يوليو 6, 2026 - 18:09
اتفاقية الإطار: هل تنص على إنهاء الاحتلال أم تضع السيادة اللبنانية في موضع المساومة؟

عرب جورنال _ توفيق سلَّام 

لم يعد الجدل في لبنان يدور حول بند تفاوضي أو إجراء أمني، بل حول سؤال يتجاوز اللحظة الراهنة إلى مستقبل الدولة نفسها: هل يمكن بناء السيادة عبر ترتيبات تُبقي الاحتلال حاضرًا على الأرض، أم أن أي صيغة لا تبدأ بإنهاء الاحتلال تضع السيادة في موضع المساومة؟ ومن هنا جاءت حدة الانقسام الذي أثاره توقيع "اتفاقية الإطار"، إذ رأى فيها مؤيدوها محاولة لمعالجة واقع أمني معقد، بينما اعتبرها منتقدوها خطوة تمنح، من الناحية السياسية، "شرعنة" لواقع فرضته القوة العسكرية الإسرائيلية، وتحوّل الاحتلال من حالة مؤقتة إلى ورقة تفاوض مرتبطة بشروط أخرى.

وبحسب هذه القراءة، فإن "الخطأ التاريخي" لا يكمن في مجرد توقيع اتفاق سياسي، وإنما في ترتيب الأولويات. فبدل أن يصبح الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية التزامًا سابقًا لأي نقاش آخر، أضحى مرتبطًا بمسألة نزع سلاح حزب الله، وهو ما يعني، في نظر منتقدي هذا المسار، أن "الاحتلال" لم يعد هو القضية الأولى، وإنما أصبحت "المقاومة" هي القضية التي يُعاد تشكيل المشهد السياسي كله على أساسها. وهنا تحقق إسرائيل، وفق هذا المنظور، مكسبًا استراتيجيًا مزدوجًا؛ فهي لا تكتفي بالإبقاء على نفوذها الميداني، بل تنجح أيضًا في نقل مركز النقاش من الاحتلال إلى سلاح من يقاوم الاحتلال.

غير أن السؤال الأكثر إلحاحًا لا يتعلق بحزب الله وحده، وإنما بالدولة اللبنانية نفسها. فإذا كانت الدولة تطالب باحتكار السلاح، فهل تمتلك في المقابل القدرة على احتكار الدفاع عن الأرض؟ وهل تملك المؤسسة العسكرية الإمكانات الكافية لردع أي اعتداء إسرائيلي أو فرض الانسحاب من الأراضي التي لا تزال موضع نزاع أو من أي مناطق تنتشر فيها قوات إسرائيلية؟

 احتكار الدولة للسلاح يفترض، من حيث المبدأ، احتكارها أيضًا لمسؤولية الدفاع عن الحدود وصون السيادة، وهي مسألة يراها منتقدو هذا الطرح مرتبطة بقدرات الدولة الفعلية لا بمجرد النصوص القانونية.

وفي هذا السياق، يذهب أصحاب هذه القراءة إلى أن لبنان لا يواجه أزمة سلاح فحسب، بل يعيش أزمات متراكبة تمتد من الانهيار الاقتصادي والمالي إلى الانقسام السياسي والطائفي، ومن ضعف مؤسسات الدولة إلى استمرار التدخلات الخارجية في قراره الوطني.

 ولذلك فإن اختزال الأزمة اللبنانية في ملف واحد، مهما بلغت أهميته، يغفل شبكة أوسع من الاختلالات البنيوية التي جعلت الدولة عاجزة عن بناء مؤسسات قوية وقادرة على إدارة خلافاتها الداخلية وحماية سيادتها.

كما يرى هؤلاء أن النظام السياسي القائم على التوازنات الطائفية أسهم، عبر عقود، في إنتاج دولة ضعيفة الإرادة ومحدودة الفاعلية، تخضع قراراتها لتوازنات داخلية معقدة وضغوط إقليمية ودولية متشابكة. ومن ثم، فإن الأزمة ليست وليدة اليوم، وإنما هي نتيجة تراكمات طويلة حالت دون بناء دولة تمتلك قرارها السيادي المستقل ومؤسساتها القادرة على حماية حدودها وإدارة شؤونها بعيدًا عن الاستقطابات الداخلية والضغوط الخارجية.

ويذهب أصحاب هذه القراءة إلى أن ما جرى لم يكن تطورًا لبنانيًا داخليًا فحسب، بل جاء في سياق هندسة سياسية أوسع، هدفت – بحسب هذا التصور – إلى إيجاد مسار تفاوضي موازٍ يعيد ترتيب الأولويات السياسية والأمنية في جنوب لبنان. ويرى هؤلاء أن هذا المسار لم يُقدَّم بوصفه بديلًا عن وقف التصعيد فحسب، بل باعتباره إطارًا جديدًا يربط أي انسحاب إسرائيلي بجملة من الشروط الأمنية، وفي مقدمتها مسألة سلاح حزب الله، الأمر الذي يجعل الانسحاب نتيجة لشروط تفاوضية، لا التزامًا مستقلًا يسبق أي ترتيبات أخرى.

وانطلاقًا من هذه القراءة، يعتبر منتقدو هذا المسار أن أي تفاهم يكرس بقاء القوات الإسرائيلية إلى حين تنفيذ شروط داخلية لبنانية، يمنح إسرائيل مكسبًا سياسيًا واستراتيجيًا بالغ الأهمية، لأنه يحول الوجود العسكري على الأرض إلى ورقة ضغط دائمة، ويؤجل استعادة السيادة إلى أجل غير معلوم. ويرى هؤلاء أن الخطورة لا تكمن في التفاصيل الإجرائية، بل في تكريس معادلة يصبح فيها الاحتلال جزءًا من عملية التفاوض، بدل أن يكون إنهاؤه نقطة البداية لأي تفاهم سياسي.

ويشير أصحاب هذا الرأي إلى أن الخلاف حول سلاح حزب الله، مهما بلغت أهميته، يبقى في جوهره شأنًا لبنانيًا داخليًا، يفترض أن يُعالج عبر حوار وطني جامع تشارك فيه الدولة والقوى السياسية المختلفة، وصولًا إلى صيغة تعزز وحدة الدولة وقدرتها على احتكار قرارها السيادي والدفاعي. أما نقل هذه القضية إلى إطار تفاوض مع إسرائيل، وفق هذا التصور، فيعني إدخال أحد أكثر الملفات الداخلية حساسية في معادلة يحدد الاحتلال سقفها وشروطها، وهو ما يراه المنتقدون مساسًا بجوهر السيادة الوطنية.

ومن هذا المنطلق، يرى أصحاب هذه القراءة أن الحكومة اللبنانية أخطأت عندما جعلت قضية استعادة الأرض مرتبطة بملف نزع السلاح، بدل أن تجعل استعادة السيادة وإنهاء أي وجود عسكري أجنبي مقدمة لأي نقاش داخلي لاحق. فالدولة، بحسب هذا المنظور، كان ينبغي أن تعمل أولًا على تثبيت حقها الكامل في أرضها وحدودها، ثم تفتح حوارًا داخليًا حول مستقبل المنظومة الدفاعية، لا أن تخلط بين الملفين بطريقة تمنح الطرف الإسرائيلي قدرة أكبر على فرض شروطه.

كما يذهب هذا الاتجاه إلى أن إسرائيل هي المستفيد الأكبر من هذه المقاربة، لأنها تحقق من خلالها أكثر من هدف في آن واحد؛ فمن جهة، تُبقي على مكاسبها الميدانية وتربط أي انسحاب بشروط إضافية، ومن جهة أخرى تنقل مركز الاهتمام الدولي من قضية الاحتلال إلى قضية سلاح المقاومة، بما يخفف الضغوط السياسية عليها ويمنحها مساحة أوسع لتثبيت الوقائع التي فرضتها القوة العسكرية.

وفي نظر أصحاب هذا التحليل، فإن ما يجري لا يمكن فصله عن رؤية إسرائيلية أوسع للأمن الإقليمي، تقوم على توسيع هوامش نفوذها وفرض ترتيبات أمنية جديدة في محيطها، مستفيدة من الانقسامات الداخلية العربية والأزمات التي تعيشها دول المنطقة. ومن ثم، فإن أي اتفاق يُقرأ بوصفه إقرارًا بالوقائع التي فرضتها القوة العسكرية، يُعد – في نظر منتقديه – خطوة تصب في خدمة هذه الرؤية، لأنها تمنح الاحتلال مكاسب سياسية لا تقل أهمية عن مكاسبه العسكرية، وتفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة وفق الشروط التي تسعى إسرائيل إلى ترسيخها.

لذلك فإن المقاربة بين الوثيقتين، في نظر أصحاب هذا التحليل، تعطينا نتيجة مفادها أن "الاتفاقية الإطارية" أعادت ترتيب الأولويات بطريقة جعلت الانسحاب الإسرائيلي مشروطًا بملف نزع سلاح حزب الله، وهو ما يعد، عمليًا، نسفًا للهدف الذي نصت عليه "مذكرة التفاهم" بشأن وقف العمليات العسكرية على لبنان وكافة الجبهات والانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان. وبذلك، لا تبدو "الوثيقتان متكاملتين" بقدر ما تعكسان مسارين متوازيين ومتعارضين، أحدهما يقوم على إنهاء المواجهة والانسحاب، والآخر يربط إنهاء الوجود الإسرائيلي بشروط أمنية وسياسية لاحقة، وهو ما يمنح إسرائيل، وفق هذه القراءة، قدرة على "إطالة أمد وجودها العسكري" وتحويله إلى "ورقة تفاوض".

ومن هذا المنطلق، يُطرح سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا جرى نزع سلاح حزب الله، فمن سيتولى عمليًا حماية الحدود الجنوبية واستعادة أي أراض لبنانية متنازع عليها أو محتلة؟ وهل تمتلك الدولة اللبنانية، في ظروفها الحالية، الوسائل السياسية والعسكرية التي تمكنها من فرض الانسحاب الإسرائيلي أو منع أي توغل جديد؟ بالنسبة إلى منتقدي الاتفاق، فإن الإجابة عن هذا السؤال هي جوهر النقاش، لأن السيادة لا تُقاس فقط باحتكار السلاح، وإنما أيضًا بالقدرة على حماية الأرض وصون الحدود.

وفي المقابل، يشير هذا الاتجاه إلى أن نشأة المقاومة المسلحة في لبنان ارتبطت تاريخيًا، في نظر مؤيديها، بظروف الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1982، باعتبارها استجابة لواقع ميداني في مقاومة الاحتلال. ومن ثم، فإن تقييم دورها ومكانتها يبقى موضع خلاف سياسي داخل لبنان، لكنه لا ينفصل، في هذه القراءة، عن السياق الذي نشأت فيه.

ولهذا يرى معارضو "اتفاقية الإطار" أن الخشية لا تتعلق فقط بمضمونها، بل بما قد تؤسس له مستقبلاً من معادلة يصبح فيها "بقاء القوات الإسرائيلية" أو استمرار نفوذها الميداني جزءًا من ترتيبات سياسية وأمنية "طويلة الأمد"، بحيث يتحول إنهاء الاحتلال "من حق سيادي غير مشروط" إلى "ورقة تفاوض" مرتبطة بملفات داخلية لبنانية.

ومن هنا يمكن فهم الغضب الذي عبّرت عنه شرائح من الرأي العام اللبناني وبعض القوى السياسية، ومواقف عربية رسمية وسياسية وشعبيه رأت في الاتفاق، وفق موقفها، مساسًا بمفهوم السيادة الوطنية، لأن أي تسوية تُبقي الاحتلال حاضرًا، أو تجعل إنهاءه مشروطًا بترتيبات داخلية، تُعد، في نظرها، تنازلًا عن أحد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدولة، وهو أن حماية الأرض واستعادتها يجب أن تسبق أي نقاش آخر، لا أن تصبح نتيجة تفاوض طويل تُحدد شروطه القوة التي فرضت الأمر الواقع.