عرب جورنال _ زين العابدين عثمان
تواجه البحرية الأمريكية في الخليج ومضيق هرمز مأزقاً بنيوياً يتجاوز حدود التكتيك إلى جوهر العقيدة العسكرية. فبينما تسعى واشنطن إلى تكرار سيناريو "حرية الملاحة" عبر أدوات هجينة تجمع بين الوكلاء والغطاء العسكري المحدود، تثبت الوقائع الميدانية أن إيران نجحت في فرض نظام سيطرة بحرية متكامل على المضيق، محولةً إياه إلى نموذج متقدم من "منع الوصول" (A2/AD) يتعذر اختراقه دون تكلفة استراتيجية باهظة.
حيث تكرر الإدارة الأمريكية حالياً سيناريو سبق اختباره وفشل، يقوم على دفع سفن تجارية وناقلات نفط يعود بعضها لدول خليجية، وذلك للإبحار خارج المسارات المنسقة مع طهران، مع إطفاء أجهزة التعارف البحري (AIS) وقطع قنوات الاتصال الملاحية (VHF)، ليكون الهدف الظاهري هو إثبات إمكانية تجاوز الحظر الإيراني؛ لكن الجوهر الاستراتيجي يكشف عن عجز أمريكي عن المواجهة المباشرة، حيث تلجأ واشنطن إلى "التضحية بالوكلاء وبسفنهم" كأداة لاختبار قواعد الاشتباك الإيرانية دون تحمل كلفة الصدام المباشر.
لذلك، منذ مطلع الأسبوع الماضي إلى اليوم، حاولت عدة سفن وناقلات نفط المخاطرة والمرور تحت مظلة الإجراءات والحماية الأمريكية التي هي مظلة وهمية، فكانت النتيجة تعرضها للقصف وفشل مرورها؛ إذ سرعان ما قطعت بحرية الجيش وحرس الثورة الإيراني الطريق أمام تلك السفن، وتمت مهاجمتها وإعادتها بالقوة.
في مقابل ذلك، لا تملك القوات الأمريكية سوى خيارين كلاهما خاسر: إما القبول بالأمر الواقع، أو تنفيذ ضربات تكتيكية على السواحل والجزر الإيرانية كما هو حاصل اليوم. وهذه الضربات، فضلاً عن كونها لا تغير شيئاً في معادلة السيطرة على المضيق، فإنها تفتح باب الرد الإيراني المتماثل والمؤلم عبر استهداف القواعد والمصالح الأمريكية المنتشرة في محيط الخليج وبحر العرب، وهي أهداف ممتدة يصعب الدفاع عنها جميعاً.
وبالتالي، تبقى الخطة الأمريكية مجرد تدوير للفشل ومغامرة غبية لا يمكن لها تحقيق أي تغيير على الأرض، فالواقع يثبت مجدداً أن سيطرة إيران على مضيق هرمز ليست مناورة تكتيكية مؤقتة، بل سيطرة استراتيجية ثابتة لا يمكن لأي مخطط أمريكي، مهما كان حجمه العسكري، أن يتجاوزها.
لذلك، فإن العمليات التي استهدفت السفن المخالفة في مضيق هرمز، إضافة إلى عمليات الرد على الاعتداءات الأمريكية، هي معادلة واضحة من إيران تؤكد أن أي تصعيد سيواجه بالتصعيد، وأن أي سفينة ترفض الانصياع لقرار الحظر والضوابط المطروحة إيرانياً سيكون مصيرها الاستهداف.
تصاعد الموقف.. وعودة الحرب
إن إدارة المجرم ترامب قد لا تستسيغ الفشل الأولي لخطة فتح مضيق هرمز، وقد تسعى في هذا الوقت لتصعيد الموقف العسكري عبر إرسال مزيد من القطع الحربية لاختراق قرار الحظر كخطوة استفزازية، وكذلك فرض حصار تكتيكي على إيران وتوسيع دائرة العمليات العدوانية؛ لكن في المقابل، فإن إيران ستذهب إلى تطبيق استراتيجية القوة لمنع أي اختراق، ومواجهة كل مستوى من التصعيد بمستوى أكبر من الردع، وهذا سيفرض موقفاً صارماً بالمواجهة.
وللعلم، فإن أمريكا لا تسعى لخيار السلام عبر المفاوضات، بل تركز جهدها للاستعداد لخوض جولة جديدة من العدوان على إيران، وهذا ما تشير إليه المعطيات والعمليات المكثفة التي يجريها الجيش الأمريكي والكيان الصهيوني في إعادة التسلح وحشد المزيد من القوات إلى المنطقة؛ وعليه، لا يُستبعد أن تكون هذه المسارات التي أعلنتها إدارة المجرم ترامب والاستفزازات الحالية لفتح مضيق هرمز هي بداية لجر الأوضاع نحو استئناف العدوان والعمليات العسكرية الشاملة.
لذلك، تبني إيران حساباتها عسكرياً واستراتيجياً من واقع الجاهزية والاستعداد الكامل، وتضع الاستفزازات التي تقوم بها البحرية الأمريكية ضمن تصنيف "العمل الحربي" الذي ستتعامل معه بالطريقة المتماثلة، أي القوة العسكرية. أما إذا لزم الأمر وكان الموقف الأمريكي هو المواجهة البحرية، فسيتم تدمير القطع الحربية الأمريكية في بحر العرب بشكل دراماتيكي.
لذلك، تدير إيران موقفها بثبات وجهوزية مستمرة وبعقيدة عسكرية صارمة لا تقبل أي تهديد أو تحرك عدواني حتى لو كان تكتيكياً. وفي حال تطورت الأوضاع وعادت أمريكا وكيان العدو الصهيوني إلى الحرب، فهذا هو الاحتمال الذي تضعه إيران على رأس استراتيجيتها وأولوياتها العسكرية، وتوظف له كل الجهود عبر الاستعداد والجاهزية لخوض مختلف السيناريوهات دفاعياً وهجومياً، بالشكل الذي يجعل الجولة القادمة مفصلية وذات توجه يركز على تدمير ما تبقى من المصالح الأمريكية في المنطقة، وتوجيه الضربات القاصمة على كيان العدو الصهيوني وفق مسرح عمليات استراتيجي متعدد الجبهات، أكبر وأوسع من جولة الـ 40 يوماً.