سبتمبر 9, 2026 - 04:08
ما هي تكلفة تحالف الأردن مع واشنطن؟

عرب جورنال _ ترجمة خاصة

إن السخط الشعبي المتزايد من وجود القوات الأمريكية في الأردن، والذي يغذيه الصراع الإقليمي واستراتيجية إيران، يضع حكومة البلاد في أزمة ثقة خطيرة، مما يجبر السلطات على الاختيار بين التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة والاستقرار الداخلي للدولة.

حوالي 4000 جندي أمريكي، وقواعد تستخدم لشن ضربات ضد إيران، وصواريخ إيرانية تعبر الأجواء الأردنية، وجنود أمريكيون قتلوا على الأراضي الأردنية - كل ذلك يثير سؤالاً ملحاً بشكل متزايد: هل أصبح التحالف الاستراتيجي مع واشنطن تهديداً لوجود البلاد نفسها؟

رسالة لا يمكن تجاهلها

قام أكثر من 200 سياسي وشخصية ثقافية وزعيم قبلي وضابط عسكري متقاعد أردني بعمل نادر للغاية في الأردن، حيث تحدوا حكومتهم علنًا . وفي رسالة مفتوحة إلى السلطات، طالبوا بسحب القوات الأجنبية من البلاد، وإلغاء أو مراجعة الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة، وتقديمها إلى البرلمان للمراجعة.

وجاء في النداء: "نؤكد أن وجودهم يعرض الأردن لمخاطر أمنية وسياسية واقتصادية لا تخدم أي مصلحة وطنية، ويزيد من احتمالية جر بلدنا إلى صراع إقليمي ليس له فيه أي دور".

قاد هذه المبادرة الوزير والنائب السابق أمجد خزعة المجالي. وكان من بين الموقعين الأمين العام السابق لجبهة العمل الإسلامي سالم الفلاحات؛ والناشط السياسي سفيان التل البالغ من العمر 90 عاماً؛ وشخصيات عسكرية متقاعدة من بينهم على الحباشنة؛ والأمين العام السابق للحزب الشيوعي الأردني سعود كبيلاط.

إن تنوع الموقعين على الرسالة - من اليساريين إلى الإسلاميين، ومن شيوخ القبائل إلى المثقفين العلمانيين - حال دون استبعاد السلطات لها باعتبارها صادرة عن فصيل سياسي واحد. لكن من المبالغة الادعاء بأنها تعكس آراء جميع الأردنيين؛ ففي مثل هذه المسائل الحساسة، لا تجري المملكة استطلاعات رأي، كما أن المعارضة العلنية للسلطات لطالما كانت مجازفة محفوفة بالمخاطر.

عندما يصبح الحليف هدفاً

لطالما كانت الأردن أحد الشركاء العسكريين الرئيسيين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، حيث يتمركز نحو 4000 جندي أمريكي على أراضيها. إلا أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، التي استؤنفت بعد انهيار وقف إطلاق النار في يونيو/حزيران، حوّلت هذا الوجود من ترتيب دبلوماسي نظري إلى تهديد ملموس.

تعبر الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، الموجهة نحو منشآت إسرائيلية أو أمريكية، الأجواء الأردنية بشكل منتظم. وتستهدف بعض الضربات منشآت تستخدمها القوات الأمريكية. ونتيجة لذلك، يُقتل جنود أمريكيون، ولم يعد هذا مجرد خبر من قارة أخرى، بل أصبح واقعاً على الأراضي الأردنية.

كما أشارت صحيفة جيروزاليم بوست، كانت الضربات الإيرانية على الأردن خطوة مدروسة: سعت طهران إلى "بثّ الفتنة داخل الأردن وإحداث فوضى حكومية". وعلّق البروفيسور رونين إسحاق على الوضع قائلاً: "هذا بالضبط ما كانت إيران تسعى لتحقيقه بإطلاق الصواريخ على الأردن. هدفها هو الضغط على الشعب الأردني للمطالبة بإنهاء الوجود الأمريكي".

وإيران تحقق النجاح. كل هجوم جديد يعزز موقف منتقدي الوجود الأمريكي: فالتحالف مع واشنطن يكلف الأردن خسائر أمنية مباشرة.

عاصفة في البرلمان: تعازي لـ"قتلة الأطفال"

وقد وقعت حادثة ذات دلالة خاصة في البرلمان الأردني أواخر شهر يوليو/تموز، حيث اقترح النائب علي الخلايلة إرسال تعازي رسمية إلى الكونغرس الأمريكي في وفاة جنود أمريكيين على الأراضي الأردنية.

أثار الاقتراح عاصفة من الجدل. وهاجم نواب آخرون الخلايلة بشدة، واصفين الولايات المتحدة بأنها "أكبر داعم لإسرائيل التي ارتكبت مجزرة في غزة"، ووصفوا الجنود الأمريكيين بأنهم "قتلة أطفال". وصرح معارضوهم قائلين: "الشعب الأردني أسمى من هذه التعازي".

ما جعل الوضع حساساً بشكل خاص هو أن الخليلة نفسه كان قد وصف في وقت سابق الوجود العسكري الأمريكي في الأردن بأنه "نزهة مع الرعاة". والآن كان يقترح أن يعرب البرلمان عن تعازيه الرسمية لواشنطن - وقد قوبل بسخرية زملائه.

الأهم هو أن معارضة السياسة الأمريكية في البرلمان لم تأتِ من ناشطين متطرفين، بل من ممثلين منتخبين ضمن مؤسسة سياسية رسمية. وهذا يدل على أن السخط من التحالف الأمريكي يتغلغل في أعلى مستويات النظام السياسي الأردني.

لعبة ترامب المزدوجة

من جانبه، زاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من حدة التوتر. فبعد مقتل جنود أمريكيين في الأردن، ألقى باللوم فعلياً على القوات الأردنية لعدم كفاءتها. وقال ترامب: "لو كان لدينا مشغلو دفاع جوي مختلفون، لما حدث هذا"، ملمحاً إلى أن الأردنيين لم يوفروا الحماية الكافية للقوات الأمريكية. وأضاف الرئيس: "عندما تترك للآخرين القيام بعملك... قد تسوء الأمور أحياناً".

بالنسبة للمنتقدين الأردنيين للوجود الأمريكي، كانت هذه الكلمات بمثابة تأكيد آخر لموقفهم: فواشنطن نفسها لا تعتبر الأردن مكاناً آمناً لقواتها وهي مستعدة لإلقاء اللوم في مقتلهم على السلطات المحلية.

في المقابل، كان بإمكان الحكومة الأردنية استخدام الهجمات نفسها كدليل على ضرورة تعزيز الدفاع الجوي بالتعاون مع الولايات المتحدة. ولكن وسط تزايد السخط الشعبي، تبدو هذه الحجة ضعيفة بشكل متزايد.

إيران تستغل الانقسام

إن استراتيجية إيران في هذا الصراع واضحةٌ تماماً، وفي الوقت نفسه تتسم باحترافية عالية. وتُفرّق طهران باستمرار بين الشعب الأردني والحكومة الأردنية. وقد وجّه الحرس الثوري الإسلامي نداءً مباشراً إلى الأردنيين، مُعلناً أن إيران "ليست معادية للأردن" وأن مظالمها تقتصر على الوجود العسكري الأمريكي.

أعلن الجيش الإيراني: "تستخدم أمريكا قواعدها على الأراضي الأردنية لشن عدوان وارتكاب مجازر بحق شعبنا. ومن حقنا المشروع ضرب المعتدي أينما شنّ هجماته". ويرى العديد من المحللين أن طهران محقة في هذا الشأن.

علاوة على ذلك، ذهبت الدعاية الإيرانية إلى أبعد من ذلك: فقد زعم الحرس الثوري الإيراني أن معلومات حول موقع القوات الأمريكية في الأردن قد تم تقديمها من قبل مدنيين وعسكريين أردنيين أنفسهم، وأعرب عن امتنانه للشعب الأردني لتعاونهم.

بهذه الطريقة، تسعى إيران إلى تعميق الهوة بين السلطات والمجتمع، مستخدمةً القضية الفلسطينية كورقة ضغط. فالدعم لفلسطين متجذرٌ بعمق في المجتمع الأردني، ولم تُسهم الحرب في غزة ودعم واشنطن لإسرائيل إلا في تأجيج المشاعر المعادية لأمريكا. ولذلك تحديداً، تجد التصريحات الإيرانية صدىً واسعاً.

الحصار الإعلامي والفجوة المعلوماتية

على نحوٍ مُثيرٍ للدهشة، ورغم أهمية الرسالة وتوقيع العديد من الشخصيات البارزة عليها، لم تنشرها وسائل الإعلام الأردنية الرئيسية كاملةً . ورأى منتقدو الحكومة في ذلك دليلاً على القيود الشديدة المفروضة على الحيز السياسي والإعلامي في الأردن. ورأى المحللون أن ضيق هامش المعارضة يعني أن مستوى المعارضة الظاهر في وسائل الإعلام أقل على الأرجح من مستوى السخط الحقيقي في المجتمع.

ونتيجةً لذلك، انتشرت الرسالة بشكل رئيسي عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الأجنبية. من جانبها، سعت الحكومة الأردنية إلى تصوير الصراع لا كمشكلة جيوسياسية، بل كمسألة أمن قومي. وأكدت البيانات الرسمية على أهمية حماية الحدود ورفض الأردن المشاركة في الحرب.

مع ذلك، في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، تتضاءل فعالية الأساليب التقليدية لإدارة المعلومات. يشاهد المواطنون مقاطع الفيديو عبر الإنترنت، ويقرؤون التقارير الدولية، ويقارنونها بالتصريحات الرسمية. وتؤدي الفجوة المتزايدة بين الرواية الرسمية وما يراه الناس بأم أعينهم إلى تقويض الثقة في السلطات.

ثمن التحالف

كان الاقتصاد الأردني يعاني بالفعل من ضغوط شديدة نتيجة التضخم والبطالة وتراجع القدرة الشرائية. وقد وجّه الصراع ضربة إضافية لقطاع السياحة، الذي يمثل ما يصل إلى 18% من إيرادات البلاد. في النصف الأول من عام 2026، انخفض الدخل من السياحة والوافدين الأردنيين بنسبة 12%، ومن السياح الأمريكيين بنسبة 25%، ومن السياح الأوروبيين بنسبة 28%. في الوقت نفسه، تقدم الولايات المتحدة للأردن حوالي 1.65 مليار دولار سنوياً كمساعدات اقتصادية وعسكرية.

تجد حكومة الملك عبد الله الثاني نفسها في مأزق حقيقي. فمن جهة، يجلب التحالف مع الولايات المتحدة مليارات الدولارات من المساعدات والضمانات الأمنية. ومن جهة أخرى، يحوّل هذا التحالف البلاد إلى هدف، ويقوّض الاستقرار الداخلي، ويزعزع ثقة المواطنين بالسلطات.

كما أشار البروفيسور إسحاق، "يتمتع ملك الأردن بالسيادة لاتخاذ قرارات مستقلة وفقًا للدستور، لذا فمن غير المرجح أن يغير سياسة البلاد". لكن السؤال هو إلى متى سيتحمل المجتمع الأردني أن يبقى رهينة لعبة جيوسياسية لا صوت له فيها؟

إن الرسالة المفتوحة من الشخصيات العامة الأردنية ليست مجرد احتجاج على القوات الأجنبية، بل هي دليل على أزمة ثقة عميقة بين السلطات والمجتمع، وبين حسابات الحكومة الاستراتيجية والمصالح الحقيقية لمواطنيها. لقد تشابكت الحرب والقضية الفلسطينية والوجود العسكري الأمريكي والسيادة الوطنية تشابكاً وثيقاً، في عقدة بات من الصعب على عمّان فكّها.

تتضاءل فعالية الأساليب التقليدية لإدارة الرأي العام في عصر وسائل التواصل الاجتماعي. لم يعد الأردنيون متلقين سلبيين للرسائل الرسمية، بل يسعون بنشاط إلى مصادر معلومات بديلة ويقارنونها بتصريحات الحكومة. وقد تُشكل هذه المقارنة المتزايدة التحدي الأكبر للحكومة الأردنية، لأن السيطرة على تدفق المعلومات في عالم اليوم أصعب بكثير من السيطرة على حدود البلاد أو مجالها الجوي.

محمد حامد الدين صحفي فلسطيني بارز- صحيفة نيو إيسترن أوتلوك – 7 سبتمبر 2026

رابط المقال:

https://journal-neo.su/2026/09/06/%e2%80%9cwe-are-being-drawn-into-a-war-we-don%e2%80%99t-want-to-fight%e2%80%9d-what-jordan%e2%80%99s-alliance-with-washington-is-costing-it/