سبتمبر 10, 2026 - 19:52
واشنطن تعترف بتضرر مقاتلاتها في الأردن.. الصواريخ الإيرانية تصل إلى قواعدها الجوية

عرب جورنال _ كامل المعمري

كشفت الضربة الصاروخية الإيرانية على قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن عن خسائر مباشرة طالت طائرات أميركية كانت متمركزة داخل القاعدة، في تطور يضع أداء الدفاعات الأميركية تحت ضغط جديد، ويكشف حجم المخاطر التي باتت تواجهها القوة الجوية الأميركية المنتشرة في المنطقة مع اتساع نطاق المواجهة مع طهران.

شبكة «سي بي إس نيوز» الأميركية أفادت، نقلًا عن مصادر مطلعة على حجم الأضرار، بأن طائرة هجومية من طراز A-10 Thunderbolt II تعرضت لإصابة شديدة أفقدتها أحد جناحيها، بينما أصيبت نحو ثماني مقاتلات من طراز F-15 بأضرار خفيفة. وأعيدت المقاتلات الثماني إلى الخدمة بعد فحصها ومعالجة الأضرار، بحسب المصادر نفسها. وأكدت مجلة Air & Space Forces المتخصصة في شؤون القوات الجوية أن الطائرات المتضررة من طراز F-15E Strike Eagle، وهي من أبرز المقاتلات الهجومية التي تعتمد عليها واشنطن في عملياتها بالمنطقة.

وقعت الضربة ليلة الثامن من سبتمبر، بعد ساعات من إعلان القيادة المركزية الأميركية تدمير خمس ناقلات نفط إيرانية. طهران ردت بإطلاق صواريخ بالستية باتجاه قاعدة موفق السلطي، إلى جانب هجمات أخرى أعلنت استهدافها سفنًا وأصولًا أميركية. وبذلك انتقلت جولة التصعيد سريعًا من البحر إلى واحدة من أهم نقاط تمركز الطيران الأميركي في الشرق الأوسط.

أهمية ما حدث تأتي أساسًا من مكان الإصابة ونوعية الأهداف التي وصلت إليها الصواريخ. قاعدة موفق السلطي تحولت خلال الأشهر الماضية إلى مركز رئيسي للعمليات الجوية الأميركية ضد إيران. وكالة «أسوشيتد برس» نقلت قبل أيام عن خبراء أن القاعدة أصبحت مركزًا لوجستيًا رئيسيًا لطائرات النقل C-17 ونحو ستين طائرة قتالية أميركية. وكانت صور أقمار صناعية حللتها صحيفة «واشنطن بوست» في فبراير قد أظهرت أكثر من ستين طائرة حربية داخل القاعدة، فيما رصدت صور أقدم ما لا يقل عن اثنتي عشرة مقاتلة F-15E وتسع طائرات A-10 في الموقع نفسه.

هذا الحجم من الانتشار جعل القاعدة جزءًا أساسيًا من المجهود الجوي الأميركي، وحوّلها في الوقت نفسه إلى هدف عالي القيمة بالنسبة إلى إيران. واشنطن وزعت خلال الأشهر الماضية جزءًا من طائراتها على عدد من القواعد في الشرق الأوسط وأوروبا بهدف تأمين عملياتها وتقليل تعرض أصولها لضربة مركزة. قاعدة موفق السلطي استقبلت جزءًا مهمًا من ذلك الحشد، مستفيدة من موقعها الذي يمنح الطيران الأميركي عمقًا جغرافيًا ومسافة تشغيل مناسبة تجاه إيران. لكن الضربة الأخيرة أظهرت أن هذا العمق لم يمنع الصواريخ الإيرانية من الوصول إلى منطقة تتمركز فيها الطائرات.

الأردن أعلن عقب الهجوم أن دفاعاته اعترضت 18 صاروخًا من أصل 20 أطلقت باتجاه أراضيه، وقال حينها إن الصاروخين الآخرين سقطا في مناطق غير مأهولة وإن الهجوم لم يسفر عن إصابات بشرية. المعلومات التي ظهرت لاحقًا عن تضرر الطائرات الأميركية أضافت صورة مختلفة لحجم ما وصل إلى القاعدة خلال تلك الليلة، وأعادت طرح أسئلة حول قدرة منظومات الدفاع المنتشرة حول المنشآت الأميركية على منع الأضرار عندما تواجه هجمات صاروخية متكررة.

بالنسبة إلى البنتاغون، المسألة تتجاوز كلفة إصلاح جناح طائرة أو إعادة عدد من المقاتلات إلى الخدمة. الولايات المتحدة أنفقت مبالغ هائلة على بناء شبكة دفاع جوي وقواعد عسكرية يفترض أن توفر لقواتها القدرة على العمل من مواقع محمية. وصول صاروخ بالستي إلى منطقة وقوف الطائرات وإلحاقه ضررًا بعدد منها يضع تلك المنظومة أمام اختبار قاس، خصوصًا مع اتساع رقعة الأهداف الأميركية وتعدد القواعد التي تحتاج إلى بطاريات اعتراض وذخائر دفاعية بصورة مستمرة.

وتكتسب الواقعة حساسية إضافية لأن قاعدة موفق السلطي تعرضت لضربات سابقة خلال الحرب. ففي يوليو أصاب صاروخ إيراني القاعدة وقتل عسكريين أميركيين، ثم أعلن البنتاغون لاحقًا مقتل عسكري ثالث كان قد فقد في الهجوم. صور وتحقيقات نشرتها «واشنطن بوست» خلال الأشهر الماضية أظهرت كذلك أضرارًا لحقت بتجهيزات دفاع جوي أميركية في القاعدة ضمن سلسلة هجمات إيرانية استهدفت منشآت أميركية في عدة دول بالمنطقة.

الهجوم الأخير يحمل أيضًا سؤالًا استخباريًا مهمًا يتعلق بكيفية تحديد مواقع الطائرات داخل قاعدة واسعة. إصابة عدة طائرات في الهجوم نفسه تشير إلى أن المنطقة التي تضم الأصول الجوية كانت ضمن نطاق الإصابة، بينما تحتاج معرفة مستوى الدقة الفعلي إلى بيانات إضافية عن نقاط سقوط الرؤوس الحربية ومسافات الانفجار عن الطائرات. هذه التفاصيل لم تنشرها القيادة المركزية الأميركية حتى الآن، كما أن متحدثًا باسمها لم يقدم تعليقًا لمجلة Air & Space Forces بعد ظهور المعلومات عن حجم الضرر.

وتعكس الضربة في الوقت نفسه مستوى متقدمًا من القدرة الإيرانية على الرصد وتحديث بنك الأهداف، فيما تبدو الاحتمالات المتعلقة بالاستفادة من تعاون استخباري أو تقني مع روسيا والصين منسجمة مع اتساع الشراكات العسكرية بين طهران وحلفائها. وقد نقلت تقارير أميركية خلال الفترة الأخيرة قلقًا متزايدًا داخل واشنطن من إمكان حصول إيران على بيانات تساعدها في تعقب الأصول الأميركية، ولا سيما القطع البحرية. كما أوردت صحيفة «وول ستريت جورنال» هذا الأسبوع مخاوف لمسؤولين أميركيين من تلقي طهران دعمًا في هذا المجال. وبصرف النظر عن الجهة التي وفرت البيانات، فإن وصول الضربة إلى طائرات داخل قاعدة موفق السلطي يعكس تطورًا واضحًا في قدرة إيران على اكتشاف الأهداف الأميركية وتتبعها وإصابتها.

الأكثر إحراجًا لواشنطن أن الخسائر وقعت والطائرات على الأرض، بعيدًا عن الاشتباك الجوي الذي صُممت مقاتلات F-15 أساسًا لخوضه. طائرة هجومية فقدت جناحًا، وثماني مقاتلات أصيبت بدرجات متفاوتة داخل منشأة تشكل مركزًا لعمليات القوة الجوية الأميركية. وقد أعيدت طائرات F-15 إلى الخدمة، وهو تفصيل مهم عند تقدير الحجم المادي للخسارة، إلا أن وقوع الإصابات في هذا الموقع يظل حدثًا عسكريًا ذا وزن أكبر من قيمة الإصلاحات نفسها.

فالطائرة التي تنجو من مقاتلة معادية في الجو تستطيع أن تتعرض لصاروخ بالستي أثناء وجودها على المدرج. هنا تظهر إحدى أكثر نقاط الانتشار الأميركي حساسية: كلما احتاجت واشنطن إلى مزيد من الطائرات لمواصلة عملياتها ضد إيران، احتاجت إلى مزيد من المدارج ومخازن الذخيرة ومواقع الصيانة والوقود والحماية الجوية. 

واشنطن دخلت الحرب مستندة إلى تفوق جوي وتقني هائل وإلى شبكة قواعد تمتد حول إيران. بعد أكثر من ستة أشهر من القتال، بات جزء متزايد من الجهد الأميركي مخصصًا لحماية تلك القواعد نفسها. قاعدة موفق السلطي تقدم مثالًا واضحًا على الكلفة: عشرات المقاتلات تُجمع لتأمين القدرة على ضرب إيران، ثم تضطر الولايات المتحدة إلى تخصيص منظومات دفاعية وذخائر باهظة لحماية الطائرات وهي رابضة على الأرض.

ولهذا تبدو إصابة الـA-10 وثماني مقاتلات F-15 أكبر سياسيًا وعسكريًا من حصيلة الأضرار المعلنة. طهران نجحت في إيصال النار إلى داخل قاعدة تعتمد عليها واشنطن في حربها، وأجبرت الجيش الأميركي على التعامل مع حقيقة ثقيلة بالنسبة إلى قوة اعتادت أن تعمل من مواقع محصنة.

الأخطر بالنسبة إلى واشنطن أن هذه الحرب بدأت تنتقل من اختبار قوة إيران إلى اختبار قدرة الولايات المتحدة نفسها على تحمّل كلفة الاستمرار. فكل ضربة ناجحة تُرغم البنتاغون على إنفاق المزيد لحماية قواعده، وتقييد حركة أصوله، وإعادة حساب أماكن تمركزها. ومع اتساع نطاق التهديد، تصبح المشكلة أقل ارتباطًا بحجم الضرر في ضربة واحدة، وأكثر ارتباطًا بسؤال يزداد إلحاحًا داخل المؤسسة العسكرية الأميركية: إلى متى تستطيع واشنطن مواصلة حرب تفرض عليها كل جولة فيها كلفة أعلى من السابقة؟