يوليو 6, 2026 - 20:18
لماذا تجري روسيا والصين مناورات بحرية مشتركة قرب تشينغداو في هذا التوقيت؟

عرب جورنال _ كامل المعمري 

افتتحت الصين وروسيا مناورات بحرية مشتركة تحت اسم “البحر المشترك 2026” في المياه والمجال الجوي القريبين من مدينة تشينغداو الساحلية شرقي الصين، على أن تستمر من 6 إلى 13 يوليو/تموز، قبل أن تنتقل بعض القطع المشاركة إلى دوريات بحرية مشتركة في مناطق من المحيط الهادئ.

وتشارك موسكو في المناورة بقطع من أسطولها في المحيط الهادئ، بينها الطراد الصاروخي “فارياج”، وكورفيت، وغواصة ديزل-كهربائية، وسفينة إنقاذ، في حين تستضيف الصين التدريبات قرب واحد من أهم موانئها العسكرية المطلة على البحر الأصفر. 

تقول موسكو إن التدريبات البحرية المشتركة مع الصين لا تستهدف أحدًا، وإنها عامل استقرار وتنبؤ في منطقة شديدة الحساسية. غير أن توقيت المناورات ومكانها وحجم الرمزية المحيطة بها يجعل من الصعب قراءتها بوصفها نشاطًا عسكريًا روتينيًا فقط. فالمناورات التي انطلقت قرب مدينة تشينغداو الصينية، وتستمر من 6 إلى 13 يوليو/تموز 2026، تأتي في لحظة يتقاطع فيها الضغط الأميركي في المحيط الهادئ مع حرب أوكرانيا والعقوبات الغربية ومسألة تايوان، ومع إعادة تشكيل واسعة لما يمكن تسميته سلاسل الردع البحري حول الصين.

الرواية الرسمية واضحة: بكين وموسكو تقدمان التدريبات باعتبارها جزءًا من خطة تعاون سنوية بين جيشي البلدين، هدفها مواجهة التحديات الأمنية والحفاظ على السلام والاستقرار الإقليمي.

وبحسب البيانات المتداولة، ستجري المناورات في المياه والمجال الجوي قرب تشينغداو، ثم تتبعها دوريات بحرية مشتركة في مناطق من المحيط الهادئ، فيما دفعت روسيا بقطع من أسطولها في المحيط الهادئ، بينها طراد وكورفيت وغواصة ديزل-كهربائية وسفينة إنقاذ.

لكن اللغة الدبلوماسية لا تلغي الرسالة الإستراتيجية. فحين يقول الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن التدريبات “ليست موجهة ضد أحد”، فهو لا ينفي أنها تحمل معنى سياسيًا وعسكريًا، بل يحاول ضبط هذا المعنى عند سقف لا يصل إلى إعلان تحد مباشر.

في المقابل، يعرف الخصوم والحلفاء أن المناورات البحرية هي اختبار للقدرة على العمل المشترك، وإظهار لإمكان تحويل التقارب السياسي بين بكين وموسكو إلى تنسيق عملياتي في البحار القريبة من خطوط الاحتكاك الكبرى.

في خلفية المشهد، تبدو الحرب الأوكرانية حاضرة ولو لم تذكرها البيانات الرسمية. فمنذ بدء الحرب، وجدت روسيا نفسها أمام منظومة ضغط غربية متراكبة: عقوبات مالية وتقنية، استنزاف عسكري، ومحاولة طويلة الأمد لعزلها عن الأسواق والشبكات الدفاعية الغربية.

وفي مثل هذا السياق، تتحول الصين إلى عمق اقتصادي وسياسي، كما تتحول البحار الآسيوية إلى مسرح تقول فيه موسكو إنها لم تُحاصر عالميًا، وإنها لا تزال قادرة على الوصول إلى المحيط الهادئ بوصفه ساحة نفوذ لا تقل أهمية عن البحر الأسود أو البلطيق.

وقد أظهرت تقارير حديثة استمرار تشابك المصالح الروسية–الصينية، من الطاقة إلى التعاون العسكري، رغم اعتراضات غربية متصاعدة على دور كيانات صينية تتهم بدعم القاعدة الصناعية العسكرية الروسية.

أما بالنسبة إلى الصين، فالمناورات تأتي في لحظة تتزايد فيها محاولات واشنطن لإحكام الطوق البحري والسياسي حولها. فالإستراتيجية الأميركية في المحيط الهادئ لم تعد تقتصر على الوجود العسكري التقليدي، بل تقوم على بناء طبقات من الردع تمتد من اليابان وكوريا الجنوبية إلى تايوان والفلبين وأستراليا، مع التركيز على ما يسمى “الردع بالمنع” على طول السلسلة الجزرية الأولى، أي الخط البحري الممتد من اليابان عبر تايوان والفلبين نحو جنوب شرق آسيا.

هذه السلسلة هي بنية عسكرية وسياسية تهدف إلى تقييد حرية الحركة الصينية من البحار القريبة إلى المحيط الأوسع. ولذلك تنظر بكين إلى أي تعزيز أميركي في اليابان أو الفلبين أو حول تايوان باعتباره جزءًا من شبكة ضغط لا تنفصل عن ملف الرقائق والعقوبات التقنية والتحالفات البحرية ومن هنا يصبح التعاون مع روسيا وسيلة لإرسال رسالة مضادة مفادها إذا كانت واشنطن تبني حلقات تطويق حول الصين، فإن بكين قادرة على إنتاج عمق إستراتيجي عبر شريك نووي كبير يمتلك خبرة بحرية وموقعًا مباشرًا في شمال المحيط الهادئ.

وتزداد حساسية هذه الرسالة بسبب تايوان. فالجزيرة تقع في قلب السلسلة الجزرية الأولى، وأي صراع حولها هو بمثابة اختبارًا للنظام الأمني الأميركي في آسيا. لذلك لا تبدو المناورات الصينية–الروسية بعيدة عن الحسابات التايوانية. فقد قالت تايوان إنها تتابع “اتجاهًا صاعدًا” في التحركات البحرية الصينية، وإن هناك تشكيلات بحرية صينية في غرب المحيط الهادئ، معتبرة أن بكين وموسكو تبدوان وكأنهما تردان على إستراتيجية أميركية تقودها واشنطن لمنع الحركة والسيطرة على السلسلة الجزرية الأولى.

بهذا المعنى، تكمن أهمية التدريبات في المكان الذي تجري فيه والطرق التي يمكن أن تسلكها بعد انتهائها. فالمناورة قرب الساحل الصيني ثم الانتقال إلى دوريات في المحيط الهادئ تعني أن الرسالة تمتد إلى اختبار العبور والانتشار والتنسيق في فضاء بحري تراه الولايات المتحدة مجالًا حيويًا لتفوقها. وإذا كانت واشنطن تحاول تثبيت حضورها على محيط الصين، فإن بكين وموسكو تحاولان القول إن هذا المحيط ليس ساحة أميركية مغلقة.

في الوقت نفسه، لا ينبغي المبالغة في تصوير العلاقة الروسية–الصينية كتحالف عسكري كامل على النمط الأطلسي. فبين البلدين مصالح مشتركة واسعة، لكن لكل منهما حساباته الخاصة. الصين حريصة على عدم التورط المباشر في حرب أوكرانيا، لأنها لا تريد دفع كلفة مواجهة اقتصادية مفتوحة مع الغرب، وروسيا تدرك أن موقعها في العلاقة مع الصين تغير بفعل الحرب والعقوبات.

ومع ذلك، فإن ما لا يصل إلى مستوى التحالف الرسمي قد يكون كافيًا لإرباك الحسابات الأميركية، خصوصًا إذا تطور إلى انتظام في الدوريات، وتبادل الخبرات، وتكامل تدريجي في الاتصالات البحرية والجوية.

كذلك العقوبات على روسيا تؤثر في تموضعها الآسيوي، والضغط الأميركي على الصين يدفعها إلى توثيق صلاتها بخصوم واشنطن، والتنافس على سلاسل الإمداد والتكنولوجيا يلتقي مع التنافس على المضائق والممرات البحرية. ولذلك تصبح مناورة بحرية قرب تشينغداو حدثًا يتجاوز البحر الأصفر، لأنها تقع على خط تماس بين حرب أوروبية مفتوحة وتوازن آسيوي قابل للاشتعال.

قد يكون الكرملين محقًا من الناحية الشكلية حين يقول إن التدريبات ليست موجهة ضد دولة بعينها. لكن السياسة الدولية لا تقرأ المناورات من النصوص الرسمية وحدها، وانما من تزامنها مع التحركات الأخرى: زيادة النشاط البحري الصيني، حضور روسيا في المحيط الهادئ، تصاعد القلق حول تايوان، وتشديد واشنطن وحلفائها بنية الردع في محيط الصين. وفي هذا التزامن تحديدًا تبدو التدريبات رسالة مزدوجة: طمأنة معلنة بأنها لا تستهدف أحدًا، وإنذار غير معلن بأن زمن الانفراد الأميركي بترتيب أمن المحيط الهادئ يواجه اختبارًا روسيًا–صينيًا متصاعدًا.