عرب جورنال _ أنس القباطي
بدأت كثيرٌ من البنوك المركزية في العالم تخطط لتقليص حجم استثماراتها بالدولار الأمريكي، في مؤشر على تراجع الهيمنة الاقتصادية الأمريكية، وأن العالم يتجه نحو مغادرة نظام القطب الواحد، صوب عالم متعدد الأقطاب.
تقليص حضور الدولار
وكشف استطلاع حديث أجراه معهد "OMFIF"، ومقره لندن، أن البنوك المركزية حول العالم تخطط خلال العقد المقبل لتقليص حجم استثماراتها بالدولار؛ مرجعاً ذلك إلى تصاعد المخاطر السياسية المرتبطة بالعملة الأمريكية.
ثقة باليوان
كما كشف الاستطلاع الذي أجراه المعهد - الذي يعد بمثابة منتدى للمؤسسات النقدية والمالية الرسمية- أن حوالي 79% من البنوك المركزية و60% من الصناديق السيادية ترى أن النظام النقدي العالمي يتجه نحو عالم "متعدد الأقطاب"، منوهاً إلى أن العملات غير المصنفة ضمن الثماني الكبرى تعزز تدريجياً مكانتها بين الأصول الاحتياطية، مبيناً أن جميع المشاركين في الاستطلاع تقريباً اعتبروا اليوان أداة فعالة لتنويع المحفظة الاستثمارية.
الذهب يعود إلى الواجهة
ووفقاً للاستطلاع، فإن الذهب الذي سجّلت أسعاره مستويات قياسية متعددة ويمتلكه 82% من البنوك المركزية، انتقل إلى صميم استراتيجية إدارة الاحتياطيات، مشيراً إلى أنه على المدى القصير، يُعد الذهب أكثر الأصول التي تخطط البنوك المركزية لزيادة استثماراتها فيها، منوهاً إلى أن 30% من المستجيبين يعتزمون زيادة استثماراتهم فيه خلال العام أو العامين المقبلين.
أبعاد وتراجع
وتحمل نتائج الاستطلاع أبعاداً سياسية واقتصادية واستراتيجية، ترسم في مجملها ملامح نظام مالي عالمي بدأ في التخلق، عبر مرحلة انتقال نقدي تدريجي من الناحية التاريخية.
وبالتالي، فإن قراءة نتائج هذا الاستطلاع لا تعني انهياراً مفاجئاً للدولار، وإنما بدء مرحلة تراجع تدريجي، يمكن وصفه بـ"المدروس" من قبل المؤسسات النقدية الكبرى في العالم. وهذا التراجع للدولار يقابله صعود نظام مالي مرن وموزع على عدة أقطاب، يوازن فيه صناع القرار المالي حول العالم بين تقليص مخاطر الدولار، والانفتاح على اليوان والعملات الناشئة، والتحوط التاريخي بالذهب.
أسعار الذهب
وبناءً على ذلك، فإن الاستطلاع يعطي إشارة بأن أسعار الذهب لن تشهد انخفاضات حادة خلال العامين إلى الأعوام الثلاثة المقبلة، حيث سيقابل ذلك تراجع هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي بالنسبة التي سيتمدد بها الذهب في الاستثمارات خلال الفترة نفسها.
البعد الجيوسياسي
وإذا ما أخذنا البعد الجيوسياسي في نتائج الاستطلاع، فهو يتلخص في تراجع الثقة بالقطب الواحد والعملة الواحدة، لصالح التحول نحو الأقطاب المتعددة والعملات المتنوعة والأصول التحوطية، مما يعطي انطباعاً ببدء مرحلة سقوط هيمنة القطب الواحد والدولار الأمريكي.
وعليه، فإن تخطيط البنوك المركزية لتقليص استثماراتها بالدولار على مدى العقد المقبل بسبب المخاطر السياسية، يُقرأ كونه اعترافاً رسمياً من النظام المصرفي العالمي بأن استخدام الدولار كسلاح مالي، كالعقوبات وتجميد الأصول، قد أضعف موثوقيته كـ"ملاذ آمن".
وبالتالي، فإنه ووفقاً لنتائج الاستطلاع، يُعد إقرار 79% من البنوك و60% من الصناديق السيادية بهذا التحول دليلاً على أن المركزية المالية الغربية، والأمريكية على وجه الخصوص، بدأت تتآكل لصالح أقطاب صاعدة، مما يعني أن القرار السياسي والاقتصادي العالمي لن يظل حكراً على واشنطن.
البعد الاقتصادي
ويتجلى البعد الاقتصادي في نتائج الاستطلاع في صعود "العملات البديلة" وخاصة اليوان الصيني؛ وبالتالي فإن ما خلص إليه الاستطلاع من أن "العملات غير المصنفة ضمن الثماني الكبرى" تعزز مكانتها، يعني ظهور مرحلة كسر احتكار الدول الثماني الكبرى، ما يشير إلى أن باقي دول العالم تسير نحو تنويع سلال عملاتها بالاعتماد على عملات إقليمية أو عملات دول قوية ناشئة؛ لتجنب مخاطر التقلبات والصدمات السياسية.
كما أن إشارة الاستطلاع إلى إجماع المشاركين تقريباً على أن اليوان الصيني أداة فعالة لتنويع المحفظة الاستثمارية، تعكس اعترافاً بوزن الصين الاقتصادي؛ لأن التحول نحو اليوان لم يعد خياراً سياسياً لبعض الدول، بل أصبح ضرورة استثمارية عملية للبنوك المركزية عالمياً.
البعد الاستراتيجي
أما البعد الاستراتيجي، فيتضح من خلال استحواذ الذهب على اهتمام البنوك المركزية، فقد أصبحت تمتلكه 82% منها، فضلاً عن تخطيط 30% لزيادة حيازته فوراً—وفقاً للاستطلاع—مما يعكس حالة من "عدم اليقين" والخوف من المستقبل. وبعبارة أخرى، فإن حالة عدم اليقين جعلت كبرى البنوك المركزية في العالم تعود إلى الملاذ الأزلي "الذهب"، مما دفع به إلى قلب استراتيجية التحوط.
والمعروف استراتيجياً أنه في أوقات الأزمات والتحولات التاريخية للنظم النقدية، تعود البنوك دائمًا إلى الأصول الملموسة التي لا ترتبط بالديون أو بالسياسات الداخلية لأي دولة، نظراً لفقدان الثقة في العملات الورقية، مما يجعل الذهب "درع حماية" ضد التضخم والمخاطر الجيوسياسية.
تراجع أمريكي
وبناءً على ما سبق، فإن ما أورده الاستطلاع من نتائج يعطي إشارة أولية واضحة أن الولايات المتحدة، باعتبارها مركز النظام الدولي أحادي القطب، تسير نحو مرحلة التراجع؛ لأن تراجع الاعتماد على الدولار يعني تراجع جدوى سلاح العقوبات الأمريكية في إخضاع الدول التي باتت تغرد خارج السرب الأمريكي، مما سيؤدي إلى تراجع الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العالمي.
موثوقية
كما أن أهمية نتائج هذا الاستطلاع تكمن في درجة موثوقيته، كونه صدَر عن جهة تمثل صوت أصحاب القرار المالي أنفسهم، وليس تخميناً من خارج المنظومة. ومن زاوية أخرى، فإن نتائج الاستطلاع لا تتنبأ بانهيار مفاجئ وسريع للدولار، بل توثق تحولاً هيكلياً وتدريجياً هادئاً تقوده البنوك المركزية لتأمين أصولها في عالم تزداد فيه الصراعات واستخدام الاقتصاد كأداة ضغط سياسي.
وإلى جانب ذلك، فإن موثوقية الاستطلاع تأتي من تقارب نتائجه مع تقارير مؤسسات دولية أخرى ذات وزن ثقيل؛ كمجلس الذهب العالمي، الذي أكدت بياناته في الفترة نفسها توجه البنوك المركزية نحو شراء وتخزين الذهب بمعدلات تقارب 1000 طن سنوياً، كأصل استراتيجي للتحوط من المخاطر الجيوسياسية، وكذلك صندوق النقد الدولي، الذي كشفت بياناته الرسمية عن تراجع تدريجي ومستمر لحصة الدولار في الاحتياطيات النقدية العالمية من فوق 70% في بداية الألفية إلى نحو 58%.
علامات التراجع
وعليه، فإن المؤشرات على تراجع الهيمنة الأمريكية بدأت تظهر بجلاء، كعلامات تؤكد أن العالم بدأ يتجه نحو التعدد الاقتصادي، وأن اليوم الذي سيصبح فيه الدولار مجرد ورقة خضراء صار منظورا، وحينها سيسقط سلاح العقوبات الاقتصادية الأمريكية، إيذاناً بتلاشي نفوذها.