عرب جورنال _ كامل المعمري
تدخل المواجهة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة أكثر حساسية، بعدما اختارت واشنطن تشديد العقوبات بالتوازي مع استمرار قنوات التفاوض غير المباشر، في وقت تتمسك فيه طهران بأوراقها العسكرية والاقتصادية وتربط أي تسوية بتغيير أوسع في شروط المواجهة، وعلى رأسها العقوبات ووضع مضيق هرمز والملف النووي.
الإدارة الأمريكية فرضت في أحدث خطواتها عقوبات على عشرة أفراد وكيانات في إيران والصين وهونغ كونغ وباكستان، متهمة إياهم بالمساعدة في توفير أسلحة ومكونات عسكرية لوزارة الدفاع الإيرانية. وزارة الخزانة الأمريكية وضعت الإجراء ضمن حملة أطلقت عليها اسم «Operation Economic Outcast»، وصرحت بأن هدفها زيادة كلفة إعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية ودفع طهران نحو التفاوض. الخطوة تكشف استمرار اعتماد واشنطن على الضغط الاقتصادي في اللحظة نفسها التي تبقي فيها باب الوساطة مفتوحاً.
طهران قابلت الضغط الأمريكي برفع مستوى المواجهة السياسية الحرس الثوري وجه رسالة مفتوحة إلى الأمريكيين انتقد فيها سياسة الرئيس دونالد ترامب تجاه إيران والدعم الأمريكي لإسرائيل، وقدم الحرب باعتبارها نتيجة لمسار سياسي اختار التصعيد بدل التعايش. المتحدث باسم الحرس حسين محبي شدد أيضاً على استمرار امتلاك إيران أوراق ضغط في مضيق هرمز، معتبراً أن جهود الولايات المتحدة لتأمين مرور ناقلات النفط لا تعني حسم السيطرة على الممر الاستراتيجي لمصلحة واشنطن.
أهمية الموقف الإيراني ترتبط بكون مضيق هرمز تحول إلى نقطة مركزية في معادلة الحرب. واشنطن تملك تفوقاً عسكرياً واسعاً في المنطقة، إلا أن قدرتها على حماية تدفقات الطاقة وتأمين الملاحة بصورة مستقرة تبقى مرتبطة بكلفة عملياتية واقتصادية كبيرة. استمرار اضطراب المضيق يمنح طهران أداة ضغط تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة إلى أسواق النفط والاقتصاد العالمي والحسابات الداخلية الأمريكية.
المفارقة تظهر في لجوء الولايات المتحدة إلى احتياطياتها النفطية في محاولة لتخفيف أثر الحرب على السوق الداخلية. واشنطن أعلنت إتاحة قروض تصل إلى أربعين مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي ضمن تحرك دولي أوسع لمواجهة تداعيات الصراع مع إيران. الاحتياطي الأمريكي تراجع إلى أقل من 284 مليون برميل، وهو أدنى مستوى منذ عام 1982، في وقت تواجه فيه إدارة ترامب ضغوطاً مرتبطة بارتفاع أسعار الوقود والتضخم قبل انتخابات التجديد النصفي.
هذا التطور يمنح المواجهة بعداً اقتصادياً يتجاوز ميدان العمليات. إيران تتعرض لضغوط شديدة بفعل العقوبات والحرب وتراجع قيمة عملتها، فيما تتحمل الولايات المتحدة بدورها آثار اضطراب سوق الطاقة والحاجة إلى توظيف احتياطيات استراتيجية لتخفيف انعكاسات الصراع على المستهلك الأمريكي. المعركة تحولت بذلك إلى اختبار لقدرة كل طرف على تحمل الاستنزاف ورفع الكلفة على خصمه.
المسار الدبلوماسي مستمر عبر قطر ووسطاء آخرين، مع بقاء الخلافات الجوهرية قائمة. إيران تريد تسوية تتناول العقوبات والحرب ومضيق هرمز والبرنامج النووي ضمن معادلة مترابطة، بينما تصر واشنطن على أن الملف النووي يجب أن يكون جزءاً مركزياً من أي اتفاق. الاتصالات غير المباشرة في نيويورك لم تنتج حتى الآن اتفاقاً نهائياً، رغم استمرار تبادل الرسائل بين الجانبين.
المعادلة التي تحاول طهران فرضها تقوم على أن العقوبات وحدها لن تنتج تسوية بالشروط الأمريكية، وأن استمرار الحرب يحمل ثمناً للولايات المتحدة وحلفائها ولأسواق الطاقة العالمية. واشنطن تراهن في المقابل على إنهاك الاقتصاد الإيراني وتقييد إعادة بناء القدرات العسكرية ورفع الكلفة الداخلية على القيادة الإيرانية.
الحرس الثوري نقل المواجهة أيضاً إلى المجال السياسي الأمريكي، عبر مخاطبة الناخبين مباشرة وانتقاد إدارة ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي. الرسالة الإيرانية تسعى إلى ربط كلفة الحرب بالسياسة الداخلية الأمريكية وإظهار أن استمرار المواجهة يحمّل المواطن الأمريكي أثماناً تتجاوز الميدان العسكري إلى الطاقة والأسعار والإنفاق الحكومي.
الوضع الحالي يعكس صراعاً على شروط التسوية أكثر من اقتراب واضح من نهايتها. الولايات المتحدة تكثف العقوبات وتحاول تضييق شبكات التسليح الإيرانية، بينما تتمسك طهران بأوراق هرمز والقدرات العسكرية والضغط على أسواق الطاقة. استمرار الوساطة يؤكد أن الطرفين يدركان كلفة الانزلاق إلى مواجهة أطول، فيما تظل الفجوة واسعة حول ترتيب الخطوات وشروط وقف الحرب.
المؤشر الحاسم خلال المرحلة المقبلة سيكون مضمون الرد الأمريكي على المقترحات التي ينقلها الوسطاء، ومدى استعداد واشنطن لمناقشة تخفيف العقوبات مقابل تفاهمات نووية وأمنية.
طهران تبدو حتى الآن مصممة على منع تحويل المفاوضات إلى مسار لفرض الشروط الأمريكية تحت ضغط الحرب، بينما تواجه إدارة ترامب معادلة تتطلب موازنة أهدافها العسكرية والسياسية مع كلفة الطاقة والاستنزاف والضغط الداخلي المتزايد.