عرب جورنال _ نبيل عبد الحكيم
شهدت المنطقة محاولات إقليمية حثيثة—تتحرك في جوهرها بآليات وإشارات إسرائيلية—لإعادة رسم الخارطة الجيوسياسية حول مصر عبر استراتيجية متعددة المحاور. وتجلت هذه المحاولات في تسريع تشغيل سد النهضة الإثيوبي، وإذكاء الصراع المسلح في السودان، إلى جانب السيولة الأمنية على الجبهة الغربية في ليبيا، والمشاريع اللوجستية البديلة المستهدفة تحييد قناة السويس وتهميش الدور المصري في البحر الأحمر وشرق المتوسط.
وقد أدت حالة التردد الدبلوماسي السابقة إلى إيجاد فراغات استغلها الخصوم لفرض واقع جديد. غير أن نمط التحرك المصري الراهن يكشف عن "صحوة استراتيجية" وانتقال جذري من موقف الدفاع إلى المبادرة الشاملة و"هندسة المجال الأمني". إذ أدركت القاهرة أن أزمات حدودها تشكل حزام تطويق خبيثاً تحركه تل أبيب لإشغال المحيط المصري، مما تطلب تبني "مصفوفة الأمن القومي الواحدة" التي تربط الجبهات الممتدة من بنغازي غرباً إلى مقديشو جنوباً وصولاً إلى شرق المتوسط شمالاً، لإعادة فرض "مبدأ الردع الممتد" وإثبات أن مصر تظل الشرطي الإقليمي الذي لا يمكن تجاوزه.
القرن الإفريقي والسودان: نقل المعركة إلى فناء الخصوم
تُعد الجبهة الجنوبية والقرن الإفريقي الساحة الأبرز لكسر حالة الجمود التاريخي والتواجد المباشر عند نقاط الاختناق في باب المندب وخليج عدن. في السودان، ترتكز المقاربة المصرية على الدعم المطلق لمؤسسات الدولة والجيش السوداني، باعتباره الركيزة الضامنة لوحدة البلاد، في مواجهة المليشيات الموازية التي تُوظّف كأداة لتفكيك الجغرافيا السودانية والتحالف مع أديس أبابا وتل أبيب لتهديد الأمن المائي المصري.
أما في الصومال، فنفذت مصر اختراقاً استراتيجياً رداً على "مذكرة التفاهم" بين أديس أبابا وإقليم أرض الصومال. وقامت القاهرة بتوقيع بروتوكول تعاون دفاعي ثنائي مع مقديشو في أغسطس 2024، تلاه إرسال شحنات أسلحة وإعادة تدريب الجيش الصومالي. وتوج هذا التحرك بدخول رسمي ضمن بعثة الاتحاد الإفريقي للدعم والاستقرار (AUSSOM) بموجب قرار مجلس الأمن 2767، بقوة مصرية تضم 1,091 جندياً تنتشر في القطاعات الاستراتيجية لحماية أمن القرن الإفريقي.
ولإحكام المظلة الأمنية، جاءت قمة أسمرة التاريخية في أكتوبر 2024 التي جمعت قادة مصر وإريتريا والصومال، لتقود إلى تشكيل لجنة وزارية مشتركة وفرض تطويق مضاد على تحركات إثيوبيا وإفشال المساعي الإسرائيلية للاعتراف بإقليم أرض الصومال. واكتمل هذا المسار الجيواقتصادي بمذكرة تفاهم للنقل البحري تُربط بموجبها موانئ قناة السويس بموانئ الصومال الممتدة لـ 3,000 كم، وهو ما أدى عملياً إلى تحويل الصومال والسودان إلى خط دفاع أول حاسم يفرض على إثيوبيا وداعميها إعادة حساب تكلفة أي خطوة أحادية جديدة.
الجبهة الغربية (ليبيا): تحصين العمق وتأمين الخاصرة الرخوة
تشكل الجبهة الغربية الممتدة لـ 1,100 كم إحدى أكثر الخاصرات حرجاً للقاهرة. وقد أظهرت التجارب أن انكشاف الجغرافيا الليبية يحرم القوات المسلحة المصرية من أريحيتها الاستراتيجية. وفي هذا السياق، تطورت السياسة المصرية من الاقتصار على رسم "الخطوط الحمراء العسكرية" (سرت - الجفرة 2020) إلى دور "المهندس السياسي والاقتصادي".
حققت مصر توازناً ذكياً عبر الحفاظ على تحالف استريكي صلب مع القيادة العامة للجيش الوطني ومجلس النواب في بنغازي لضمان استقرار الإقليم الشرقي، بالتوازي مع فتح قنوات اتصال رسمية وأمنية مع حكومة طرابلس في الغرب. كما دفعت بالشركات الوطنية للانخراط في إعادة الإعمار، مما خلق شبكة مصالح تربط الاستقرار الليبي بالأمن القومي المصري مباشرة. ووفّر هذا التأمين للخاصرة الغربية هامش حركة استثنائياً سمح بتحويل الثقل العسكري والاستخباري المصري نحو البحر الأحمر والشرق.
سلاح الطاقة والغاز: الجيواقتصاد المصري يجهض أوهام الممرات الإسرائيلية
في الوقت الذي تسعى فيه "إسرائيل" لبناء ممرات تجارية وطاقوية بمعزل عن مصر، وظفت القاهرة تفوقها التشغيلي في مجال الطاقة لتحويل الغاز والكهرباء إلى أدوات ردع صلبة. ورغم امتلاك تل أبيب لاحتياطيات ضخمة في حقول "ليفياثان" و"تَمار"، إلا أنها تصطدم بعجز بنيوي يكمن في افتقارها لمنشآت الإسالة للتصدير المباشر نحو أوروبا، بينما تحتكر مصر الأصول الوحيدة للإسالة في شرق المتوسط.
وتتجلى هذه القوة من خلال محطة "إدكو" للإسالة بطاقة 7.2 مليون طن سنوياً (~10 مليارات متر مكعب) المعالِجة للغاز المحلي والجوار لصالح الأسواق الأوروبية، ومحطة "دمياط" بطاقة 5.0 ملايين طن سنوياً (7.56 مليارات متر مكعب) التي استعادت تشغيلها الكامل لربط حقل "ظُهر" والغاز المستورد بالأسواق الدولية، تحت مظلة "منتدى غاز شرق المتوسط" بمقره الدائم بالقاهرة. أثبت هذا التفوق أن أفكار الاستغناء عن مصر أوهام اصطدمت بالواقع التشغيلي. ويكتمل هذا المشهد بـ "مشروع الربط الكهربائي المصري اليوناني (GREGY)" بقدرة 3,000 ميجاوات لترسيخ مصر كمزود رئيسي بالطاقة لأوروبا، مما أجهض مشاريع الأنابيب الإسرائيلية البديلة وتطويق طموحات تل أبيب.
رسم الحدود بالنار والدبلوماسية: شرطي إقليمي لا يُتجاوز
تُبرز القراءة الشاملة تحول مصر نحو معادلة هجومية قائمة على كسر الطوق الإسرائيلي-الإقليمي. إن التكامل الميداني بين تأمين ليبيا دبلوماسياً واقتصادياً، ونشر القوات وبناء الأحلاف الثلاثية في القرن الإفريقي، وفرض الاحتكار التشغيلي لمنشآت الطاقة في شرق المتوسط، يعكس صياغة مصفوفة أمن قومي متماسكة لا تسمح بتفكيك الملفات.
وتؤكد التقديرات الاستراتيجية أن القاهرة تحاول استعادة موقعها كعقدة جيوسياسية (Hub) وشرطي إقليمي غير قابل للتجاوز، حيث تُتيح القوة الصلبة والدبلوماسية البراغماتية رسم حدودها البرية والبحرية بحزم، مجبرةً كافة القوى الإقليمية والدولية على إعادة الاستئناس بالرأي المصري وتعديل خططها وفقاً لمقتضيات الأمن القومي العربي، لكنها في الوقت ذاته ما زالت مكبلة بشروط العلاقات القائمة مع أمريكا والكيان الصهيوني وتحتاج إلى تحركات أكثر جدية إذا ما أرادت كسر التطويق الإسرائيلي الأمريكي واستعادة مكانتها الإقليمية.