقتطاع الفصل الأخير من السلسلة وتقديمه بوصفه القصة كاملة يمنح صورة ناقصة عن إرث أمريكي أعمق بكثير.

حتى شعار «تحرير العراق» الذي رافق خطاب الغزو يواجه اليوم سؤالًا تاريخيًا قاسيًا. دولة احتاجت إلى إعلان «يوم السيادة» بعد ثلاثة وعشرين عامًا من دخول القوات الأجنبية إليها تقدم بنفسها إجابة رمزية عن طبيعة المرحلة التي تريد طيها. الشعوب لا تخصص أيامًا للسيادة عند مغادرة قوات تعتبر وجودها جزءًا طبيعيًا من استقلالها؛ رمزية المناسبة مرتبطة تحديدًا بإحساس عراقي طويل بأن القرار الوطني ظل مثقلًا بحضور قوة أجنبية كبرى.

أما ملف «داعش»، فسيدخل فورًا في اختبار مرحلة ما بعد الانسحاب وهي ورقة دوما تستخدمها واشنطن فبقاء خلايا التنظيم واحتمال استفادتها من أي ثغرات أمنية يمثلان خطرًا حقيقيًا، وقد حذرت تحليلات وتقارير حديثة من إمكانية إعادة تنشيط تلك الخلايا بعد خروج القوات، أي عودة كبيرة للتنظيم ستمنح واشنطن مجالًا واسعًا لإعادة طرح الحاجة إلى دعم استخباراتي وعسكري وربما حضور أمني أكبر. 

لكن نجاح العراق في إغلاق تلك النافذة سيكون صفعة استراتيجية أشد للنفوذ العسكري الخارجي من مجرد خروج القوات. قدرة الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب والأجهزة الاستخباراتية وبقية المؤسسات على القضاء على الخلايا ومنع اختراق الحدود ستثبت أن بغداد تستطيع حماية أمنها من دون وصاية عسكرية أجنبية. الفشل سيمنح القوى الخارجية أدوات جديدة للتدخل تحت عنوان منع انهيار أمني آخر.

أشد ما يختصر لحظة الخروج أن واشنطن تستطيع نقل جنودها ومعداتها خلال أيام، بينما تبقى آثار الغزو لعقود. القواعد يمكن تفكيكها، الجيوش تستطيع المغادرة، أما الدولة التي عاشت الاحتلال والحرب الأهلية والإرهاب وإعادة بناء المؤسسات وصراع القوى الإقليمية فستحتاج إلى سنوات طويلة لمعالجة الإرث المتراكم.

الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026، لذلك، يحمل صورتين متقابلتين: بالنسبة للعراق يوم سيادة وخروج آخر قوات التحالف؛ وبالنسبة للولايات المتحدة نهاية أطول مغامراتها العسكرية والسياسية في المنطقة وأكثرها كلفة وإثارة للجدل. الولايات المتحدة التي دخلت بغداد على ظهر الدبابات عام 2003 تغادر عسكريًا عام 2026 بينما يرفع العراقيون علم بلادهم فوق مرحلة يريدون وضعها وراءهم.

في المحصلة، تغادر واشنطن العراق وهي عاجزة عن تقديم نتيجة توازي حجم الدم والمال والخراب الذي خلّفته مغامرتها منذ 2003. دخلت بقوة عسكرية كاسحة وهي تتحدث عن إعادة تشكيل المنطقة، ثم أمضت أكثر من عقدين تطارد نتائج قراراتها وتدير أزمات ساهم الاحتلال نفسه في إنتاجها. وبعد كل تلك السنوات، لم يبق من صورة «النصر الأمريكي» سوى قواعد تُخلى، وجنود ينسحبون، ودولة عراقية تحاول استعادة قرارها من إرث ثقيل صنعته الحرب والوصاية والضغط المالي.

واشنطن تستطيع إعادة تسمية انسحابها، وتقديمه كتحول مدروس أو نهاية ناجحة لمهمة عسكرية، إلا أن سجل العراق يقدّم حكمًا أشد قسوة: قوة عظمى امتلكت القدرة على إسقاط دولة خلال أسابيع، وعجزت طوال ثلاثة وعشرين عامًا عن تحويل التفوق العسكري إلى شرعية مستقرة أو نظام سياسي يخدم أهدافها من دون كلفة متصاعدة. يوم السيادة العراقي يضع النهاية الرمزية لمشروع بدأ بالدبابات وانتهى بإخلاء المواقع، فيما تبقى الفاتورة مفتوحة في ذاكرة العراقيين، وتبقى مسؤولية واشنطن عن آثار الغزو واحدة من أثقل صفحات سياستها الخارجية في القرن الحادي والعشرين.