عرب جورنال _ توفيق سلَّام
لم تعد الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد مواجهة تقليدية تدور حول البرنامج النووي أو العقوبات الاقتصادية، بل دخلت مرحلة جديدة تتعلق بإعادة تشكيل ميزان القوة في الشرق الأوسط، والسيطرة على أهم الممرات البحرية في العالم. فالتطورات الأخيرة، وما رافقها من تصعيد عسكري ورسائل سياسية متبادلة، توحي بأن المنطقة تقف أمام صراع يتجاوز حدود الاشتباك المباشر، ليمس بنية النظام الأمني في الخليج والبحر الأحمر معًا.
وبغض النظر عن تضارب الروايات حول تفاصيل العمليات العسكرية، فإن المؤشر الأهم يتمثل في أن واشنطن وطهران انتقلتا من إدارة الأزمة بالمنطق الدبلوماسي إلى منطق الردع المتبادل وإلى اختبار حدود القوة الميدانية. فعندما تصبح الموانئ والقواعد العسكرية والممرات البحرية أهدافًا مباشرة، فإن ذلك يعني أن قواعد الاشتباك التقليدية بدأت تتآكل، وأن مساحة المناورة السياسية تضيق لمصلحة الخيارات العسكرية.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة الحديث الأمريكي عن تشديد السيطرة على مضيق هرمز أو فرض ترتيبات جديدة للملاحة باعتباره مجرد إجراء أمني. فالمضيق ليس ممرًا مائيًا عاديًا، بل هو أحد أهم مفاتيح التوازن الجيوسياسي العالمي. ومن يملك القدرة على التحكم بحركة الطاقة والتجارة عبره يمتلك ورقة ضغط تتجاوز حدود الخليج إلى الاقتصاد الدولي بأسره. لذلك، فإن أي محاولة لإعادة تعريف إدارة المضيق ستُنظر إليها في طهران باعتبارها استهدافًا مباشرًا لأحد أهم عناصر قوتها الاستراتيجية، وليس مجرد خلاف قانوني حول الملاحة.
في المقابل، تتمسك إيران بأن أمن هرمز جزء من سيادتها الإقليمية، وترفض أي ترتيبات تفرض عليها من الخارج، انطلاقًا من مذكرة التفاهم وما ينص عليه البند الخامس، من أن إدارة المضيق يقع تحت السيادة الإيرانية والمرور الآمن للسفن. وهناك تنسيق وتفاهم إيراني- عماني بتنظيم الملاحة والعبور الآمن. بالإضافة إلى قناعة إيران بأن التراجع في هذا الملف يعني خسارة ورقة ردع راكمتها على مدى عقود. ومن هنا، فإن الرد الإيراني لا يهدف فقط إلى مواجهة الضغوط العسكرية، بل إلى منع تكريس واقع سياسي جديد يجعل الولايات المتحدة المرجعية الوحيدة لأمن الخليج.
وفي خضم هذا التصعيد، برزت الساحة اليمنية باعتبارها الحلقة التي نقلت الأزمة من مستوى الضغوط المتبادلة إلى مستوى الاشتباك الإقليمي المباشر. فبحسب الروايات المتداولة، جاءت محاولة هبوط الطائرة الإيرانية في مطار صنعاء في سياق السعي إلى كسر الحصار الجوي، قبل أن تتطور الأحداث إلى استهداف مدرج المطار بغارات جوية سعودية انطلقت من القواعد السعودية. ومن منظور صنعاء، لم يكن قصف المطار مجرد عملية عسكرية معزولة، بل إعلانًا بانتهاء مرحلة خفض التصعيد، وانتقال السعودية إلى دور أكثر انخراطًا في المواجهة الدائرة بصورة علنية. وعلى هذا الأساس، أعلنت صنعاء أن استهداف مطارها بعدد من الغارات لن يمر دون رد، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها استهداف المطارات والقواعد العسكرية، بمسيرات وصواريخ استهدفت مطار أبها. وأن كل المنشآت الحيوية داخل السعودية تحت النيران، لفرض معادلة ردع تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل، وإفهام خصومها أن استهداف البنية التحتية المدنية في اليمن ستكون له كلفة مقابلة داخل المملكة.
غير أن التطور الأكثر أهمية لا يكمن في المواجهة الأمريكية الإيرانية ذاتها، وإنما في انتقالها إلى ساحات أخرى في المنطقة. فاليمن لم يعد مجرد جبهة منفصلة، بل بات جزءًا من معادلة الردع الإقليمية. وأي استهداف لصنعاء أو تصعيد سعودي في هذا التوقيت يكتسب بعدًا مختلفًا، لأنه يُقرأ ضمن سياق المواجهة الأوسع مع طهران، وليس باعتباره امتدادًا للحرب اليمنية التقليدية.
ولهذا، فإن الربط الذي تطرحه صنعاء بين باب المندب وهرمز يحمل رسالة استراتيجية أكثر منه تهديدًا إعلاميًا. فالمقصود هو الإشارة إلى أن الضغط على إيران لن يبقى محصورًا في الخليج، وأن أمن الملاحة قد يتحول إلى ملف مترابط يمتد من مضيق هرمز شرقًا إلى باب المندب غربًا. وإذا تحقق هذا السيناريو، فإن العالم لن يكون أمام أزمة محلية، بل أمام تحدٍ غير مسبوق لأمن التجارة البحرية الدولية. وضمن هذا السياق، يُفهم التحذير من أن استهداف اليمن أو تشديد الحصار عليه قد يقابله توسيع نطاق المواجهة البحرية، بما يجعل الممرين الاستراتيجيين جزءًا من معادلة ردع واحدة، بالإضافة إلى تحذير حكومة صنعاء لشركات الطيران من العبور فوق الاجواء السعودية حتى فك الحصار عن مطار صنعاء، وهو تطور يحمل تداعيات تتجاوز أطراف الصراع المباشرين إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة حريصة على بناء تحالف أوسع يمنح عملياتها غطاءً سياسيًا وعسكريًا، لأن أي مواجهة منفردة مع إيران وحلفائها ستكون أكثر كلفة وأقل استدامة. إلا أن هذا التوجه يصطدم بحسابات دولية معقدة، إذ إن كثيرًا من الدول، وخصوصًا الأوروبية، تدرك أن عسكرة الممرات البحرية أو فرض ترتيبات جديدة بالقوة قد يؤدي إلى اضطرابات اقتصادية عالمية يصعب احتواؤها.
ومن زاوية أخرى، فإن خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، القائم على إظهار الحزم واستعراض القوة، ينسجم مع سياسة الضغط القصوى، لكنه يحمل في الوقت ذاته مخاطر كبيرة. فكلما ارتفع سقف التهديدات، تقلصت مساحة الحلول الوسط، وأصبح التراجع السياسي أكثر كلفة على جميع الأطراف، ما يزيد احتمالات الانزلاق إلى مواجهات غير محسوبة.
أما إيران، فتسعى إلى تثبيت معادلة مختلفة، قوامها أن أي استهداف لها لن يبقى داخل حدودها الجغرافية، وأن حلفاءها الإقليميين يمثلون امتدادًا لمنظومة الردع الإيرانية. وهذا ما يفسر إصرارها على أن أي تهدئة حقيقية يجب أن تشمل مجمل ساحات التوتر، لا أن تقتصر على الملف الإيراني وحده.
المشهد الراهن يكشف أن المنطقة لم تعد تعيش أزمة عابرة، بل لحظة إعادة تشكيل للتوازنات. فالرهان الأمريكي يقوم على تقليص النفوذ الإيراني وإعادة رسم قواعد الأمن البحري، بينما تراهن طهران على إفشال هذه المحاولة عبر توسيع ساحات الضغط ورفع كلفة أي تحرك عسكري ضدها. وبين هذين الرهانين تقف دول المنطقة أمام معادلة شديدة الخطورة، لأن أي خطأ في الحسابات قد يحول الاشتباكات المحدودة إلى حرب إقليمية واسعة تتداخل فيها الجبهات، وتتجاوز آثارها حدود الشرق الأوسط إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
ولعل أخطر ما في هذه المرحلة أن القرار لم يعد بيد طرف واحد. فكلما اتسعت دائرة الفاعلين العسكريين، وتعددت ساحات الاشتباك، أصبحت احتمالات الاحتواء أكثر صعوبة، وأصبح السلام نفسه رهينة لمعادلات الردع المتبادل، لا للدبلوماسية. وعندما تصل الأزمات إلى هذه النقطة، فإن الشرارة الصغيرة قد تكون كافية لإشعال حرائق لا يمكن لأحد التحكم بمسارها أو نهايتها.