سبتمبر 11, 2026 - 02:47
سبتمبر 11, 2026 - 18:12
الباحث في الشؤون الإقليمية والدولية جمال شعيب لـ(عرب جورنال): السعودية تخشى المواجهة المباشرة مع اليمن واستمرار العدوان يشكل خسارة استراتيجية كبيرة للرياض

في حوار جديد، تستضيف "عرب جورنال" الباحث في الشؤون الإقليمية والدولية، جمال شعيب، لقراءة أبعاد وأسباب عودة السعودية للتصعيد العسكري المباشر والتحريض ضد اليمن وسلوك الفصائل الموالية لها، في ظل صمود القوات المسلحة اليمنية والانتصارات التي تحققها في مختلف الجبهات والساحات.

ويتطرق الحوار إلى صمت نظام أحمد الشرع المعروف بـ"أبو محمد الجولاني" وتجاهله للاعتداءات والتحركات الإسرائيلية في العمق السوري، مقابل تصعيد خطابه السياسي والإعلامي ضد صنعاء وفتح جبهات سجال جديدة اتساقاً مع التحركات الإقليمية المعادية.

كما يناقش الحوار مستجدات المشهد اللبناني في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار والسجال القائم حول "اتفاق الإطار"، والخيارات الاستراتيجية للمقاومة اللبنانية في الاستناد إلى صمودها الميداني لحماية سيادة البلاد ومواجهة الضغوط الداخلية والإقليمية.

كذلك يتناول الحوار تطورات المشهد العسكري والسياسي الإيراني في مواجهة الاعتداءات الأمريكية، وقدرة طهران على تثبيت معادلة ردع حاسمة في مضيق هرمز، وانعكاسات الفشل الأمريكي الإسرائيلي على مختلف ملفات الإقليم وفرص الذهاب نحو جولات تصعيدية جديدة.

عرب جورنال / حوار/ حلمي الكمالي 

تجدد التصعيد ضد اليمن هو محاولة صريحة لمعاقبته بعدما حول دعم فلسطين من مجرد خطاب تضامني إلى وظيفة عسكرية استراتيجية مؤذية لكيان الاحتلال.

السعودية تخشى المواجهة الجوية المباشرة مع اليمن لتجنب استهداف قواعدها ومدنها، وتلجأ للوكلاء المحليين لشن الهجمات البرية بغطاء جوي وتمويل واستخبارات كاملة.

فشل الضربات السعودية في إضعاف الجبهة اليمنية وقدرة القوات اليمنية على الانتقال القياسي من الدفاع إلى الهجوم أدا إلى اكتساح تحشيدات الرياض وانهيارها الدراماتيكي.

اجتماع الاختراقات الصاروخية والمكاسب البرية وورقة باب المندب كفيل بإقناع الرياض بأن استمرار العدوان سيحول كل جولة جديدة إلى خسارة استراتيجية أكبر.

النظام الجديد في دمشق لا يتصرف وفق معيار السيادة السورية أو الخطر الإسرائيلي، بل وفق شبكة الاعتماد السياسي والمالي التي تحكم بقاءه.

"اتفاق الإطار" تحول إلى مسار مفتوح يخدم الاحتلال الإسرائيلي لفرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد تحت النار بدلاً من ضمان الانسحاب من لبنان.

إيران أثبتت قدرتها الميدانية على حرمان واشنطن و"تل أبيب" من تحقيق أي نصر سياسي، وفرضت معادلة منع بحري رفعت تكاليف الطاقة عالمياً.

_ برأيكم، ما دوافع استئناف السعودية الاعتداءات العسكرية المباشرة على اليمن وأسبابها في هذا التوقيت بالذات، في الوقت الذي يتضح فيه أنها تخشى المواجهة المباشرة فتدفع بالفصائل الموالية لها لشن هجمات برية؟ ولماذا يتجه النظام السعودي لتصعيد التوترات بدلا من تنفيذ مطالب صنعاء المشروعة وعلى رأسها رفع الحصار الجائر؟ وهل تعتقدون أن التصعيد ضد اليمن يأتي انتقاما من دوره التاريخي في دعم الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة عسكريا خلال معركة طوفان الأقصى، خصوصا في ظل التحركات والتصريحات التحريضية التي نراها اليوم من قبل الكيان الصهيوني ضد صنعاء؟ وهل تعتقدون أن الانتصارات الميدانية التي تحققها صنعاء في مختلف الجبهات والضربات الصاروخية التي تصل إلى منشآت أرامكو والقواعد العسكرية السعودية دون مقاومة أو منظومات دفاعية ستجبر الرياض على وقف العدوان وتنفيذ شروط صنعاء؟

إن لجوء الرياض إلى الفصائل الموالية لها لشن الهجمات البرية لا يعكس ثقة بالحسم، بل محاولة لاستعادة المبادرة من دون العودة الكاملة إلى نموذج حرب 2015. السعودية تدرك أن المواجهة الجوية المباشرة والمفتوحة ستعيد منشآتها النفطية ومدنها وقواعدها إلى دائرة الاستهداف، ولذلك تريد حرباً تتحمل القوى اليمنية التابعة لها كلفتها البشرية، بينما توفر هي الغطاء الجوي والتمويل والاستخبارات.

أما بخصوص الضربات الجوية الأخيرة، فالثابت أن التصعيد السعودي سبق الضربات اليمنية الواسعة على أبها ونجران وجيزان وخميس مشيط، وأن تلك الضربات أصابت منشآت نفطية وخدمية وأوقعت عشرات الجرحى وفق الرواية السعودية، فيما لم تحقق الضربات الجوية السعودية هدفها بإضعاف الجبهات الدفاعية للقوات المسلحة اليمنية، بدليل القدرة على الانتقال من الدفاع الى الهجوم في وقت قصير وقياسي عسكرياً، وتحقيق اكتساح سريع لدفاعات التحشيدات السعودية مما أدى إلى انهيارها الدراماتيكي الذي شهدناه.

تفضيل النظام السعودي للتصعيد على تنفيذ مطالب صنعاء، وفي مقدمتها رفع الحصار ومعالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية، مردّه إلى أن الرياض لا تنظر إلى هذه المطالب باعتبارها حقوقاً يمنية منفصلة، بل باعتبارها أوراق قوة تمنح صنعاء اعترافاً سياسياً وقدرة أكبر على فرض معادلات إقليمية. رفع الحصار من دون انتزاع تنازلات مقابلة يعني، في الحساب السعودي، الإقرار بفشل حرب امتدت سنوات وبأن صنعاء خرجت منها أكثر قوة واستقلالاً.

ولا أعتقد أن وصف التصعيد بأنه مجرد «انتقام» من موقف اليمن في معركة طوفان الأقصى يكفي لتفسير المشهد. الأدق أنه محاولة لمعاقبة صنعاء على تحويل دعم فلسطين من خطاب تضامني إلى وظيفة عسكرية واستراتيجية أثرت في حركة السفن وفي أمن الكيان الصهيوني. هذا الدور رفع مكانة اليمن داخل معادلة المقاومة، وجعله هدفاً مشتركاً للضغط الأميركي والإسرائيلي والسعودي. فالكيان الصهيوني لا يتحرك ضد صنعاء بسبب موقف أيديولوجي فحسب، بل لأنها أثبتت قدرتها على ربط البحر الأحمر بفلسطين وفرض كلفة اقتصادية وأمنية عابرة للحدود.

أما الضربات التي وصلت إلى منشآت أرامكو والقواعد السعودية، فقد كشفت مجدداً حدود منظومات الدفاع الجوي، لكنها لا تعني أن الدفاعات غابت كلياً أو أن جميع الصواريخ والمسيّرات أصابت أهدافها. القيمة الاستراتيجية لهذه الضربات ليست في عدد الإصابات وحده، بل في إجبار الرياض على توزيع دفاعاتها، وتعطيل المنشآت مؤقتاً، ورفع كلفة التأمين، وإظهار أن العمق السعودي ليس خارج المعركة.

هل يكفي ذلك لإجبار الرياض على وقف العدوان؟ ليس بصورة آلية. السعودية قد ترد بتوسيع الحرب أو باستدعاء مظلات دفاعية وتحالفات إضافية. لكن اجتماع ثلاثة عوامل — استمرار الاختراقات الصاروخية، وثبات المكاسب البرية، وتحول باب المندب إلى ورقة ضغط على صادرات الطاقة — يمكن أن يدفعها نحو العودة إلى التفاوض. ما يجبر الرياض على التراجع ليس ضربة منفردة، بل اقتناعها بأن استمرار العدوان سيبدد ما تبقى من مكاسبها ويحوّل كل جولة جديدة إلى خسارة استراتيجية أكبر.

_ كيف تفسرون التزام ما يسمى بـ "النظام السوري" الجديد بزعامة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) الصمت المطبق حيال الاعتداءات والتوغلات الإسرائيلية المتواصلة في العمق السوري، والتي توجت مؤخرا باقتحام بنيامين نتنياهو لقمة جبل الشيخ السوري واستعراض نفوذه العسكري على بعد كيلومترات معدودة من دمشق؟ وكيف تقرأون تحول بوصلة الخطاب الإعلامي والسياسي لنظام الشرع مؤخرا نحو فتح جبهات سجال وتصعيد إعلامي ضد صنعاء مع بدء التصعيد السعودي، والتلويح بفرص مشاركة مقاتلين في اليمن إلى جانب العدوان السعودي، في الوقت الذي تقف فيه قوات الاحتلال على مشارف العاصمة دمشق دون أي تحرك عسكري أو حتى إدانة سياسية صريحة؟

ينبغي أولاً ضبط توصيف «الصمت المطبق». فقد تأخرت سلطة أحمد الشرع في اتخاذ موقف يتناسب مع خطورة اقتحام بنيامين نتنياهو جبل الشيخ السوري في 9 أيلول، لكنها أصدرت في اليوم التالي إدانة رسمية للزيارة واعتبرتها انتهاكاً للسيادة السورية. المشكلة، إذاً، ليست غياب بيان بصورة مطلقة، بل الفارق الهائل بين حجم الاعتداء الإسرائيلي وبين مستوى الرد السياسي والإعلامي السوري. 

نتنياهو لم يكتفِ بخرق الحدود، بل وقف على قمة سورية محتلة ليعلن عملياً أن جيشه يراقب دمشق وأن بقاءه في المنطقة جزء من معادلة أمنية طويلة الأمد. ومع ذلك، جاء رد سلطة الشرع محدوداً ومحسوباً، لأنها بنت شرعيتها الخارجية على تجنب الصدام مع إسرائيل، وعلى تحصيل الاعتراف الأميركي والدعم الخليجي، وخصوصاً السعودي، إضافة إلى حاجتها إلى الغطاء التركي.

هذه السلطة تتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي باعتباره خطراً تؤجَّل مواجهته، فيما تتعامل مع خصوم السعودية وإيران ومحور المقاومة باعتبارهم ملفاً يمكن استخدامه لإثبات أهليتها الإقليمية. لذلك لا تبدو المفارقة بين خفوت خطابها تجاه الاحتلال وارتفاع صوتها ضد صنعاء عارضة أو إعلامية؛ إنها تكشف ترتيب الأولويات الحقيقي للنظام الجديد: تجنب كلفة الاعتراض على إسرائيل، وتقديم أوراق اعتماد سياسية وأمنية للرياض وواشنطن.

وقد تجسد ذلك في إدانة الخارجية السورية الرسمية لهجمات صنعاء على السعودية وإعلان «التضامن الكامل» مع المملكة ودعم الإجراءات التي تتخذها لحماية أمنها.

أما الحديث عن إرسال مقاتلين سوريين إلى اليمن، سواء كان الدليل الى ذلك (الفيديو) آنياً أو قديماً. فهو لا يلغي وجود بيئة سياسية وإعلامية تحرض ضد صنعاء، ولا يلغي احتمال استخدام مقاتلين أفراد أو شبكات تجنيد خارج إطار إعلان الدولة. لكن الفارق أساسي بين التحريض أو التلويح الإعلامي وبين قرار عسكري مثبت.

الخلاصة أن النظام السوري الجديد لا يتصرف وفق معيار السيادة السورية أو الخطر الإسرائيلي، بل وفق شبكة الاعتماد السياسي والمالي التي تحكم بقاءه. حين يقف الاحتلال على جبل الشيخ يكون الرد بياناً متأخراً؛ وحين تتعرض المصالح السعودية للضغط تتحرك اللغة السياسية بسرعة ووضوح. وهذه ليست ازدواجية خطاب فحسب، بل تعبير عن سلطة ترى شرعيتها في رضا الرعاة الخارجيين أكثر مما تراها في مواجهة الاحتلال الذي يقتطع الأرض ويقترب من دمشق.

_ بخصوص الشأن اللبناني.. في ظل استمرار خروقات الاحتلال الإسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار، وتمسك الحكومة اللبنانية بـ "اتفاق الإطار" الذي يرى فيه البعض غطاء لاستمرار العدوان دون تحقيق مصلحة الشعب اللبناني، كيف تصفون طبيعة الأوضاع الداخلية في لبنان بالتزامن مع المفاوضات الجارية بين السلطة والكيان الصهيوني؟ وما هي الخيارات الاستراتيجية للمقاومة لمواجهة هذا العدوان وتجاوز الاختلالات الداخلية، استنادا إلى صمودها الميداني على الأرض؟ وما هي تصوراتكم للمشهد اللبناني الراهن بشكل عام؟

يعيش لبنان اليوم في منطقة رمادية: لا وقف فعلياً للعدوان، ولا عودة معلنة إلى الحرب الشاملة، ولا مفاوضات أنتجت انسحاباً أو سيادة كاملة. «اتفاق الإطار» الموقّع في 26 حزيران لم يتحول إلى آلية تلزم الاحتلال بالانسحاب ووقف الاعتداءات، بل أصبح مساراً مفتوحاً تستخدمه إسرائيل لفرض ترتيب سياسي وأمني طويل الأمد تحت النار.

المشكلة الجوهرية في الاتفاق هي اختلال التزامن. المطلوب من لبنان والمقاومة إجراءات فورية تتصل بالسلاح والانتشار، بينما تُرك الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات لمسار غير محدد. وبعد أكثر من شهرين، بقيت المحادثات متعثرة، ورفض الجانب الإسرائيلي تحديد المناطق المحتلة التي يفترض أن ينسحب منها كي ينتشر الجيش اللبناني مكانه.

والأخطر أن الجيش اللبناني نفسه أعلن تسجيل نحو 7700 خرق إسرائيلي منذ توقيع الاتفاق حتى 9 أيلول، مؤكداً أن الاعتداءات تعطل انتشاره وتمنعه من تنفيذ مهماته. وهذا يعني أن المشكلة ليست في لبنان، بل في غياب أي ضمانة تلزم الاحتلال بتنفيذ ما عليه.

علماً أننا داخلياً، نشهد في لبنان انقساماً بين سلطة تعتقد أن التفاوض والدعم الخارجي يمكن أن يجنّبا البلد حرباً جديدة (بحسب ظاهر اعلانها، وبين مقاومة وبيئة شعبية ترى أن التخلي عن عناصر القوة قبل الانسحاب سيحوّل الاتفاق إلى عملية نزع قوة أحادية، وتعتبر أن السلطة منخرطة في مسار تنازلات لا يراعي مصلحة لبنان وسيادته وأمنه.وتضغط باتجاه تقديم تنازلات استراتيجية تحت عنوان الواقعية.

المقاومة ليست مطالبة بالاندفاع إلى حرب مفتوحة وفق التوقيت الإسرائيلي، لكنها في المقابل لا تستطيع التسليم بمسار تفاوضي تتحول فيه الخروقات إلى أمر واقع. خيارها الأكثر فاعلية هو الجمع بين الصمود الميداني والردع المحسوب والعمل السياسي: الحفاظ على الجاهزية ومنع الاحتلال من تثبيت احتلاله بلا كلفة، وتوثيق الخروقات وتحويلها إلى مادة مواجهة سياسية وقانونية، ورفض أي فصل بين الانسحاب الإسرائيلي وبين البحث في الاستراتيجية الدفاعية والسلاح.

كما تحتاج المقاومة إلى إعادة بناء شبكة تحالفاتها الوطنية خارج الاصطفاف الطائفي. فمعركة السلاح لا تُربح بالسلاح داخلياً، بل بإعادة تثبيت التفاهمات على "أن وظيفة المقاومة هي حماية السيادة لا الحلول محل الدولة"، وأن أي نقاش في مستقبل قدراتها يجب أن يبدأ من انسحاب الاحتلال ووقف اعتداءاته وتأمين القرى وعودة أهلها.

وقد أظهرت معركة مرتفعات علي الطاهر أن التفوق الجوي والناري الإسرائيلي لا يتحول تلقائياً إلى سيطرة برية سريعة ونظيفة. إذ احتاج الاحتلال إلى نحو ثلاثة أشهر قبل إعلان «السيطرة العملياتية»، بينما بقي نطاق السيطرة الفعلية موضع خلاف ولم تتمكن المصادر المستقلة من التحقق من امتدادها الكامل، هذه التجربة تمنح المقاومة ورقة قوة، لكنها لا تلغي حجم الضغط ولا الخسائر ولا الحاجة إلى معالجة الاختلال السياسي الداخلي.

المشهد اللبناني، إذاً، هو صراع على معنى الاتفاق نفسه: هل يكون طريقاً إلى الانسحاب ووقف العدوان، أم غطاءً لإدارة الاحتلال وتجريد لبنان تدريجياً من أوراقه؟ ما لم تُربط كل خطوة لبنانية بخطوة إسرائيلية مقابلة وقابلة للتحقق، ستبقى المفاوضات وسيلة لشراء الوقت لمصلحة الاحتلال.

_ ما هي تحليلاتكم لتطورات المشهد السياسي والعسكري المتعلق بإيران في ظل الاعتداءات الأمريكية المتقطعة؟ وهل تعتقدون أن الجمهورية الإسلامية نجحت في تقويض أهداف العدوان الأمريكي الصهيوني؟ وما الانعكاسات المتوقعة للمعادلة العسكرية التي فرضتها طهران في مضيق هرمز أمام البحرية الأمريكية؟ وكيف يمكن ربط ارتدادات الفشل الأمريكي الإسرائيلي في إيران ببقية ملفات المنطقة والإقليم؟ وهل تعتقدون أننا قد نشهد جولات تصعيدية جديدة وواسعة ومباشرة ضد إيران خلال الفترة المقبلة، استنادا إلى نتيجة الفشل السابقة والمستمرة للمعتدين؟

قد يقول من يدعي الواقعية "لا يمكن الحديث عن انتصار إيراني كامل"، لكن في الوقت نفسه لا يمكن قبول رواية النجاح الأميركي الإسرائيلي. الأدق أن طهران نجحت حتى الآن في تقويض هدف الحسم: لم يسقط النظام، ولم تُسلب إيران قدرتها على إطلاق الصواريخ والمسيّرات، ولم تستطع الولايات المتحدة تأمين الملاحة الطبيعية في مضيق هرمز أو إخراج قواتها وقواعدها من دائرة الاستهداف. لكن إيران دفعت في المقابل كلفة ثقيلة في قياداتها وبناها العسكرية والدفاعية واقتصادها وناقلاتها النفطية، إلا أنها حرمت العدو من تحقيق أهدافه وحققت في مرماه أهدافاً تسجل في لوائح اسعار النفط والبورصات العالمية ومؤشرات التضخم والأسعار في الولايات المتحدة الاميركية.

الولايات المتحدة أعلنت في مطلع أيلول ضرب مواقع دفاع جوي ورادارات وقدرات بحرية وزرع ألغام واتصالات داخل إيران. ثم استهدفت في 5 و8 أيلول ثماني ناقلات إيرانية رداً على محاولات استهداف سفنها الحربية. وهذه وقائع تؤكد أن واشنطن ما زالت قادرة على إلحاق أضرار كبيرة، لكنها تؤكد أيضاً أن الحرب لم تحقق الهدف السياسي الذي كان يفترض أن تحققه القوة العسكرية. وأن واشنطن لا زلت تبحث عن "أساليب حربية" جديدة لإضعاف موقف طهران.

المعادلة التي فرضتها إيران في هرمز ليست «سيطرة بحرية» بالمعنى التقليدي؛ فالأسطول الأميركي ما زال قادراً على العمل والضرب والمرافقة. إنها معادلة منع بحري ورفع للكلفة: تستطيع إيران أن تجعل العبور غير آمن، وأن تفرض على السفن حسابات سياسية وتأمينية، وأن تجبر البحرية الأميركية على تخصيص موارد هائلة لحماية كل حركة. ولهذا انخفضت حركة الملاحة بشدة، وعاد النفط إلى ما فوق مئة دولار، فيما أصبحت محاولات استهداف حاملات الطائرات والمدمرات جزءاً من الاشتباك المباشر.

القيمة الحقيقية لهذه المعادلة أن الولايات المتحدة قد تربح جولة نارية، لكنها لا تستطيع ضمان انسياب الطاقة والتجارة بالتفوق الجوي وحده. وكلما طال أمد الحرب، تحولت القواعد الأميركية الكبيرة في الخليج من أدوات ردع إلى أهداف ثابتة تحتاج إلى حماية دائمة. وقد أثبتت إيران، رغم الضربات، قدرتها على إعادة بناء جزء من مخزونها المسيّر واستهداف قواعد مستخدمة أميركياً في الكويت والإمارات والبحرين ومناطق أخرى.

وترتد هذه النتيجة على بقية ملفات الإقليم مباشرة. تعطيل هرمز رفع قيمة البحر الأحمر وباب المندب، ولذلك أصبح التصعيد ضد اليمن جزءاً من الحرب على إيران لا ملفاً منفصلاً عنها. كما يدفع واشنطن وتل أبيب إلى تشديد الضغط على المقاومة في لبنان، وإلى تثبيت نظام إقليمي في سوريا يعزل إيران ويمنع إعادة وصل ساحات المقاومة. وفي الوقت نفسه، يضع دول الخليج أمام تناقض حاد: اعتمادها الأمني على واشنطن يجعل أراضيها جزءاً من مسرح الحرب، بينما تتضرر اقتصاداتها ومنشآتها كلما توسعت تلك الحرب.

أما احتمال اندلاع جولات واسعة جديدة، فهو مرتفع، لكن السيناريو الأرجح ليس غزواً برياً أميركياً شاملاً، بل تناوب موجات عنيفة من الضربات مع فترات تهدئة قصيرة. قد تكون محاولة إصابة حاملة طائرات، أو سقوط أعداد كبيرة من الجنود الأميركيين، أو إغلاق أوسع للمضيق، أو تطور في الملف النووي، شرارة لجولة أكبر.

في المقابل، تكبح هذا الاحتمال أزمة الذخائر الأميركية، والكلفة الاقتصادية العالمية، وتردد دول الخليج في تحويل قواعدها إلى منصات لحرب مفتوحة، والعجز عن تقديم تصور واضح لليوم التالي داخل إيران. وتشير تقارير أميركية إلى استعداد البحرية للإبقاء على مجموعتي حاملات في المنطقة فترة طويلة، وإلى إمكان العودة إلى حملة أوسع بعد الانتخابات النصفية الأميركية وبعد تعويض جزء من مخزون الأسلحة.

الخلاصة أن الجمهورية الإسلامية لم تمنع الضربات ولم تخرج بلا خسائر، لكنها منعت المعتدين من تحويل التفوق العسكري إلى نصر سياسي. لقد فرضت معادلة تقول إن إيران قد تتلقى الضربات، لكنها تستطيع توسيع جغرافيا الكلفة من هرمز إلى القواعد الأميركية، ومن الخليج إلى باب المندب ولبنان. وهذا تحديداً هو معنى فشل الحسم الأميركي الإسرائيلي: القدرة على التدمير بقيت قائمة، أما القدرة على إنهاء المعركة بالشروط الأميركية والإسرائيلية فلم تتحقق.