عرب جورنال _ هلال جزيلان
خمسة وعشرون عامًا مرّت منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، ذلك الصباح الذي استيقظت فيه الولايات المتحدة على مشهد لم يكن أحد يتخيل أن يصبح لاحقًا نقطة فاصلة في تاريخ العالم الحديث.
طائرتان اصطدمتا ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وثالثة ضربت مبنى البنتاغون قرب واشنطن، فيما تحطمت طائرة رابعة في ولاية بنسلفانيا بعدما حاول ركابها استعادة السيطرة عليها.
خلال ساعات قليلة، تغيرت صورة الولايات المتحدة وأوضحت حقيقة نفسها، وتغير معها جزء كبير من شكل العالم.
لم تكن تلك الهجمات عملية إرهابية مروعة أودت بحياة نحو ثلاثة آلاف شخص كما روجت لها المكنة الإعلامية الغربية، وإنما كانت بداية لسلسلة طويلة من التحولات السياسية والأمنية والعسكرية والاجتماعية، امتدت آثارها من شوارع نيويورك وواشنطن إلى أفغانستان والعراق، ثم إلى مناطق أخرى في الشرق الأوسط والعالم.
وبعد ربع قرن، لا يزال السؤال مفتوحًا بالإضافة لأسئلة أخرى : ماذا بقي من عالم ما قبل 11 سبتمبر؟ وماذا أنتج العالم الذي جاء بعده؟
تغيّر كل شيء
في صباح الثلاثاء 11 سبتمبر 2001، تابع ملايين الأميركيين والعالم أجمع صور الطائرات وهي تضرب برجي مركز التجارة العالمي، صحيح لم يكن المشهد مألوفًا حتى في أكثر المخيلات السياسية تشاؤمًا، لكن سرعان ما اتضح أن ما يحدث ليس حادثًا عابرًا، وأن الولايات المتحدة تواجه هجومًا منظمًا نفذه 19 شخصًا مرتبطين بتنظيم القاعدة هذا ما أرادت أن تقنع العالم به حينها.
وبينما كانت فرق الإنقاذ تحاول الوصول إلى الناجين، كانت واشنطن تستعد لاتخاذ قرارات ستغير مسار السياسة الأميركية والعالمية لسنوات طويلة بالذات تجاه العرب والمسلمين ولكأن الأمر مدروس بعناية.
يقول محللون إن أهمية 11 سبتمبر لا تكمن فقط في حجم الخسائر البشرية، وإنما في رد الفعل السياسي والعسكري الذي أعقب الهجمات؛ إذ تحولت الولايات المتحدة خلال فترة قصيرة من دولة تعرضت لهجوم إلى قوة تخوض حربًا مفتوحة تحت عنوان «الحرب على الإرهاب».
من نيويورك إلى أفغانستان
لم تمضِ أسابيع طويلة حتى بدأت الولايات المتحدة حربها في أفغانستان بهدف إسقاط حركة طالبان وملاحقة تنظيم القاعدة لتخرج بعد 18 سنة خائبة، كان القرار يحظى بتأييد واسع داخل الولايات المتحدة، فيما بدا للرأي العام الأميركي أن الرد العسكري هو الطريق الطبيعي لاستعادة الأمن والانتقام من منفذي الهجمات، فكيف تريد لقرار أن تمضي فيه إلا بتأييد شعبي وللحصول عليه كان 11سبتمبر.
لكن الحرب التي بدأت باعتبارها عملية عسكرية محددة سرعان ما تحولت إلى أطول حرب في التاريخ الأميركي فعشرون عامًا من القتال يعني أجيال كاملة عاشت الحرب.
ثم انتهى الوجود الأميركي في أفغانستان عام 2021 بصورة تركت أسئلة كبيرة حول نتائج الحرب، بعدما عادت طالبان إلى السلطة، وظهرت مشاهد الانسحاب الأميركي الفوضوي التي بقيت حاضرة في الذاكرة العالمية.
ويرى مختصون في الشؤون الدولية أن تجربة أفغانستان كشفت حدود القوة العسكرية عندما تتحول الحرب من عملية انتقامية محددة إلى مشروع طويل لإعادة تشكيل دولة ومجتمع.
الحرب بعد أفغانستان..
لكن تداعيات 11 سبتمبر لم تتوقف عند أفغانستان فبعد أقل من عامين، دخلت الولايات المتحدة حربًا جديدة في العراق وهذه المرة لم يكن هناك ارتباط مباشر مثبت بين نظام صدام حسين وهجمات 11 سبتمبر، لكن إدارة الرئيس جورج بوش الابن قدمت مبررات أخرى للحرب، كان أبرزها اتهام العراق بامتلاك أسلحة دمار شامل.
لاحقًا، لم تُعثر على تلك الأسلحة بالصورة التي قدمتها الإدارة الأميركية لتبرير الغزو وهنا، بحسب محللين، ظهرت واحدة من أكبر مفارقات مرحلة ما بعد 11سبتمبر الذي قاد إلى حرب في دولة لم تكن لها صلة بمن نفذ الهجمات حسب الزعم الامريكي.
ومع سقوط بغداد، لم تنتهِ القصة فقد فككت مؤسسات الدولة العراقية، وتصاعد العنف الطائفي، وانتشرت المليشيات، ثم ظهر تنظيم داعش في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب ، كما ارتبط الوجود الأميركي في العراق بانتهاكات تركت أثرًا بالغًا على صورة الولايات المتحدة، وكان سجن أبو غريب أحد أبرز رموز تلك المرحلة.
من الحرب الخارجية إلى التحول الداخلي
لكن إرث 11 سبتمبر لم يكن عسكريًا فقط ، فداخل الولايات المتحدة نفسها، أعادت الهجمات تشكيل مفهوم الأمن القومي، حيث أنشئت وزارة الأمن الداخلي، وتوسعت صلاحيات أجهزة الدولة في المراقبة وجمع المعلومات، كما أُقر قانون «باتريوت» الذي منح السلطات الأميركية أدوات وصلاحيات واسعة في مجال مكافحة الإرهاب.
وأوضح مختصون أن هذه المرحلة نقلت الولايات المتحدة إلى نموذج أمني جديد، أصبح فيه مفهوم «الأمن» حاضرًا بقوة في تفاصيل الحياة اليومية، فلم يعد النقاش يتعلق فقط بكيفية منع هجوم إرهابي جديد، بل امتد إلى الهجرة، والمطارات، والحدود، والاتصالات، والخصوصية، والانتماء الوطني.
ويشير المؤرخ ناثان ستينيو، رئيس قسم التاريخ في جامعة رايس، إلى أن مرحلة ما بعد 11 سبتمبر ساهمت في تغيير طريقة التفكير في الحياة الداخلية الأميركية، وفي قضايا الهجرة والانتماء، كما أسهمت في تصاعد خطاب سياسي ينظر إلى الخصوم باعتبارهم أعداء وكأن الحادي عشر من سبتمبر أراد منتجوه لجعل أمريكا أقرب للحكم الشمولي، وهنا، يرى محللون أن أحد أخطر آثار 11 سبتمبر كان تطبيع حالة الطوارئ السياسية والأمنية.
صلاحيات أوسع لإدارة الرئيس
أحد الملفات التي بقيت مفتوحة منذ تلك السنوات هو ملف صلاحيات الرئيس الأميركي، فبعد الهجمات، توسعت صلاحيات الإدارة التنفيذية في استخدام القوة العسكرية وملاحقة المشتبه بهم واحتجازهم، وظهرت معتقلات وبرامج سرية ارتبطت لاحقًا بجدل واسع حول التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان، وكان معتقل غوانتنامو أحد أبرز رموز هذه المرحلة.
ويشير خبراء في القانون والسياسة الأميركية إلى أن بعض الأدوات التي توسعت في عهد جورج بوش الابن لم تختفِ بالكامل بعد مغادرته البيت الأبيض، بل تركت سابقة يمكن أن تستفيد منها إدارات لاحقة، ومن هنا، فإن الجدل الحالي حول حدود السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة لا يمكن فهمه بالكامل بمعزل عن الإرث القانوني والسياسي الذي خلفته سنوات ما بعد 11 سبتمبر.
لم يغلق الباب بالكامل
عندما وصل باراك أوباما إلى البيت الأبيض، حمل معه وعودًا بالتغيير، وإنهاء بعض مظاهر السياسة الخارجية التي أثارت جدلًا واسعًا في عهد بوش، لكن السنوات التالية أثبتت أن تغيير الرئيس لا يعني بالضرورة تغيير كل أدوات الدولة، ويشير محللون إلى أن أوباما ورث منظومة أمنية واسعة، واستمر جزء كبير منها في العمل، وإن اختلفت طريقة استخدامها وخطاب الإدارة بشأنها.
المسلمون.. ضحية ولم يكونوا طرفًا في الجريمة
في الجانب الآخر من المشهد، كان هناك ملايين المسلمين الأميركيين والعرب الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام واقع جديد، لم يرتكبوا الهجمات، لكنهم دفعوا في أحيان كثيرة ثمنًا اجتماعيًا وسياسيًا ونفسيًا لم يكن لهم يد فيه حيث تصاعدت ظاهرة الإسلاموفوبيا، وبدأت صورة المسلم في بعض الخطابات الإعلامية والسياسية ترتبط بالإرهاب والتطرف والخطر الأمني.
ويصف بعض الباحثين هذه المرحلة بأنها تشابه، في بعض جوانبها، أجواء كارثية في الولايات المتحدة، حين أصبحت الشبهة السياسية أو الفكرية كافية لوضع الإنسان تحت دائرة المراقبة والاتهام ، وأكد مختصون أن المشكلة لم تكن في الإجراءات الأمنية وحدها، وإنما في الصورة الذهنية التي بدأت تتشكل حول المسلمين، فكلما تكررت لغة الخوف، أصبح من السهل أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وأن يتحول الإنسان من مواطن أو مهاجر إلى «مشتبه به» بسبب اسمه أو دينه أو أصوله.
.. عودة خطاب الخوف
ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 2025، عاد ملف العلاقة مع المسلمين والمهاجرين إلى الواجهة بقوة، حيث يرى متابعون أن الخطاب السياسي الأميركي شهد خلال هذه المرحلة إعادة توظيف لبعض المفردات التي ارتبطت بفترة ما بعد 11 سبتمبر، خصوصًا في ملفات الهجرة والأمن والهوية الوطنية، كما عادت قضية حظر السفر من دول ذات أغلبية مسلمة، إلى جانب تصاعد الجدل حول الهجرة ومشاركة المسلمين في الحياة السياسية الأميركية، ولم يعد النقاش مقتصرًا على المسلمين في الشارع الأميركي، بل وصل إلى الجامعات والمؤسسات السياسية والانتخابات، وفي هذا السياق، يرى محللون أن أخطر ما في خطاب التخويف ليس فقط ما يقوله السياسيون، وإنما ما يترتب عليه عندما يتحول الخطاب إلى سياسات وممارسات اجتماعية.
من الخوف إلى الكراهية
تقول زينب شودري، مديرة منظمة مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية «كير» في ماريلاند، إن آثار السياسات المعادية للإسلام ما تزال حاضرة بعد 25 عامًا من الهجمات، وترى شودري أن المجتمعات المسلمة في الولايات المتحدة تأثرت بدرجات مختلفة بالخطاب والسياسات التي ساهمت في تشويه صورة الإسلام وربط المسلمين بهجمات 11 سبتمبر، وتشير إلى أن منظمتها تواصل مواجهة ما تصفه بالرواية التي تحاول تحميل الإسلام مسؤولية الهجمات، مؤكدة أن الإسلام لا يقر ما حدث في 11 سبتمبر، كما تنتقد شودري ما تعتبره تصاعدًا في خطاب التخويف والتعصب تجاه المسلمين، وترى أن وصول مثل هذه الرسائل إلى الجمهور من أعلى المستويات السياسية يمكن أن يشجع مجموعات أخرى على تبنيها.
أكثر من 8 آلاف شكوى
وبحسب ما نقلته شودري عن تقرير حديث لمنظمة «كير»، جرى توثيق أكثر من 8 آلاف حالة وشكوى مرتبطة بالتمييز والتحيز ضد المسلمين، مع اعتقاد المنظمة بأن الرقم الحقيقي أعلى من ذلك بسبب الحالات التي لا يتم الإبلاغ عنها.
ويقول متابعون إن الأرقام الرسمية للشكاوى لا تعكس دائمًا الحجم الكامل للمشكلة؛ فالكثير من حالات التمييز لا تصل إلى المؤسسات المعنية، سواء بسبب الخوف أو عدم الثقة أو عدم معرفة الضحايا بالجهات التي يمكنهم اللجوء إليها، لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل ففي مقابل خطاب الكراهية، شهدت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة صعود شخصيات مسلمة إلى مواقع سياسية وانتخابية مختلفة.
فبعد ربع قرن، يبدو واضحًا أن الولايات المتحدة لم تعد هي الولايات المتحدة التي كانت قبل 11، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا يبقى: هل نجحت الحرب على الإرهاب في تحقيق الأمن الذي وعدت به؟ وما يراه محللون أن الإجابة ليست بسيطة، فالولايات المتحدة نجحت في ملاحقة عدد من قيادات التنظيمات الإرهابية وتطوير قدراتها الاستخبارية والأمنية، لكنها في المقابل دخلت حروبًا طويلة، وأنفقت موارد ضخمة، وتسببت سياساتها في تداعيات إقليمية .
ذكرى 11 سبتمبر بعد ربع قرن ليست استعادة لمشهد تاريخي، إنها مناسبة لإعادة النظر في الطريق الذي قطعته الولايات المتحدة والعالم منذ ذلك الصباح، فالهجمات قتلت آلاف الأشخاص في يوم واحد، لكن القرارات التي جاءت بعدها أعادت رسم خرائط وحروب وسياسات امتدت آثارها لعقود.
وربما يكون الدرس الأهم الذي يقدمه ربع قرن من تلك التجربة هو أن الخوف حين يتحول إلى سياسة يمكن أن يعيش أطول بكثير من الحدث الذي ولّده.