عرب جورنال _ كامل المعمري
تدخل الحرب الروسية الأوكرانية طورًا أكثر تعقيدًا، بعدما تحولت منشآت الطاقة الروسية إلى ساحة استنزاف مفتوحة، لا تقل أهمية عن خطوط التماس في دونيتسك وخاركيف.
فالهجمات الأوكرانية المتكررة بالطائرات المسيّرة على المصافي والمستودعات النفطية بدأت تترك أثرًا مباشرًا على الحياة اليومية داخل روسيا، حيث تصطف السيارات أمام محطات الوقود، وتفرض السلطات قيودًا على البيع، وتتحرك موسكو لاحتواء أزمة آخذة في الاتساع داخل دولة تعد من أكبر منتجي الطاقة في العالم.
وتزامنت هذه الأزمة مع تصعيد عسكري متبادل. فقد ضربت أوكرانيا منشآت نفطية وعسكرية قرب سان بطرسبورغ، في واحدة من أعمق العمليات الأوكرانية داخل الأراضي الروسية، بينما أعلنت سلطات روسية إسقاط عشرات المسيّرات في منطقة لينينغراد، وتحدثت كييف عن استهداف بنى تحتية تمول المجهود الحربي الروسي.
وفي المقابل، واصلت موسكو ضرباتها الكثيفة على المدن الأوكرانية، إذ شهدت كييف واحدة من أعنف الهجمات هذا العام، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 30 شخصًا وإصابة العشرات، في مشهد يعكس انتقال الحرب إلى معادلة ضغط متبادل: روسيا تضرب المدن والبنية التحتية الأوكرانية، وأوكرانيا تضرب الطاقة والوقود داخل روسيا.
الأزمة داخل روسيا تبدو أعمق من مجرد نقص عابر في الإمدادات.
تقارير ميدانية تحدثت عن قيود في معظم المناطق، وطوابير طويلة أمام المحطات، وارتفاعات حادة في أسعار البنزين، خصوصًا في المناطق المتضررة مثل القرم والمناطق الجنوبية والشرقية. ووفق رويترز، بدأ السائقون يتبادلون خرائط ونصائح عبر الإنترنت لمعرفة المحطات التي لا تزال تملك وقودًا، في حين ارتفعت أسعار البنزين في سيفاستوبول بنسبة 30% خلال أسبوع واحد، ووصلت الأسعار في بعض المحطات المتأثرة إلى مستويات أعلى بكثير من المتوسط الوطني.
وتحاول السلطات الروسية إظهار أن الوضع تحت السيطرة، لكن الإجراءات المتخذة تكشف حجم الضغط. فقد أقر الرئيس فلاديمير بوتين بوجود مشكلات في الإمدادات، ودعا إلى تقليل آثار الهجمات الأوكرانية على منشآت النفط، كما شدد على ضرورة تأمين الوقود للقطاع الزراعي لأن موسم الحصاد يعتمد عليه.
وبدأت موسكو تدرس حظرًا كاملًا على صادرات الديزل، إلى جانب استخدام المخزونات، وتسريع إصلاح المصافي المتضررة، وتعديل القواعد الضريبية، والسماح مؤقتًا بإنتاج وقود بمعايير أقل جودة لتخفيف الضغط على السوق الداخلية.
الأكثر حساسية بالنسبة لموسكو أن الأزمة لا تضرب قطاع النقل فقط، بل تقترب من موسمي الزراعة والسياحة، وهما موسمان يرفعان الطلب على الوقود في الصيف. ففي “حزام الحبوب” الروسي، يخشى مزارعون من تعثر عمليات الحصاد بسبب نقص الديزل وارتفاع كلفته، بينما قالت رويترز إن بعض الخدمات المحلية في مناطق بعيدة عن جبهات القتال بدأت تتأثر، بما في ذلك تقليص خطوط حافلات وتعطل خدمات مرتبطة بالنقل. أما في منتجعات البحر الأسود، فقد استُدعي متطوعون وقوزاق لتنظيم الطوابير أمام محطات الوقود في أنابا، في مؤشر على خشية السلطات من تحول الغضب الشعبي إلى اضطرابات محلية.
وتحمل الأزمة مفارقة سياسية واقتصادية لافتة. فروسيا، التي بنت جانبًا كبيرًا من قوتها الجيوسياسية على صادرات النفط والغاز، وجدت نفسها مضطرة إلى استيراد البنزين بحرًا من الهند، والبحث عن إمدادات من بيلاروسيا ودول أخرى لتغطية النقص الداخلي.
وتقول رويترز إن ما لا يقل عن 60 ألف طن من البنزين شُحنت من الهند إلى روسيا، بينما تبحث موسكو استيراد ما يصل إلى 400 ألف طن شهريًا من دول مختلفة، في محاولة لمنع أزمة الوقود من التحول إلى أزمة ثقة أوسع داخل المجتمع الروسي.
وترى كييف في هذه الضربات وسيلة لإيصال كلفة الحرب إلى الداخل الروسي، بعدما ظلت المدن الأوكرانية لسنوات هدفًا لضربات روسية متكررة على الكهرباء والمياه والتدفئة والمنشآت المدنية. وتشير تقديرات نشرتها وكالة أسوشيتد برس إلى أن أوكرانيا نفذت منذ مارس أكثر من 50 هجومًا على مصافٍ ومستودعات ومحطات طاقة روسية، وأن معالجة روسيا للنفط الخام في يونيو تراجعت بنسبة 25% مقارنة بالعام السابق، بينما انخفض إنتاج البنزين بنحو 17%. كما قدّر محللون أن نحو ثلث قدرة التكرير الروسية بات خارج الخدمة، مع صعوبة إصلاح المعدات المتضررة بسبب العقوبات والحاجة إلى قطع غيار متخصصة.
وفي الخلفية السياسية، تتحرك الاتصالات الدبلوماسية ببطء وسط تصعيد ميداني متواصل. فقد تحدث الرئيسان الروسي والأوكراني بشكل منفصل مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الحرب، بينما تمسكت موسكو بخطابها حول التقدم الميداني، بما في ذلك إعلانها السيطرة على كوستيانتينيفكا، وهو ما نفته كييف مؤكدة أن المدينة لا تزال تحت سيطرتها.
وتقول أوكرانيا إن الضربات البعيدة تمنحها ورقة ضغط جديدة في لحظة تسعى فيها روسيا إلى فرض وقائع على الأرض، فيما تراهن موسكو على أن القصف المكثف والمدى الطويل للحرب سيضعفان قدرة كييف وحلفائها على الاستمرار.
بهذا المعنى، لا تبدو أزمة الوقود الروسية تفصيلًا اقتصاديًا منفصلًا عن الحرب، وانما جزءًا من تحول أوسع في طبيعة الصراع. فالحرب التي بدأت كغزو بري واسع، ثم تحولت إلى حرب مدفعية واستنزاف على جبهة طويلة، تدخل الآن مرحلة تضرب فيها المسيّرات عمق الاقتصاد واللوجستيات والطاقة.
وإذا استمرت أوكرانيا في تعطيل المصافي، واستمرت روسيا في قصف المدن والبنية التحتية الأوكرانية، فإن الصيف الحالي قد يصبح اختبارًا مزدوجًا: قدرة موسكو على حماية سوقها الداخلية وموسم حصادها وسياحتها، وقدرة كييف على تحويل الضغط الاقتصادي داخل روسيا إلى ورقة سياسية في حرب لم يعد طرفاها يملكان ترف التراجع السريع.