عرب جورنال _ توفيق سلَّام
لم تكن مشكلة السعودية في اليمن أنها لم تمتلك القوة الكافية لخوض الحرب، بل إن المشكلة الأعمق كانت في الاعتقاد بأن التفوق العسكري يمكن أن يتحول تلقائياً إلى تفوق سياسي، وأن اليمن يمكن أن يُدار من خارج حدوده باعتباره مجالاً للأمن والنفوذ السعودي. هذا التصور هو الذي قاد الرياض إلى حرب 2015، وهو نفسه الذي يفسر جانباً كبيراً من المأزق الذي تجد نفسها فيه اليوم.
فالسعودية لم تدخل اليمن باعتبارها دولة مجاورة تتعامل مع أزمة حدودية مؤقتة، وإنما باعتبارها قوة إقليمية تريد المحافظة على مجال نفوذ تاريخي داخل بلد شديد الأهمية لأمنها وحدودها وممراته البحرية. ومع مرور السنوات تحولت هذه السياسة من محاولة للتأثير في القرار اليمني إلى تدخل مباشر في تشكيل موازين القوى اليمنية، ودعم أطراف محلية مختلفة، وإدارة مسارات سياسية وعسكرية متعارضة، الأمر الذي ساهم في تعميق الانقسام بدلاً من إنتاج دولة يمنية موحدة قادرة على إدارة أمنها وحدودها.
والأخطر أن الحرب لم تترك اليمن كما كان قبلها. لقد أصابت الدولة والاقتصاد والبنية التحتية والخدمات في الصميم، ودفعت المجتمع اليمني إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش جرائم جسيمة وعشرات الضربات التي وصفتها بأنها تبدو غير قانونية، واستهدفت أسواقاً ومستشفيات ومدارس ومصانع، ومطارات وجسوراً، وأحياء سكنية ومرافق مدنية، كما وثقت القيود التي فرضها التحالف الذي قادته السعودية على دخول السلع والوقود والمساعدات وإغلاق مطار صنعاء لفترات طويلة وموانئ بحرية.
والاقتصاد لم يكن خارج دائرة الحرب. فقد أشار البنك الدولي إلى أن الاقتصاد اليمني انكمش بشدة منذ تصعيد الحرب في 2015، وأن النشاط الاقتصادي والبنية التحتية تعرضا لاضطرابات واسعة، بينما توقفت صادرات النفط والغاز تقريباً في مراحل مبكرة من الحرب. هذه ليست تفاصيل جزئية في تقييم الجرائم الإنسانية السعودية بحق الشعب اليمني هنا المجال لا يتسع لسردها لكنها فضيعة في بشاعتها في استهداف السكان المدنيين، وكذلك الحصار المطبق جوًا وبرًا وبحرًا، لتجويع الشعب اليمني وارغامه على الاستسلام. وحين تستخدم دولة إقليمية تفوقها العسكري لتغيير التوازنات داخل دولة مجاورة، ثم تجد بعد سنوات أن الدولة المستهدفة لم تخضع، وأن الحرب انتقلت تدريجياً إلى حدودها ومنشآتها وممرات طاقتها، فإن السؤال لا يعود كم طائرة تملك السعودية؟ بل يصبح ماذا أنتج هذا التفوق العسكري سياسياً؟
وهنا تظهر المفارقة الكبرى. السعودية أنفقت سنوات طويلة وهي تحاول منع انتقال الصراع اليمني إلى عمقها الاستراتيجي، فإذا بالحرب نفسها تعيد رسم الجغرافيا الأمنية بطريقة معاكسة. فالعمق السعودي الذي كان يمثل المسافة الآمنة خلف الجبهة اليمنية لم يعد خارج الحسابات العسكرية. ومع التصعيد الأخير، أصبحت أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، ثم مناطق أبعد مثل ينبع والطائف، مرتبطة في الخطاب العسكري المتبادل بمعادلة الردع الجديدة. كما طلب ولي العهد السعودي، وفق ما نقلته رويترز، تدخلاً عسكرياً أمريكياً ضد قوات صنعاء، بينما اختارت واشنطن تقديم دعم استخباري ولوجستي بدلاً من تنفيذ ضربات مباشرة.
وهذه النقطة أكثر أهمية من مجرد عدد الصواريخ أو الطائرات المسيّرة التي تستخدم في الحرب. فالدولة التي تملك واحدة من أكبر القدرات العسكرية والإنفاق الدفاعي في المنطقة، وتستند إلى علاقات عسكرية وأمنية عميقة مع الولايات المتحدة ودول غربية، تجد نفسها مضطرة إلى طلب مزيد من الحماية الخارجية عندما يصبح نطاق التهديد أكثر اتساعاً.
وفرنسا، بدلاً من أن تكون المسألة مجرد صفقة سلاح جديدة، تستعد لإرسال قوات وأنظمة رادار ودفاعات إلى ينبع لحماية الميناء والمنشأة النفطية الاستراتيجية هناك من التهديدات الصاروخية. وتركيا أعلنت استعدادها لتلبية الاحتياجات العسكرية والتقنية السعودية بموجب اتفاق دفاعي ثلاثي مع باكستان، فيما أعلنت إسلام آباد التزامها بالدفاع عن السعودية، مع بقاء طبيعة المشاركة العملياتية الفعلية موضعاً مختلفاً عن مجرد التعهد السياسي والعسكري.
وهنا ينبغي التوقف عند معنى هذا التحول. السعودية التي أرادت طوال سنوات أن تكون هي القوة التي تعيد ترتيب اليمن، أصبحت مضطرة إلى إعادة ترتيب مظلتها الأمنية حول نفسها. وهذا ليس بالضرورة دليلاً على انهيار القدرة العسكرية السعودية، لكنه يكشف شيئاً أكثر عمقاً، أن امتلاك السلاح شيء، والقدرة على تحويل القوة العسكرية إلى أمن مستدام شيء آخر.
فالأسلحة تستطيع اعتراض صاروخ، والرادارات تستطيع اكتشاف هدف، والطائرات تستطيع تنفيذ غارة، والتحالفات تستطيع زيادة كثافة الدفاعات. لكن كل ذلك لا يجيب عن السؤال السياسي الأساسي كيف تنتهي حرب أصبحت السعودية متورطة في أجندتها ؟ هنا تحديداً تغيرت قواعد اللعبة.
لقد استُنفد منطق السنوات السابقة الغارة مقابل الصمت، والحصار مقابل إنهاك المجتمع، والتفوق الجوي مقابل انتظار انهيار الخصم. هذا المنطق لم ينتج التسوية التي أرادتها الرياض. بل أنتج، بعد سنوات طويلة من الحرب، بيئة يمنية أكثر عسكرية، وأكثر انقساماً، وأكثر ارتباطاً بالصراعات الإقليمية.
والآن تأتي الجغرافيا لتضيف طبقة جديدة إلى الأزمة. فسيطرة قوات صنعاء على المخا وتقدمها على الساحل الغربي ووصولها إلى جزر ومواقع في باب المندب، نقل الصراع من مجرد حرب على المدن والجبال اليمنية إلى صراع على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. وقد أفادت رويترز بوصول قوات صنعاء إلى جزيرة ميون وتقدمها نحو مناطق تطل مباشرة على باب المندب. وهنا تصبح المسألة بالنسبة للسعودية أكثر تعقيداً من جبهة عسكرية جديدة. فالمملكة تعتمد على البحر الأحمر بوصفه منفذاً استراتيجياً لصادراتها، وأنبوب الشرق ـ الغرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ينبع يمثل في الأصل محاولة استراتيجية لتقليل الاعتماد على المرور عبر مضيق هرمز. ولذلك فإن تحول البحر الأحمر وباب المندب إلى ساحة صراع لا يعني فقط مشكلة للملاحة الدولية؛ إنه يمس مباشرة أحد البدائل الاستراتيجية التي بنت عليها السعودية جزءاً من أمن صادراتها النفطية. وبذلك تلتقي جبهتان هرمز من جهة، وباب المندب من جهة أخرى. وفي اللحظة التي يصبح فيها هذان الممران داخل معادلة إقليمية واحدة، فإن السعودية لا تعود تواجه مشكلة يمنية منفصلة، بل تجد نفسها داخل شبكة أوسع من الضغوط الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر.
غير أن المشكلة السعودية ليست أمنية فقط. إنها سياسية قبل كل شيء. والسؤال الذي تطرحه الحرب بعد أكثر من عقد هو، إذا كان الهدف هو إخضاع صنعاء وإعادة تشكيل اليمن بما يتوافق مع المصالح السعودية، فلماذا لم يتحقق ذلك رغم سنوات القصف والحصار والتدخل العسكري؟ لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بعدد الطائرات ولا بحجم الإنفاق الدفاعي. لأن الحرب أثبتت أن التفوق الجوي لا يساوي السيطرة السياسية. وهذه هي العقدة التي واجهتها السعودية طوال السنوات الماضية. تستطيع القوة الجوية ضرب البنية التحتية، لكنها لا تستطيع أن تنتج شرعية سياسية. تستطيع قطع طريق، لكنها لا تستطيع أن تجعل مجتمعاً بأكمله يقبل بتسوية مفروضة عليه من الخارج. تستطيع دعم حكومة أو تشكيل عسكري، لكنها لا تستطيع أن تخلق من مجموع القوى المحلية المتنافسة دولة يمنية متماسكة. بل إن تعدد القوى التي دعمتها الرياض وحلفاؤها داخل اليمن كشف مشكلة أخرى أن التدخل الخارجي لم ينتج مركزاً يمنياً موحداً، وإنما ساهم في تشابك مراكز النفوذ المحلية والإقليمية. وحتى التحالف الذي خاض الحرب في بدايتها لم يبقَ كتلة سياسية وعسكرية متجانسة؛ فقد ظهرت لاحقاً خلافات عميقة بين السعودية والإمارات وحلفائهما المحليين، قبل أن تنسحب الإمارات من المشهد العسكري المباشر وتعود الخلافات إلى الواجهة بأشكال مختلفة. ولهذا فإن السعودية لا تواجه اليوم فقط قوات صنعاء. إنها تواجه نتائج سنوات من إدارة الأزمة اليمنية من الخارج. ومن الخطأ اختزال المسألة في أن صنعاء تملك صواريخ وطائرات مسيّرة. الأهم أن هذه الوسائل أصبحت جزءاً من معادلة ردع جعلت العمق السعودي نفسه يدخل في الحسابات. وهذه النقلة هي التي تغير قيمة التفوق العسكري السعودي فإذا كان التفوق لا يمنع وصول الحرب إلى المنشآت الحيوية، فإن قيمته السياسية تصبح محدودة ما لم يُترجم إلى تسوية.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم لماذا أصبحت منشآت الطاقة والموانئ السعودية ذات أهمية أكبر في الحسابات الاستراتيجية.
فالهجمات على البنية النفطية السعودية، وتعطل أجزاء من شبكة التصدير أو تهديدها، لا تعني فقط خسارة منشأة هنا أو منشأة هناك؛ إنها تضرب نقطة شديدة الحساسية في نموذج القوة السعودي الأمن الاقتصادي القائم على استمرارية تدفق الطاقة عبر ممرات آمنة. وهنا تصبح المعادلة أكثر قسوة على الرياض. فكلما وسعت الحرب الجوية، ازدادت دوافع الرد على العمق السعودي وفق منطق الحرب المتبادلة. وكلما اتسع نطاق الرد، احتاجت المملكة إلى مزيد من الدفاعات الأجنبية. وكلما ارتفع مستوى الاعتماد على الدفاعات والتحالفات الخارجية، أصبح الأمن السعودي أكثر ارتباطاً بقرار واشنطن وباريس وأنقرة وإسلام آباد وغيرها. أي أن الحرب التي بدأت بهدف تأمين المجال السعودي من التهديد اليمني أنتجت، في أحد مساراتها، اعتماداً أكبر على شبكة أمنية خارجية لحماية العمق السعودي نفسه. وهذا هو التناقض الاستراتيجي الأبرز.
أما الحديث عن أن السعودية تستطيع العودة ببساطة إلى نموذج 2015، فهو يتجاهل أن الزمن نفسه تغير. في 2015 كان بإمكان الرياض أن تتعامل مع اليمن بوصفه جبهة تقع خلف حدودها. أما اليوم، فقد أصبحت الجبهة مرتبطة بالبحر الأحمر، وباب المندب، والطاقة، والموانئ، وبالحرب الأمريكية الإيرانية، وبحسابات دولية تتجاوز اليمن والسعودية معاً. وتزامن ذلك مع تحرك دبلوماسي أمريكي ـ إيراني حول هرمز، بما يجعل أي تصعيد في أحد الممرين البحريين قابلاً للتأثير في الآخر.
والحصار الذي كان يُراد منه إنهاك المجتمع لم ينتج النتيجة السياسية المنشودة. والغارات التي كان الغاية منها أن تكسر القدرة العسكرية لقوات صنعاء لم تمنع انتقال التهديد إلى العمق السعودي. والتحالفات التي كان الهدف منها أن تمنح الرياض تفوقاً حاسماً تحولت اليوم إلى شبكة دفاعية تحاول حماية المنشآت السعودية من آثار الحرب نفسها. وهنا تحديداً تختلف معادلة اليوم عن معادلة الأمس.
لم تعد صنعاء مضطرة إلى انتظار أن تصل الحرب إليها؛ لقد أصبح لديها، وفق ما يظهر من مسار التصعيد الأخير، قدرة على جعل تكلفة الحرب مرتبطة أيضاً بالداخل السعودي وبمصالحه الاقتصادية والاستراتيجية.
ولا يعني ذلك أن نتيجة الحرب محسومة لصالح أي طرف. بل يعني أن أداة الضغط التي اعتمدت عليها الرياض لم تعد تعمل بالطريقة نفسها. وهذا هو جوهر التحول حين يصبح استمرار الحرب مكلفاً، وحين يصبح البحر الأحمر جزءاً من الصراع، وحين تدخل منشآت الطاقة والموانئ في حسابات الردع، وحين تضطر الرياض إلى طلب مزيد من الحماية الخارجية، فإن الحرب تتحول من محاولة لفرض إرادة سياسية على اليمن إلى معركة استنزاف إقليمية مفتوحة.