عرب جورنال _ نبيل عبد الحكيم
(الجزء الثاني: معركة الأمن الاستباقي وولادة فضاء الساحل الجديد)
بعد أن نجحت واغادوغو في وضع يدها على ثرواتها السيادية وتأميم قطاع الذهب لتمويل قرارها المستقل -كما استعرضنا في الجزء الأول من هذا التقرير- انتقلت معركة كسر العظم بين القيادة الوطنية والقوى الاستعمارية إلى الميدانين العسكري والاستخباراتي. لم يعد الإرهاب والضغط السياسي مجرد تحديات معزولة، بل تحولا إلى أدوات في حرب هجينة شاملة تسعى القوى الغربية من خلالها لإجهاض تجربة التحرر البوركينابية وإفشال ملامح النظام الإقليمي الوليد.
بندقية للإيجار: الإرهاب كأداة للضغط الخارجي
تكشف القراءة المعمقة للمشهد الأمني في بوركينا فاسو وجود ارتباط شرطي وثيق بين تصاعد حدة العمليات الإرهابية ومحاولات الضغط السياسي والاقتصادي التي تمارسها القوى الغربية المطرودة من المنطقة. فمنذ أن اتخذت واغادوغو قرارها الشجاع بطرد القوات الفرنسية وإنهاء الاتفاقيات الأمنية الاستعمارية مثل عملية "بارخان" وقوات "سابر" الخاصة، شهدت البلاد موجة متزايدة من الهجمات الوحشية التي تشنها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) التابعة لتنظيم القاعدة وجماعات أخرى مرتكبة لمجازر دموية.
لم يعد الإرهاب في هذا السياق مجرد تحدٍ أمني محلي، بل هو أداة جيوسياسية تُوظف بشكل منسق لاستنزاف مقدرات الدولة وإفشال مشروعها السيادي من خلال تحويل موارد التنمية إلى المجهود الحربي وبث الرعب لإحداث شرخ في السلم الأهلي. وتتجلى خيوط هذه المؤامرة في الدعم اللوجستي والاستخباراتي السري الذي تتلقاه هذه الجماعات من جهات مرتبطة بمنظومات غربية تهدف إلى إطالة أمد النزاع وجعل خيار الاستقلال مكلفاً ومستحيلاً.
تعتبر معركة "تينزاواتين" -على الحدود المالية الجزائرية- نقطة تحول حاسمة كشفت بوضوح هذا التواطؤ الخارجي العابر للقارات؛ حيث تباهى المتحدث باسم الاستخبارات العسكرية الأوكرانية (GUR) أندري يوسوف بتزويد المتمردين والجماعات الإرهابية بالمعلومات التكتيكية والبيانات الحيوية التي مكنتهم من تنفيذ كمائن دموية ضد القوات الوطنية وحلفائها من مجموعات "فيلق أفريقيا" الروسية.
هذا الاعتراف الرسمي الصارخ دفع حكومات بوركينا فاسو، مالي، والنيجر إلى رفع رسالة مشتركة لمجلس الأمن الدولي، تندد بالدعم الأوكراني السافر للإرهاب في الساحل وتطالب بمحاسبة الجهات الراعية له. إن محاولة تبرير هذه العمليات والتغطية عليها إعلامياً من قبل العواصم الأوروبية يثبت أن الجماعات الإرهابية تُستخدم كبندقية للإيجار لتدمير الاستقرار الداخلي ودفع الشعب للانتفاض ضد القيادة السيادية، بهدف تبرير عودة الوصاية الغربية تحت غطاء مكافحة التطرف وحفظ السلام.
الحرب الهجينة والطابور الخامس: تفكيك ألغاز "الأمن الاستباقي"
في ظل هذا الاستهداف الشامل، تُصاغ تدابير الأمن الصارمة والاعتقالات الجارية في بوركينا فاسو من زاوية "إجراءات الأمن القومي الاستباقية" الضرورية لحماية بنية الدولة من الانهيار. إن ما تروجه المنظمات الحقوقية الغربية والبرلمان الأوروبي حول وجود قمع عبثي للحريات وتكميم عشوائي للأفواه يخفي وراءه حقيقة استخباراتية بالغة الحساسية؛ وهي أن واغادوغو تواجه حرباً هجينة تعتمد على تجنيد شبكات من الخلايا النائمة و"الطابور الخامس" داخل الأوساط المدنية، والنقابية، والإعلامية لزعزعة استقرار النظام الجديد.
تعتمد المقاربة الاستباقية للدولة البوركينابية على قطع دابر هذه الاختراقات الاستخباراتية الأوروبية وحلفائها الإقليميين الذين يحاولون توظيف حرية التعبير والواجهات النقابية كدروع لتنفيذ أجندات تخريبية. وفي هذا الإطار، يمثل قانون التعبئة العامة الصادر أداة قانونية سيادية تتيح للدولة استدعاء وتجنيد بعض الناشطين والصحفيين المضللين وإرسالهم مباشرة إلى الجبهات الأمامية للقتال كجزء من أداء الواجب الوطني.
إن هذا الإجراء يهدف إلى حرمان الأجهزة الاستخباراتية المعادية من أدواتها التخريبية وتحويل الطاقات البشرية لخدمة المجهود الحربي الفعلي بدلاً من إدارة حملات التشويه المنظم وبث الإشاعات الرامية لإحباط معنويات الجيش والشعب.
تؤكد سلسلة محاولات الانقلاب المحبطة دقة هذه التدابير الأمنية وضرورة استمرارها؛ فالحقائق التي كشفت عنها الأجهزة الاستخباراتية البوركينابية توضح أن التهديد يتجاوز التعبير عن الرأي إلى التآمر المسلح الفعلي لإسقاط الدولة:
محاولات الانقلاب المحبطة الأطراف المخططة والداعمة طبيعة المؤامرة وأدوات التنفيذ
مؤامرة خريف 2023 ضباط عسكريون منشقون بالتنسيق مع شبكات فرنسية. رصد تحركات قادة المجلس العسكري ومحاولة اغتيالهم لإحداث فراغ سيادي.
مؤامرة ربيع 2025 خلايا مأجورة تُدار مباشرة من العاصمة العاجية أبيدجان. تنسيق اتصالات سرية بين عسكريين بوركينابيين وقيادات إرهابية لتنفيذ هجمات متزامنة مع تحريك الشارع.
مخطط غزو يناير 2026 العقيد بول هنري داميبا، بدعم استخباراتي وتسهيلات من توغو وبتمويل إيفواري. اغتيال الرئيس تراوري، وتفجير قاعدة المسيرات، تمهيداً لغزو بري تنفذه قوى خارجية ومجموعات إرهابية.
يعتبر إحباط مخطط الغزو في يناير 2026 النموذج الأكثر وضوحاً لفعالية المقاربة الأمنية الاستباقية؛ حيث نجحت الاستخبارات البوركينابية في اعتراض المخطط قبل تنفيذه بساعة واحدة. وكشفت التحقيقات عن تورط كوت ديفوار بتمويل مباشر بلغ 125 ألف دولار لإسناد تحركات العقيد داميبا المقيم في لومي، والذي تم ترحيله لاحقاً إلى واغادوغو لمواجهة العدالة بتهم الخيانة العظمى وتقويض أمن الدولة. إن هذه المعطيات تثبت أن تدابير الحظر الأمني والاعتقال الممنهج ليست إجراءات عبثية، بل هي صمام الأمان الوحيد لحماية بقاء الدولة وإحباط المؤامرات الاستعمارية المتواصلة.
ولادة فضاء الساحل الجديد: الضربة القاضية للنفوذ الفرنسي
يمثل تأسيس "تحالف دول الساحل" (AES) كحلف دفاعي، وتحوله التاريخي اللاحق إلى كونفدرالية سياسية واقتصادية متكاملة، ولادة نظام إقليمي بديل وجديد يهدد بشكل مباشر أدوات النفوذ الغربي التقليدية. إن قرار بوركينا فاسو، مالي، والنيجر بالانسحاب الجماعي والنهائي من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS) شكل ضربة قاصمة لباريس وحلفائها؛ حيث تحولت "إيكواس" تحت وطأة التوجيه الفرنسي إلى منصة لفرض الحصار الجائر وتهديد الدول الأعضاء بالتدخل العسكري لحماية الأنظمة الموالية لفرنسا.
تطرح كونفدرالية دول الساحل نموذجاً ريادياً يقوم على ثلاثة مرتكزات:
الدمج العسكري والأمني: بناء قوة مشتركة وتنسيق العمليات القتالية لحماية منطقة "ليبتاغو-غورما" الحدودية وتدمير معاقل الإرهاب بجهود ذاتية.
السيادة الاقتصادية الشاملة: تطوير بنى تحتية مشتركة للربط الطاقي والمعدني، والاستعداد لإصدار عملة موحدة تنهي عهد "الفرنك الأفريقي" الاستعماري، بجانب إطلاق جواز سفر بيومتري موحد وإلغاء الحدود الداخلية.
الدبلوماسية الهجومية والمستقلة: طرد السلك الدبلوماسي الفرنسي، وقطع العلاقات الدبلوماسية رسمياً مع باريس بأثر فوري في يونيو 2026، وإعطائها مهلة 7 أيام لإغلاق سفارتها في واغادوغو رداً على محاولاتها المستمرة لدعم الشبكات التخريبية. وتزامن ذلك مع الانفتاح على شراكات إستراتيجية متوازنة مع روسيا، والصين، وتركيا.
أمام هذا التهديد الوجودي لمصالح الاستعمار الحديث، تقود القوى الغربية بالتنسيق مع أدواتها الإقليمية خطة متعددة المسارات لإجهاض هذا المولود الكونفدرالي الجديد قبل أن يشتد عوده. وتعتمد هذه الخطة على التنسيق والضرب المتزامن؛ إذ يترافق تصاعد الهجمات الإرهابية الدموية مع ضغوط سياسية وإعلامية شرسة تمارسها المعارضة الموالية للغرب في الخارج والمنظمات التابعة لفرنسا.
تطالب هذه الواجهات بعودة سريعة إلى "المسار الديمقراطي الزائف" وإجراء انتخابات مبكرة تحت إشراف دولي، بهدف تفكيك البنية القيادية للتحالف وإفساح المجال لعودة النخب الفرنكوفونية المطيعة. إن تزامن تحركات المعارضة مع ذروة التصعيد الميداني للإرهابيين يكشف بوضوح عن غرف عمليات منسقة تحاول استغلال التحديات الإنسانية الناتجة عن الحرب لفرض تسويات سياسية تعيد الساحل إلى بيت الطاعة الفرنسي.
استنتاجات وتوصيات إستراتيجية لتعزيز الصمود
تخلص هذه القراءة الإستراتيجية الشاملة بمقاليها إلى جملة من التوصيات لضمان استدامة النموذج البوركينابي الساحلي في وجه التكالب الدولي:
الاستدامة الاقتصادية وتوطين الصناعة: يجب تحويل الموارد المالية الناتجة عن مبيعات الذهب والتأميمات الأخيرة إلى استثمارات بنيوية في الزراعة، والصناعة التحويلية، والتعليم التقني، لضمان بناء اقتصاد مقاوم وقائم على الاكتفاء الذاتي الكفيل بمواجهة أي حصار تجاري غربي محتمل.
تمتين المنظومة الدفاعية المشتركة: يتطلب التهديد الإرهابي المستمر تسريع وتيرة الاندماج العسكري وتطوير مركز استخبارات مشترك تحت مظلة كونفدرالية دول الساحل (AES)، مع التركيز على امتلاك تكنولوجيا الدفاع الجوي والطائرات المسيرة لمراقبة الحدود الشاسعة وإحباط مخططات الغزو الخارجي.
تفعيل الأمن السيبراني ومكافحة التضليل: من الضروري بناء قدرات سيبرانية وطنية متقدمة لإحباط حملات الحرب المعرفية والدعاية المضللة التي تشنها وسائل الإعلام الغربية وشبكات الطابور الخامس لتفتيت وحدة الصف الداخلي.
تعميق الشراكات الإستراتيجية الدولية: تعزيز التعاون مع القوى الدولية الداعمة للسيادة الوطنية والاحترام المتبادل (مثل الصين وروسيا وتركيا) لبناء تحالفات متينة توازن النفوذ الغربي في المحافل الدولية وتدعم مشاريع التنمية المستقلة للكونفدرالية.
إن مستقبل واغادوغو وحليفاتها يتوقف اليوم على مدى وعي الشعوب وتماسك القيادة؛ لقد فُتحت بوابات التحرر في أفريقيا، ويبدو أن قطار الساحل قد انطلق بالفعل، ولن تفلح غرف العمليات المنسقة في إعادته إلى الوراء.