يوليو 21, 2026 - 17:14
يوليو 21, 2026 - 17:15
الشرق الأوسط بين تآكل الهيمنة الأمريكية وصعود معادلات الردع الجديدة

عرب جورنال _ توفيق سلَّام

لم تعد التطورات المتلاحقة في الشرق الأوسط مجرد سلسلة من الأزمات المنفصلة، بل أصبحت تعكس تحولًا بنيويًا في طبيعة الصراع الإقليمي وفي قدرة القوى الدولية على إدارة توازناته. فكل جولة تصعيد جديدة تؤكد أن البيئة الاستراتيجية التي تشكلت بعد نهاية الحرب الباردة لم تعد قائمة بالصيغة نفسها، وأن أدوات الهيمنة التقليدية التي اعتمدتها الولايات المتحدة لعقود تواجه اليوم حدودًا واضحة في قدرتها على فرض الوقائع أو إنتاج تسويات تخدم مصالحها.

لقد راهنت واشنطن طويلًا على مزيج من التفوق العسكري، والعقوبات الاقتصادية، والتحالفات الأمنية، لاحتواء خصومها وإعادة تشكيل النظام الإقليمي وفق رؤيتها. غير أن السنوات الأخيرة أظهرت أن هذه الأدوات، على الرغم من قدرتها على إطالة أمد الصراعات، لم تنجح في تحقيق الحسم السياسي أو العسكري الذي سعت إليه الإدارات الأمريكية المتعاقبة. بل إن استمرار الاعتماد على القوة العسكرية، مع تراجع المبادرات الدبلوماسية، أدى إلى اتساع رقعة التوتر، ورفع كلفة المواجهة على جميع الأطراف، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها.

وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات رئيس مكافحة الإرهاب الأمريكي السابق جو كينت أهمية خاصة، ليس لأنها تمثل الموقف الرسمي لواشنطن، وإنما لأنها تعكس تيارًا متناميًا داخل مؤسسات الأمن القومي الأمريكية يدعو إلى مراجعة شاملة لاستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فالإقرار بأن المواجهة مع إيران لا يمكن حسمها عسكريًا، والدعوة إلى تقليص الوجود العسكري الأمريكي، ينطويان على اعتراف ضمني بأن سياسة الردع التقليدية لم تعد تحقق النتائج المرجوة، وأن كلفة استمرارها أصبحت أعلى من مكاسبها.

كما أن الحديث عن ضرورة التعامل مع إيران بوصفها قوة إقليمية مؤثرة يعكس تحولًا في قراءة موازين القوى، التي فرضتها سنوات من الصراع، وأثبتت أن تجاهل الحقائق الجيوسياسية لا يؤدي إلى تغييرها، بل إلى تعقيدها.

وفي الوقت ذاته، تواجه الولايات المتحدة تحديًا آخر يتمثل في التغيرات المتسارعة داخل بيئتها السياسية الداخلية. فالعلاقة مع إسرائيل، وتأثير اللوبي الصهيوني على صناعة القرار التي كانت لعقود إحدى المسلمات في السياسة الأمريكية، أصبحت موضوعًا متزايدًا للنقاش والخلاف بين أوساط الطبقة الحاكمة والتيارات السياسية، بل وداخل الحزبين الرئيسين نفسيهما. وهذا لا يعني بالضرورة نهاية التحالف الاستراتيجي، لكنه يشير إلى أن الدعم غير المشروط لم يعد يحظى بالإجماع التقليدي، وأن صانع القرار الأمريكي أصبح أكثر اضطرارًا لموازنة التزاماته الخارجية مع الضغوط الداخلية المتصاعدة.

وفي جنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر، تتخذ الأزمة بعدًا أكثر تعقيدًا. 

حيث أعلنت صنعاء فرض حظر على الملاحة البحرية السعودية، في خطوة وصفتها بأنها رد على استمرار الحصار وتعثر تنفيذ استحقاقات السلام. وتؤكد صنعاء أن القرار يأتي بعد سنوات من المفاوضات والمماطلة، وأنه يستند إلى معادلة "الحصار بالحصار" بهدف الضغط لإنهاء القيود المفروضة على اليمن، ومعالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية، وفي مقدمتها المرتبات ورفع الحصار عن الموانئ والمطارات.

لقد منحت صنعاء النظام السعودي مهلة زمنية طويلة وكافية للوفاء بالاستحقاقات المترتبة عليه، ومعالجة الآثار والتداعيات التي خلفها عدوانه على اليمن. وخلال تلك الفترة، تحمّل الشعب اليمني سنوات إضافية من المعاناة والصبر، إيمانًا بإمكانية الوصول إلى حلول سلمية تُنهي الأزمة، وتجنب البلاد والمنطقة الانزلاق نحو مزيد من التصعيد العسكري. غير أن النظام السعودي قابل هذا النهج بالتجاهل والمماطلة، وجعل من كسب الوقت سياسة ثابتة، مراهنًا على استنزاف اليمن والتهرب من الالتزامات التي تفرضها عليه مسؤوليته المباشرة عما آلت إليه الأوضاع.

وعلى امتداد السنوات الأربع التي أعقبت هدنة عام 2022م وحتى اليوم، سعى النظام السعودي إلى إعادة صياغة المشهد السياسي بما يُفضي إلى التنصل من مسؤوليته عن حرب استمرت ثماني سنوات، والتعامل مع نتائجها بوصفها أزمة يمنية داخلية "لا صلة له بها". وقد شكل هذا المنهج أحد أبرز العوائق التي حالت دون تحقيق تسوية شاملة وعادلة، إذ لا يمكن بناء سلام حقيقي في ظل إنكار الطرف المسؤول لدوره، ومحاولة إعفاء نفسه من تبعات ما اقترفته يداه.

كما بذل النظام السعودي جهودًا متواصلة لإخفاء مسؤوليته عن الحصار المفروض على اليمن، محاولًا تقديم نفسه خارج إطار هذه السياسة. إلا أن عدوانه الأخير على مطار صنعاء الدولي، وما رافقه من بيان عسكري تعامل مع اليمن بمنطق الوصاية، بلغة التهديد باستمرار الحصار، أسقط تلك الادعاءات وكشف حقيقتها أمام الرأي العام. فقد أصبح واضحًا للقريب والبعيد أن النظام السعودي هو الطرف الذي يقف خلف تعطيل مطار صنعاء الدولي طوال السنوات الماضية، وهو كذلك المُحرض الرئيس على استمرار الحصار البحري، من خلال ما تتعرض له السفن المتجهة إلى ميناء الحديدة من عراقيل وإجراءات معقدة تؤدي إلى تأخير وصولها، ورفع تكاليف النقل والتأمين، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع والمواد الأساسية، ويضاعف الأعباء المعيشية التي يتحملها المواطن اليمني.

 اعتقاد النظام السعودي بأن بإمكانه إدامة الحصار إلى أجل غير محدود يمثل قراءة خاطئة للواقع، ورهانًا محكومًا بالفشل. فالفترة التي مُنحت له لاستدراك موقفه قد انتهت، واستمراره في سياسة التعنت والاستكبار يجعله مسؤولًا بصورة كاملة عن التداعيات التي قد تنجم عن أي تصعيد لاحق. ومن هذا المنطلق، فإن معادلة "الحصار بالحصار" تُطرح باعتبارها ردًا طبيعيًا ومشروعًا، يستند – وفق هذا الطرح – إلى اعتبارات قانونية وأخلاقية في مواجهة استمرار الحصار ورفض إنهائه.

وفي هذا السياق، تؤكد صنعاء أن قرار حظر الملاحة أمام السفن السعودية، أو السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية أو الخروج منها، لا يستهدف التصعيد لذاته، وإنما يندرج في إطار ممارسة وسائل الضغط لإلزام النظام السعودي بالاستجابة للاستحقاقات القائمة. ويتمثل ذلك في الرفع الكامل للحصار عن مطارات اليمن وموانئه، وإقرار حق اليمن الكامل في الاستفادة من ثرواته السيادية دون وصاية أو قيود، ومعالجة الملف الإنساني بمختلف أبعاده، وفي مقدمتها صرف المرتبات، إلى جانب الإسراع في إغلاق ملف الأسرى بصورة نهائية، بعيدًا عن أي شكل من أشكال التسويف أو المماطلة.

ويؤشر هذا التطور إلى انتقال المواجهة من الضغوط السياسية والعسكرية التقليدية إلى أدوات أكثر تأثيرًا على حركة التجارة والملاحة الإقليمية وأمن الطاقة، بما يوسع دائرة المخاطر على الاقتصاد العالمي، ويزيد من تعقيد الحسابات الأمنية للدول المنخرطة في الصراع.

وتزامن هذه التطورات يؤكد أن المنطقة تدخل مرحلة تتراجع فيها قدرة الولايات المتحدة على فرض نتائج حاسمة عبر القوة العسكرية، وهو ما ظهر في أكثر من ساحة خلال السنوات الأخيرة. فاستمرار التصعيد لم يحقق الاستقرار المنشود، بل أدى إلى اتساع نطاق الأزمات وارتفاع كلفتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، في وقت تزداد فيه الدعوات داخل الولايات المتحدة نفسها إلى مراجعة هذه السياسات.

وبين خيار الإبقاء على القواعد العسكرية وتحمل أعباء المواجهة المستمرة، وخيار إعادة التموضع والبحث عن تسويات سياسية، تجد واشنطن نفسها أمام اختبار استراتيجي بالغ الأهمية.

 فالوقائع الميدانية تشير إلى أن موازين القوى في الشرق الأوسط لم تعد كما كانت، وأن تجاهل التحولات الجارية أو الرهان على الحسم العسكري وحده قد يؤدي إلى جولات جديدة من التصعيد، دون أن يحقق الأهداف التي سعت إليها الولايات المتحدة وحلفاؤها طوال السنوات الماضية.

وتكشف هذه التطورات، مجتمعة، أن المنطقة دخلت مرحلة لم يعد فيها أي طرف قادرًا على فرض إرادته منفردًا، وأن ميزان القوة أصبح أكثر تعقيدًا وتشابكًا مما كان عليه في العقود الماضية. كما تؤكد أن منطق الحسم العسكري، الذي ظل حاضرًا في الاستراتيجية الأمريكية، لم ينجح في إنهاء الأزمات، بل ساهم في إنتاج بيئات أكثر اضطرابًا، وأوجد قوى إقليمية تمتلك أدوات ردع وقدرة متزايدة على التأثير في مسار الأحداث.

ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة فقدت مكانتها الدولية أو نفوذها الإقليمي، لكنها تواجه بيئة استراتيجية أكثر صعوبة، تتطلب أدوات مختلفة عن تلك التي اعتمدتها سابقًا. فالإصرار على إدارة الأزمات بالوسائل العسكرية وحدها يحمل مخاطر توسيع رقعة المواجهة، بينما قد يفتح الانخراط في مسارات سياسية ودبلوماسية أكثر واقعية نافذة لتخفيف التوتر وإعادة صياغة توازنات أكثر استقرارًا.

السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بمستقبل القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، بل بمستقبل الاستراتيجية الأمريكية بأكملها في المنطقة. فإما الاستمرار في سياسة الاستنزاف التي أثبتت محدودية نتائجها، وإما الإقرار بأن الشرق الأوسط يشهد تحولات عميقة تفرض مقاربة جديدة، تعترف بالوقائع التي أفرزتها السنوات الماضية، وتبحث عن توازنات أكثر قابلية للاستمرار من رهانات القوة المجردة.