عرب جورنال _ أنس القباطي
أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية تواجه معضلة أساسية في مجال الطاقة، فالسحب من الاحتياطات النفطية الاستراتيجية عند أدنى مستوياته، ما يكشف عن حجم الضغط على أسواق الطاقة نتيجة التوترات في مضيق هرمز.
سحب جديد
والثلاثاء 29 سبتمبر/أيلول 2026، كشفت الحكومة الأمريكية اعتزامها إقراض شركات الطاقة ما يصل إلى 40 مليون برميل من النفط من الاحتياطي الاستراتيجي، بعد أن وافقت في مارس/آذار الماضي على إقراض 172 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي للنفط، في إطار اتفاق أوسع نطاقًا مع نحو 30 دولة عضو في وكالة الطاقة الدولية، يقضي بسحب 400 مليون برميل.
مأزق طاقي
ويعكس هذا القرار مأزقًا في إدارة أزمة الطاقة؛ تجد معه إدارة ترامب نفسها مضطرة للسحب من مخزون استراتيجي وصل بالفعل إلى مستويات تاريخية متدنية، في محاولة لتهدئة الأسعار، في وقت تضغط فيه التطورات الجيوسياسية على سلاسل الإمداد الملاحية.
رقم غير مسبوق منذ عقود
وبذلك صار احتياطي النفط الاستراتيجي الأمريكي عند أدنى مستوى له منذ أكتوبر/تشرين الأول 1982. وقبل اتخاذ قرار السحب الأخير، بلغ المؤشر، بحلول 25 سبتمبر/أيلول 2026، 283 مليونًا و800 ألف برميل من النفط الخام.
وضع حرج
ويحدد القانون الفيدرالي الأمريكي حدًا أدنى تشغيليًا قدره 252 مليونًا و400 ألف برميل، وبمعدلات الاستهلاك الحالية يمكن الوصول إليه خلال شهر واحد، أي بحلول نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2026. وهو ما يتوجب على إدارة ترامب معه وضع حلول توقف أزمة الطاقة قبل حلول انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وأبرز الحلول في هذا الجانب هو التوصل إلى اتفاق مع إيران لفتح مضيق هرمز، ما يعني تقديم تنازلات أمريكية لإبرامه، تجنبًا لخسارة الجمهوريين لانتخابات التجديد.
فشل الوعود
إدارة ترامب تقف أمام مأزق حقيقي مع اقتراب موعد انتخابات التجديد، حيث سبق أن وعدت، بعد سحب 170 مليون برميل من الاحتياطي في مارس/آذار الماضي، بضخ أكثر من 170 مليون برميل من الاحتياطي، وشراء 200 مليون برميل، غير أن التوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز جعلت واشنطن غير قادرة على الوفاء بوعدها، وتحت وطأة الأزمة وجدت نفسها مجبرة على السحب مجددًا بعد ستة أشهر.
تخبط وسوء تقدير
ومن هنا يتضح أن إدارة ترامب، عندما سحبت من الاحتياطي في مارس/آذار الماضي، أي مع بداية اشتعال الحرب مع إيران، لم تضع في حساباتها أن التداعيات ستتطور إلى حد ظهور أزمة حادة في أسواق الطاقة، وهو ما يكشف حجم تخبط إدارة ترامب، وأن ذهابها إلى ضرب إيران كان قرارًا غير مدروس.
تساؤل حاسم
والواضح أن ترامب وإدارته، عندما قرروا ضرب إيران نهاية فبراير/شباط الماضي، بنوا الخطة على أساس الفتح السريع لمضيق هرمز، وهو ما يكشف حجم القصور لدى فريق ترامب ومستشاريه، ويطرح تساؤلًا حاسمًا: كيف لإدارة كهذه أن تحكم بلدًا يُنظر إليه باعتباره القوة الاقتصادية الأولى في العالم؟
معادلة معقدة
وعليه، فإن السحب المكثف من الاحتياطي الاستراتيجي للنفط سيضع ترامب والحزب الجمهوري أمام معادلة سياسية واقتصادية معقدة، لأن سعر البنزين في محطات الوقود يُعد المؤشر اليومي الأكثر تأثيرًا على المزاج الانتخابي، حيث يرى ترامب وفريقه أن ضخ كميات كبيرة من الخام يهدف مباشرة إلى إغراق السوق بالسيولة النفطية لخفض أسعار المحروقات مؤقتًا قبل الانتخابات، لكن حجم الاستهلاك اليومي إلى نهاية أكتوبر/تشرين أول 2026، أي قبيل انتخابات التجديد، سيجعل الاحتياطي عند الحد الحرج، وبالتالي فإن استمرار التوتر في مضيق هرمز سيعمق الأزمة.
ورطة وفرصة
وتكمن أزمة ترامب وحزبه في أنه بات يواجه هجومًا حادًا من خصومه الديمقراطيين، حيث يتهمونه بـ«استنزاف الأمن القومي لأغراض انتخابية قصيرة المدى»، وبالتالي فإن وصول احتياطي النفط إلى حد حرج وغير مسبوق يوفر مادة مناسبة للديمقراطيين لضرب ترامب وحزبه في الصميم، لأن استمرار السحب دون تعويض يضعف القدرة على الاستجابة لأي صدمات جيوسياسية جديدة.
والأهم من ذلك أن ترامب سبق وأن انتقد الإدارة السابقة بسبب السحب من الاحتياطي أثناء حملته الانتخابية، ووعد بملء الكهوف الاستراتيجية بالكامل، وبالتالي فإن تراجع المخزون إلى هذا المستوى سيُستغل باعتباره تراجعًا عن الوعود، والتراجع يُقاس بأنه فشل.
تجريد من أدوات المناورة
وبناءً على ذلك، فإن اقتراب المخزون من العتبة الفيدرالية الحرجة (252.4 مليون برميل) يجرّد ترامب وحزبه من أدوات المناورة المستقبلية، حيث لن يكون بمقدورهما قانونيًا أو فنيًا استخدام خيار السحب مجددًا إذا تفاقمت الأزمات الملاحية لاحقًا في مضيق هرمز، أو أي ممر ملاحي مرتبط بطريق نقل الطاقة.
نجاح وفشل
ومما سبق، يتضح أن إيران نجحت في إدارة الحرب وتداعياتها، رغم أنها فُرضت عليها، من خلال إجادة استخدام مضيق هرمز كسلاح جيوسياسي، في حين أن الولايات المتحدة اتخذت قرار الحرب، وهي متكئة على غطرستها العسكرية، التي أعمت ترامب وفريقه المقرب عن رؤية ما بعد إعلان الحرب، وطبيعة الوحول التي ستواجه ناقلات النفط في مضيق هرمز.