في حوار خاص وحصري، تستضيف صحيفة "عرب جورنال" الناشط السياسي العراقي، حسين سالم، لقراءة أبعاد التصعيد الأمريكي الأخير ضد إيران ودلالات توقيته، مستكشفاً حدود الثبات الإيراني وتأثير الرد الذي طال المصالح الأمريكية في تثبيت معادلة ردع جديدة تُربك حسابات واشنطن.
كما يسلط الحوار الضوء على المشهد السياسي في العراق والتوجهات المتعلقة بنزع سلاح فصائل المقاومة، إلى جانب تقييم أبعاد الانسحاب الأمريكي المقرر وتداعيات التصعيد ضد إيران على أمن العراق والمحيط العربي.
ويناقش الحوار خلفيات التعديلات على المناهج الدراسية السعودية والإشادات الإسرائيلية بها، متناولاً مدى ارتباطها بمخططات الهندسة الاجتماعية وتطويع الوعي الجمعي لتمهيد الطريق نحو التطبيع.
ويختتم الحوار بالوقوف عند طبيعة التحالفات الأمريكية في المنطقة، وقراءة التقارير الغربية التي تتحدث عن تخلي واشنطن عن حلفائها التقليديين في الخليج وتغليب مصالحها ومصالح الكيان الصهيوني على حساب أمن المنطقة.
عرب جورنال/ حوار/ حلمي الكمالي
الضربات الأمريكية الأخيرة على إيران تعكس فشل واشنطن عن تحقيق أهدافها خلال الجولات السابقة.
استهداف قواعد واشنطن يفرض معادلة الردع في المنطقة ويثبت أن حسابات القوة الأمريكية أصبحت مربكة ومكلفة جداً.
نزع سلاح المقاومة في العراق يتركه مكشوفاً بلا درع شعبي والانسحاب الأمريكي المزعوم نهاية سبتمبر الجاري مجرد استبدال شكلي للنفوذ.
الهندسة الاجتماعية بالمناهج السعودية ليست شأناً تربوياً بل محاولة ناعمة لانتزاع قضية فلسطين من الذاكرة والوعي قبل انتزاعها من الخريطة.
العدوان على إيران أثبت تقديم واشنطن لأمن "إسرائيل" بينما تُترك دول الخليج مجرد منصات لتلقي تبعات الحرب والدمار.
الارتهان الخليجي للمظلة الأمريكية حرم المنطقة من القوة المستقلة وجعل عواصمها مادة في حروب غيرها ومجرد خزان يدفع الثمن.
_ كيف تقرأون عودة الولايات المتحدة لاستئناف ضرباتها العدوانية على إيران في هذا التوقيت بالتحديد؟ وهل تُعد هذه المحاولة مجرد هروب إلى الأمام للتغطية على حالة الإحباط والشعور بالفشل الذي تراكم لدى الإدارة الأمريكية في الجولات السابقة؟ وإلى أي مدى أسهم الثبات الإيراني والتمسك بالشروط الاستراتيجية غير القابلة للتنازل في إحباط الرهانات الأمريكية، وجعل واشنطن تدرك أنها لم تحقق أيًا من أهدافها السياسية أو الميدانية أمام هذا الصمود؟ وكيف ترون طبيعة الرد الإيراني الذي طال القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة؟ وهل نجح هذا الرد في تثبيت معادلة ردع جديدة تربك الحسابات الأمريكية وتفرض واقعًا ميدانيًا يمنع الأمريكي من استمرار التمادي؟
عودة الضربات الأمريكية في هذا التوقيت تُقرأ قراءة من يعرف صدر البيت ويصبر على عَجزه: إدارة ضاقت ذرعاً بفشلها المتراكم، ففتحت النار من جديد لتغطّي عجزها عن كسر الإرادة الإيرانية.
الجولات السابقة لم تُنتج لواشنطن ما وعدت به من رضوخ سياسي أو تراجع ميداني؛ الثبات الإيراني، والتمسّك بالشروط الاستراتيجية، جعل العاصمة الأمريكية تفيق على حقيقة أن أهدافها لم تكتمل.
الرد الذي بلغ القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة أعاد ترتيب الإيقاع: من يضرب يُضرَب، ومن يحسب أن السماء ملكه يكتشف أن السماء لها أصحاب. الردع هنا ليس شعاراً يُعلَّق على الجدار، بل واقع يربك الحسابات ويمنع التمادي من أن يستمر بلا ثمن. التوقيت نفسه شهادة على الإحباط أكثر مما هو شهادة على القوة.
_ ما هي تصوراتكم لتطورات المشهد السياسي في العراق في ظل الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي، لا سيما مع توجهها لنزع سلاح فصائل المقاومة؟ وهل ترون أن هذا التوجه يخدم بشكل مباشر الأجندات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة؟ وما تعليقكم بشأن انسحاب القوات الأمريكية المقرر نهاية سبتمبر الجاري؟ وهل سنشهد انسحابًا حقيقيًا لها ونهاية مؤكدة وواضحة للهيمنة الأمريكية المتوغلة في معظم مفاصل الدولة العراقية، أم سيكون انسحابًا شكليًا على الورق؟ وكيف يشكل التصعيد الأمريكي على إيران خطرًا على دول الجوار العربي وعلى رأسها العراق؟
الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي تسير في طريق نزع سلاح فصائل المقاومة، وهذا الطريق يفتح الباب واسعاً أمام من يريد العراق بلا درع شعبي في لحظة يشتعل فيها الإقليم.
السلاح الذي وُلد في مواجهة الاحتلال والإرهاب صار اليوم هدفاً لخطاب يقدّمه على أنه عبء، بينما هو في وجدان شريحة واسعة ضمانة للسيادة حين تضعف الدولة أو يتقدّم الأجنبي.
انسحاب القوات الأمريكية نهاية سبتمبر عنوان كبير على الورق؛ الاختبار أن يخرج النفوذ لا أن تُستبدل البزة بشراكة أمنية تُمسك المفاصل من باب آخر، ما يجعل الانسحاب أمراً شكلياً.
التصعيد على إيران خطر مباشر على العراق: الجغرافيا واحدة، والممرات واحدة، وأي اشتعال عند المضيق أو عند القواعد يُسقط شرره على بغداد قبل أن يصل إلى من أشعل الفتيل. العراق إن فُرغ من قوة المقاومة في هذا التوقيت يُترك مكشوفاً أمام مشروع يريد المنطقة بلا مانع.
_ قبل أيام أشاد الحاخام يهودا كابلون بالتعديلات الأخيرة على المناهج الدراسية السعودية، معتبرًا أنها خطوة فعالة في إزالة المضامين التي كانت تشكل مصدر قلق لواشنطن وإسرائيل.. ما تعليقكم الأولي على هذا الموضوع؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار هذه التغييرات أنها تندرج ضمن مخطط أوسع للهندسة الاجتماعية وتطويع الوعي الجمعي لتهيئة الشارع السعودي للتطبيع مع الكيان الصهيوني وتفريغ القضية الفلسطينية من ثوابتها؟ وكيف باتت الأيادي الصهيونية الناعمة في معظم تفاصيل حياة الإنسان العربي في ظل أنظمة الخنوع والوصاية؟
إشادة الحاخام يهودا كابلون بتعديل المناهج السعودية كشف المبكر عن الفرح في الجهة الأخرى. حذف العبارات عن القدس وتليين اللغة عن العدو ليسا شأناً تربوياً خالصاً؛ هما إشارة إلى إعادة تشكيل الوعي بما يخدم التطبيع ويُضعف الثوابت الفلسطينية في ذهن الجيل. الهندسة الاجتماعية تعمل بهدوء: كتابٌ يُشطب منه موقف، وإعلام يُعاد ضبط نبرته، وسوق تُفتح لمن كان يُسمّى بالاسم.
الأيادي الناعمة تبلغ تفاصيل الحياة حيث تجد أنظمةً قابلة للمقايضة. القضية لا تُهزم في ميدان واحد، غير أن العبث بالمناهج محاولة لانتزاعها من الذاكرة قبل انتزاعها من الخريطة. التعليق الأولي أن المدح الآتي من ذلك الصندوق كافٍ لفهم الجهة التي تستفيد، وكافٍ لتنبيه من ما زال يرى في التعليم حصناً لا سلعة.
_ تناولت تقارير صحفية غربية مؤخرًا أن العدوان الأمريكي على إيران كشف عن تخلي واشنطن الصريح عن حلفائها التقليديين في الخليج، والمغامرة بأمن واستقرار المنطقة برمتها لصالح أجندتها الخاصة ومصالح إسرائيل، كيف تفسرون هذا المنهج الأمريكي الذي يضع مصالح الحلفاء في مهب الريح؟ وهل أثبتت هذه الأحداث أن واشنطن تتعامل مع حلفائها بصلف ونفعية مجردة، مما يتطلب من دول المنطقة مراجعة جذرية لعلاقاتها واستراتيجياتها الأمنية مع الولايات المتحدة؟ ولماذا تواصل هذه الدول الارتهان للمشاريع الأمريكية رغم كل ما حدث؟
العدوان على إيران فضح منهجاً أمريكياً يضع أمن الخليج في هامش جدول أعماله حين تتعارض مصلحة واشنطن ومصلحة "إسرائيل" مع مصلحة الحلفاء. الدول التي ظنّت نفسها شريكة اكتشفت أنها منصّة أو ممر أو خزان. الصلف النفعي ظاهر: حماية الكيان مقدَّمة، واستقرار العواصم مؤجَّل.
السؤال الدائم لمَ يستمر الارتهان؟ الجواب في عادةٍ سياسية طال أمدها: مظلة مستوردة تُغني عن بناء قوة مستقلة، وخوف من الظهور فرادى أمام مشروع أكبر. الأحداث تفرض مراجعة، والمراجعة الصادقة تبدأ بالاعتراف أن من لا يملك قرار أمنه يبقى مادة في حرب غيره. المنطقة دفعت ثمن هذا الارتهان مرات، وها هي تدفعه من جديد بينما تُضرَب إيران وتُترك عواصم الخليج تتلقّى التبعات.