سبتمبر 11, 2026 - 18:25
الدرس اليمني.. !

عرب جورنال _ د. رافع الطبيب *

حين انطلقت "عاصفة الحزم" منذ ما يزيد عن إحدى عشرة سنة، خرج علينا خبراء البلاط ليثبتوا لنا أن القوة السعودية وحلفاءها قادرون على سحق أنصار الله في سويعات أو أيام.

تحاليلهم كانت تعتمد على الورق وما دونه الأغبياء في قوائم السلاح. لكنهم لم يقرؤوا جيدا وقائع الميدان وقوة العقيدة والتاريخ المقاوم وعشق اليمنيين لأرضهم ومنطق المجال لدى أمة عريقة. هذه معطيات لا يفقهها مستشارو الأمراء من بريطانيين ومصريين وبعض المشارقة بسبب ضيق معارفهم وتزلفهم ومساراتهم المهنية والحياتية المفعمة بالإنتهازية والتفاهة وترديد مقولات التيار السائد.

كانت ثلة صغيرة من الدارسين والمستشرفين هي التي كتبت وأكدت أن الخردة السعودية ستغطي صحراء الجزيرة وأن المرتزقة سيفرون ويدبرون في أول مواجهة مع أمة لم تعرف يوما الاحتلال والهزيمة. قلناها حينها، لقد انتهى عصر المال الخليجي وبدأت مرحلة السيادة والشعوب.

الحرب التحريرية ليست حفلا ينظمه تركي آل الشيخ!

الدرس اليمني هو حتمية انتصار العقيدة الوطنية على ترهات الأنظمة الاصطناعية الخارجة عن منطق التاريخ والإنسانية. اليمن، الدولة الأفقر عربيا تهزم المشيخة الأغنى، فقط لأنها دولة! لأن الشعب يؤمن بعلوية الوطن ولا يخضع لأهواء ملك منزوع الإرادة أمام أسياده الغربيين. انتصر اليمن لأنه فهم أن اللحظة التاريخية ووقائع الجيوسياسة تجعله مؤهلا ليتحول إلى قوة وفاعل أساسي في خرائط العالم.

انتصر اليمن لأن منطق العالم اليوم وبراديغمات صراعاته تغيرت جذريا وتحولت مراكز الفعل إلى محور الشعوب والانعتاق بعيدا عن نفوذ المال وقنوات الارتزاق.

انتصر اليمن لأن نموذج النظام الريعي النفطي العقاري المسنود بخطاب ديني زائف وفن هابط وغياب عقيدة وطنية ومؤسسات، انتهى فعليا وتحول إلى مومياء.

أما بالنسبة لمغربنا الكبير، ستمثل هزيمة السعودية وانهيار الإمارات وانكفاء الأمريكان عن المنطقة تغيرا في موازين القوى. قد تستفيد ليبيا من انحسار الدور الإماراتي وقد يتراجع دور المخزن غربا مما يسمح بتشكل محور مغاربي - ساحلي ينأى بنفسه عن استراتيجيات الغرب والأعراب.

لكن الأهم، هو ما سيشهده ساحلنا على المتوسط من تغيرات كبرى بعد هيمنة حلف المقاومة على الممرين البحريين في هرمز وباب المندب.

تونس، بموقعها على مفترق حوضي المتوسط ستتحول إلى أهم معابر العالم وبوابة إفريقيا والجوهرة الأبرز في عقد اللؤلؤ الصيني باتجاه قلب إفريقيا وجنوب القارة الأوروبية.

هل قرأنا هذا المشهد المستقبلي؟ هل لدينا موانئ في المستوى للاستفادة من هذا السيل التجاري العظيم؟ هل فهمنا أن سلاسل الإمداد على موعد مع تحول عميق؟ هل اتصلنا بكبريات شركات الشحن العالمية مرفقين بالخرائط والدراسات لاستجلابها إلى بلادنا؟

أسئلة تطرح زمن قيامة السيادة وانهيار الارتزاق.

ملاحظة على الصورة المرفقة : سألني خبراء استراتيجيون صينيون عن عدم اهتمامنا بالموانئ في تونس في حين أن سواحلنا هي الأهم متوسطيا... صراحة، أحسست بحرج! عندما قدمت استقالتي من المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية على إثر وصول قيس سعيد للرئاسة بدفع ممن عُيّن على رأس هذه المؤسسة، كنت بصدد إتمام دراسة حول سلسلة الموانئ في الضفة الجنوبية للمتوسط وفرص البلاد الحقيقية... خسارة.

رئيس "أكاديمية العلوم الجيوسياسية والاستراتيجيات"