عرب جورنال _ نبيل عبد الحكيم
بينما تنشغل الصالونات السياسية الدولية بتحليل الأبعاد الجيوسياسية وموازين القوى في البحر الكاريبي، يعيش المواطن الكوبي تفاصيل صراع من نوع آخر؛ صراع يومي مرير من أجل البقاء في ظل أزمة طاقة خانقة وشلل اقتصادي غير مسبوق. إن المشهد الراهن في كوبا لعام 2026 لم يعد مجرد أزمة عابرة، بل هو نتاج تلاطم أمواج الحصار المالي الأمريكي المشدد مع تهالك بنيوي ممتد لعقود، مما جعل اليومي الكوبي أشبه بعقوبة جماعية يدفع ثمنها البسطاء من قوتهم وصحتهم وكرامتهم الإنسانية.
أولاً: شلل هيكلي وظلام دامس يعم الجزيرة
يواجه قطاع الطاقة الكوبي حالة من التداعي المستمر التي تشكل المحرك الأساسي لركود الحياة اليومية والإنتاج. وتعود هذه الأزمة إلى نقص الصيانة والاستثمارات في المحطات الحرارية الستة عشر الرئيسية، والتي بنيت بين ستينيات وثمانينيات القرن الماضي بتقنيات سوفيتية وتشيكوسلوفاكية متهالكة. واليوم، تراجعت القدرة التشغيلية الفعلية للشبكة إلى ما دون 1,800 ميغاوات، من أصل قدرة اسمية تبلغ 3,000 ميغاوات، مما يعني عجزاً يتراوح بين 1,500 و2,000 ميغاوات، مخلّفاً فجوة عاجزة عن تلبية أكثر من 64% من الطلب في أوقات الذروة.
هذا التداعي ترجمته سلسلة من الانهيارات الكاملة للشبكة الكهربائية الوطنية (SEN) الممتدة حتى منتصف عام 2026؛ فبعد انهيارات متتالية في 2024 و2025 بسبب أعطال محطة "أنطونيو غيتيراس" الرئيسية والظروف الجوية المتطرفة، شهد عام 2026 ذروة الكارثة. وفي 6 يوليو 2026، دخلت الشبكة في انهيار وطني كامل ثالث خلال العام، مما أغرق نحو 10 ملايين مواطن في ظلام دامس وسط صيف استوائي لاهب.
لا تتوقف المعاناة عند انقطاع التيار، بل تمتد لتضرب مقومات الحياة الأساسية:
أزمة المياه والصحة: تعطلت 84% من معدات ضخ المياه المعتمدة على الكهرباء، وحُرم ملايين المواطنين من المياه الصالحة للشرب، في حين تعيش المستشفيات تحت رحمة المولدات، واضطرت الكوادر الطبية أحياناً لتوليد النساء في غرف مظلمة.
البيئة والنظافة: في العاصمة هافانا، شُلت حركة شاحنات جمع النفايات بسبب نفاد الديزل (عملت 44 شاحنة فقط من أصل 106)، مما أدى لتراكم النفايات ومخاوف وبائية.
الصناعة والسياحة: أوقفت شركة "شيريت" الكندية عملياتها في منشأة تعدين النيكل الاستراتيجية في "موا". والأخطر من ذلك هو إعلان الحكومة وقف تزويد الطائرات الأجنبية بالوقود، ما دفع الخطوط الكندية والروسية لتعليق رحلاتها، متسببة في انهيار أرقام السياحة الوافدة بنسبة 58%، وهي ضربة قاصمة لقطاع يمثل رئة الاقتصاد ويوفر 10% من الناتج المحلي الإجمالي.
هذا الواقع تلخصه شهادة المواطنة "ميبول فونت" (51 عاماً) من هافانا، التي تصف العيش في ظل هذه الأوضاع بأنه "عذاب يومي لا ينتهي"، حيث تقتصر الكهرباء على 3 ساعات يومياً وسط انقطاع تام للاتصالات والإنترنت.
ثانياً: خريطة التجارة وعجز الميزان السلعي
يعاني الهيكل التجاري الكوبي من انفصام حاد، إذ تستورد الجزيرة بين 70% إلى 80% من احتياجاتها الغذائية وعناصر الطاقة، في مقابل ضعف صادراتها الشديد. وسجل الميزان التجاري عجزاً هائلاً بلغ 6.596 مليار دولار، بوارادت بلغت 8.071 مليار دولار مقابل صادرات سلعية متواضعة لم تتجاوز 1.474 مليار دولار.
وتتركز الواردات الكوبية لعام 2025 في سلع البقاء الأساسية: المنتجات النفطية والوقود المعدني تلتهم الحصة الأكبر بنحو 28.5% (1,850 مليون دولار)، تليها المنتجات الغذائية والزراعية بنسبة 21.9% (1,420 مليون دولار) مثل الأرز والقمح ولحوم الدواجن، ثم الأدوية والمستلزمات الطبية بنسبة 10.5%. وفي المقابل، تتركز الصادرات في قطاعات تقليدية منخفضة القيمة المضافة، مثل المنتجات التعدينية وأكاسيد النيكل (44.3%) والتبغ والسيجار الفاخر (42.1%).
لكن الضربة الجيوسياسية الأشد وقعت مطلع عام 2026، إثر التدخل الأمريكي في فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، مما أدى إلى إنهاء فوري لشحنات النفط الفنزويلي المدعوم التي كانت تمثل شريان الحياة لكوبا. وتزامن ذلك مع فرض واشنطن للقرار التنفيذي رقم 14380 الذي فرض عقوبات على أي دولة تمد كوبا بالنفط، مما أجبر المكسيك على تعليق شحناتها، وجعل كوبا في حالة حصار بحري حقيقي.
داخلياً، انهار الإنتاج الزراعي نتيجة غياب الوقود والمضخات؛ حيث انخفض إنتاج لحوم الخنزير بنسبة 95% والأرز بنسبة 87% بين عامي 2018 و2023، وتحولت الحقول إلى مقبرة للمحاصيل المتعفنة، مما دفع المزارعين لبيع أراضيهم بأسعار بخسة عبر منصات التواصل الاجتماعي يائسين.
ثالثاً: دوامة التضخم وفوضى أسعار الصرف
يعيش المواطن الكوبي في ظل تدهور ماكرو-اقتصادى مستمر منذ عقد؛ وتشير التقديرات المستقلة إلى انكماش حاد في الناتج المحلي الإجمالي يتجاوز 7% لعام 2026 وحده، ليصل الانكماش التراكمي منذ عام 2019 إلى نسبة كارثية بلغت 23%. ومع وصول عجز الموازنة لمستويات تقترب من 20%، لجأ البنك المركزي للإصدار النقدي دون غطاء، مما أشعل التضخم المفرط وتآكل العملة المحلية (البيزو).
يتجلى مأزق المواطن في الهزل الشديد للأجور؛ ورغم أن متوسط الراتب الشهري الاسمي ارتفع إلى نحو 6,989 بيزو كوبي، فإن قيمته الفعلية في السوق الموازية الحقيقية تتراوح بين 10 إلى 15 دولاراً فقط، في وقت تفوق فيه السلة الغذائية الأساسية هذا المبلغ بأضعاف. وزاد من حرج الموقف خلو أجهزة الصراف الآلي من السيولة النقدية، مما جعل الحصول على "الكاش" معركة يومية أخرى.
علاوة على ذلك، يسود السوق تعدد فوضوي لأسعار الصرف لعام 2026:
العملة الأجنبية
سعر الصرف الرسمي (البنك المركزي)
سعر الصرف في السوق الموازية
الأثر المعيشي والاقتصادي
الدولار الأمريكي (USD)
يتراوح من 24 إلى 585 بيزو (حسب الشريحة)
605 إلى 620 بيزو كوبي
يحدد الأسعار الفعلية للسلع والمواد المستوردة
اليورو (EUR)
669.53 بيزو كوبي
700 بيزو كوبي
العملة المفضلة للتداول والتوفير وتجارة التجزئة
وفي ظل غياب البيانات الرسمية، باتت منصة "إل توكي" (El Toque) المستقلة عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي هي الموجه الحقيقي لأسعار الصرف في الشارع بناءً على الإعلانات الرقمية، متفوقة على محاولات البنك المركزي البائسة لطرح نظام صرف عائم منافس.
هذا الوضع عمق التفاوت الاجتماعي بظهور متاجر "العملة القابلة للتحويل الحر" (MLC) التي تبيع السلع المستوردة بالدولار فقط، لينقسم المجتمع إلى شريحة محظوظة تمتلك أقارب في الخارج يرسلون لها التحويلات الأجنبية، وأغلبية ساحقة من الموظفين والمتقاعدين يعيشون في عوز شديد، لاسيما بعد فرض واشنطن حظراً على شركة "أوربيت" الكوبية لمعالجة الحوالات، وفرض هافانا لرسوم بنسبة 1%، مما دفع نصف المغتربين للجوء للقنوات غير الرسمية وحرمان الخزانة من العملة الصعبة.
رابعاً: إصلاحات 2026 وجدار الحصار الأمريكي
أمام هذا الانسداد، أعلن الرئيس "ميغيل دياز-كانيل" في يونيو 2026 عن "البرنامج الاقتصادي والاجتماعي"؛ وهي حزمة إصلاحات اعتبرت الخطوة الليبرالية الأكثر جرأة منذ ثورة 1959. وتضمنت الحزمة إنهاء الدعم السلعي العيني تدريجياً والتحول للدعم النقدي، والسماح للقطاع الخاص بالاستيراد والتصدير المباشر، وتأسيس بنوك خاصة، وفتح قطاعات استراتيجية وتمليكها للمغتربين دون اشتراط الإقامة، وإلغاء السقف العددي لعمالة الشركات الصغيرة والمتوسطة (Mipymes) المحدد سابقاً بـ 100 موظف.
لكن هذه الاندفاعة الليبرالية الاضطرارية اصطدمت فوراً بجدار العقوبات الأمريكية المتجددة؛ حيث وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مايو 2026 القرار التنفيذي رقم 14404 لفرض عقوبات ثانوية صارمة تجمد أي بنك أجنبي يتعامل مع قطاعات الطاقة والمال الكوبية، متبوعاً بمعاقبة مصلحة النفط الوطنية (CUPET). وصرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو علانية بأن الهدف هو خنق النظام لجعل كوبا "قابلة للاستثمار الحر" بعد تغيير السلطة.
ورغم قيام مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي (OFAC) في فبراير 2026 بإصدار استثناءات تتيح للشركات الدولية بيع الوقود فنزويلي المنشأ حصراً لكيانات القطاع الخاص الكوبي المستقل (البند FAQ 1238)، إلا أن الدراسات الميدانية أكدت عجز هذا المتنفس عن تقديم حل حقيقي. ويرى الخبراء ورجال الأعمال في هافانا أن استيراد صهريج ديزل واحد يتطلب سيولة فورية تصل لـ 50 ألف دولار، فضلاً عن عمولات تبلغ 13% تدفع لشركة (CUPET) التي تحتكر خدمات الموانئ والتفريغ. ومع حظر القوانين الحكومية لاندماج المشاريع الصغيرة لتمويل الشحنات المشتركة، ظل القطاع الخاص تحت رحمة السوق السوداء التي تبيع لتر الوقود بخمسة أضعاف تكلفته.
خلاصة وآفاق المستقبل
تثبت المؤشرات المالية لعام 2026 أن الاقتصاد الكوبي يمر بمرحلة تآكل حتمي لركائز النموذج الاشتراكي المخطط مركزياً. إن اللجوء للتخلي عن الدعم السلعي وفتح الأبواب لآليات السوق والبنوك الخاصة هو اعتراف رسمي بانسداد أفق الأيديولوجيا الاقتصادية التقليدية.
لكن مسارات الإنقاذ تظل مكبلة؛ فمن جهة، تعوق البيروقراطية الداخلية وضغوط الهجرة الكثيفة للشباب والمهنيين تشغيل قطاعات الإنتاج الحديثة، ومن جهة أخرى، يمنع الحصار الأمريكي الخانق والمسيس أي فرصة حقيقية لالتقاط الأنفاس. وفي غياب تسوية سياسية دولية، تظل إصلاحات دياز-كانيل محاولة متأخرة لتفادي الانفجار الاجتماعي، بينما يواصل المواطن الكوبي دفع كلفة هذا الصراع الجيوسياسي من تفاصيل حياته اليومية البسيطة.