يوليو 5, 2026 - 00:04
الصين تختبر 6G.. وواشنطن تترقب سباق السيطرة على أعصاب العالم الرقمي

عرب جورنال _ كامل المعمري

بدأت الصين اختبار تقنيات الجيل السادس 6G في خطوة غير مسبوقة تعكس طموحات الصين التكنولوجية المتسارعة، وتكشف في الوقت نفسه أن السباق العالمي على الاتصالات لم يعد مجرد منافسة على سرعة الإنترنت، وانما معركة مبكرة على البنية العصبية للعالم الرقمي القادم.

ففي وقت لا تزال فيه دول كثيرة تستكمل نشر شبكات الجيل الخامس، منحت وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية تصريحًا لاستخدام نطاق 6 غيغاهرتز في تجارب ميدانية للجيل السادس، عبر مجموعة IMT-2030 المعنية بتطوير هذه التقنية، في مناطق مختارة داخل الصين. والهدف المعلن هو تسريع البحث والاختبار والتحقق الفني تمهيدًا للانتقال لاحقًا إلى مرحلة المعايير والتصنيع والنشر التجاري.

لا تبدو الخطوة الصينية حدثًا تقنيًا فالجيل السادس لا يُقدَّم بوصفه نسخة أسرع من الجيل الخامس فحسب، بل بوصفه شبكة مختلفة في طبيعتها ووظيفتها.

فإذا كانت 5G قد وسّعت قدرة الهواتف والمصانع والأجهزة المتصلة على تبادل البيانات، فإن 6G يطمح إلى دمج الاتصال بالذكاء الاصطناعي والاستشعار والروبوتات والتغطية الأرضية والجوية والبحرية والفضائية في منظومة واحدة. 

الاتحاد الدولي للاتصالات يضع 6G ضمن إطار IMT-2030، ويشير إلى سيناريوهات تشمل الاتصال الغامر، والاتصال فائق الاعتمادية ومنخفض التأخير، والاتصال الكثيف بين الأجهزة، ودمج الذكاء الاصطناعي داخل الشبكات، والجمع بين الاتصال والاستشعار في نظام واحد.

ولكي تبدو الصورة أوضح، يكفي أن نتخيل مدينة كبيرة تعمل على شبكة جيل سادس. في الشوارع، لا تتحرك السيارة ذاتية القيادة اعتمادًا على كاميراتها وحساساتها وحدها، وانما تصبح الطريق نفسها جزءًا من نظام القيادة. إشارات المرور، والكاميرات، والمركبات الأخرى، والطائرات المسيّرة، وحتى أجهزة الاستشعار المثبتة على الجسور والأنفاق، كلها تتبادل البيانات في لحظات شبه فورية.

فإذا خرج طفل فجأة من خلف حافلة، لا تنتظر السيارة أن تراه مباشرة، يمكن أن يصلها التحذير من كاميرا قريبة أو من سيارة أخرى قبل أن يظهر في مجال رؤيتها. هنا تكون الشبكة طبقة أمان حية تحيط بالمدينة.

وفي الاستخدام اليومي، قد تبدو القفزة أكثر إثارة. تشير متطلبات IMT-2030 إلى أن السرعات الذروية النظرية للجيل السادس قد تصل إلى نطاق يتراوح بين 50 و200 غيغابت في الثانية، بحسب السيناريو والبيئة التقنية. وبحساب بسيط، فإن ملفًا بحجم 100 غيغابايت، مثل فيلم فائق الدقة أو حزمة بيانات طبية ضخمة أو نموذج ذكاء اصطناعي صغير، يمكن تنزيله نظريًا خلال نحو 16 ثانية عند سرعة 50 غيغابت في الثانية، أو خلال نحو 4 ثوان فقط عند سرعة 200 غيغابت في الثانية. هذه أرقام نظرية لا تعني أن كل مستخدم سيحصل عليها في كل مكان، لكنها تكشف حجم القفزة التي يجري التحضير لها: الانتقال من شبكة تخدم الهاتف، إلى شبكة تخدم الإنسان والآلة والمدينة والذكاء الاصطناعي معًا.

في المستشفيات، قد يعني ذلك نقل صور طبية ثلاثية الأبعاد عالية الدقة من سيارة إسعاف إلى غرفة عمليات قبل وصول المريض. 

وفي المصانع، قد يسمح بتشغيل آلاف الروبوتات الصناعية كأنها جسد واحد، ينسق حركته لحظة بلحظة. وفي الموانئ، يمكن للرافعات والسفن والحاويات والمركبات غير المأهولة أن تعمل ضمن شبكة ذكية تقلل زمن الانتظار والأخطاء البشرية. 

وفي الزراعة، تستطيع الطائرات المسيّرة والحساسات الأرضية مراقبة الرطوبة والحرارة والآفات وتوجيه الري والتسميد بدقة متناهية.

لذلك لا تسأل الدول الكبرى عن سرعة التحميل وحدها، بل عن سؤال أكبر: من سيمتلك الشبكة التي ستدير الاقتصاد الذكي؟

من هنا يبدأ قلق واشنطن. فالولايات المتحدة لا تنظر إلى 6G كخدمة تجارية عادية، ولا كترف تقني يخص شركات الهواتف، وانما كملف أمن قومي.

وقد صدرت في ديسمبر/كانون الأول 2025 مذكرة رئاسية أميركية بعنوان “الفوز بسباق 6G”، اعتبرت أن القيادة في الجيل السادس ضرورية للأمن القومي والسياسة الخارجية والازدهار الاقتصادي، وربطت التقنية مباشرة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات والتقنيات القابلة للزرع والشبكات الآمنة والمرنة.

هذا القلق الأميركي مفهوم من زاوية التجربة السابقة مع الجيل الخامس. فقد دخلت واشنطن معركة واسعة ضد تمدد شركات صينية، وفي مقدمتها هواوي، في البنية التحتية العالمية للاتصالات، بحجة المخاوف الأمنية والسيادة الرقمية. 

أما في الجيل السادس، فإن الرهان سيكون أكبر؛ لأن الشبكات المقبلة ستتصل بالموانئ والمطارات والمستشفيات وشبكات الطاقة والمركبات الذاتية والأنظمة الصناعية والذكاء الاصطناعي. ومن يملك المعايير وبراءات الاختراع والمعدات وسلاسل الإمداد، سيمتلك نفوذًا يتجاوز السوق إلى السياسة والأمن.

تدرك الصين هذه المعادلة جيدًا. لذلك تتحرك مبكرًا قبل أن تكتمل قواعد اللعبة. فتجارب نطاق 6 غيغاهرتز لا تعني أن 6G أصبح جاهزًا للمستخدمين، لكنها تمنح بكين فرصة ثمينة لاختبار التقنية، وبناء خبرة صناعية، وتجهيز شركاتها ومراكزها البحثية للدخول بقوة إلى لجان المعايير الدولية.

وفي عالم الاتصالات، لا تُحسم المعركة عند لحظة بيع الهاتف للمستهلك،وانما قبل ذلك بسنوات، داخل المختبرات، وشركات المعدات، وبراءات الاختراع، وهيئات التقييس العالمية.

أما موعد الإطلاق، فلا يزال مرتبطًا بمسار المعايير الدولية. فالتقنية الآن في مرحلة البحث والتجريب، وليست خدمة تجارية متاحة على نطاق واسع. وتشير أحدث مسارات التقييس إلى أن أول مواصفات 6G ضمن 3GPP ستكون متاحة في أوائل عام 2029، على أن تبدأ الأنظمة التجارية الأولى في الأسواق حول عام 2030، إذا سارت التجارب والمعايير وسلاسل التصنيع وفق الجدول المتوقع.

وبينما تحاول الصين أن تثبت أنها لم تعد مستهلكًا للتكنولوجيا الغربية بل صانعًا لقواعدها المقبلة، تتحرك الولايات المتحدة لمنع تكرار ما تعتبره اختلالًا استراتيجيًا حدث في سباق 5G. 

أما أوروبا فتقف بين القوتين، حريصة على ألا تقع تحت هيمنة صينية، ولا أن تتحول بالكامل إلى تابع تكنولوجي للولايات المتحدة، ولذلك تركز على المعايير المفتوحة، وتعدد الموردين، وتقليل الاعتماد على طرف واحد في البنية التحتية الحساسة.

وفي حال نجحت الصين في امتلاك هذه التقنية مبكرًا وتحويلها إلى منظومة تجارية قابلة للتصدير، فإن ذلك سيعزز نفوذها وقدراتها على أكثر من مستوى. فالأمر سيمتد إلى امتلاك بنية تحتية يمكن أن تعتمد عليها مدن ذكية وموانئ ومصانع وشبكات نقل وطاقة في دول كثيرة.

وبذلك ستصبح بكين أكثر قدرة على تصدير معاييرها ومعداتها ومنصاتها الرقمية، خصوصًا إلى الدول النامية التي تبحث عن حلول تقنية جاهزة وسريعة. وهذا يعني أن الجيل السادس قد يمنح الصين نفوذًا ناعمًا وصلبًا في آن واحد: نفوذًا اقتصاديًا عبر الشركات والعقود وبراءات الاختراع، ونفوذًا استراتيجيًا عبر البنية التحتية التي ستدير البيانات والحركة الصناعية والخدمات الحيوية في المستقبل.

في جوهره، لا يدور سباق الجيل السادس حول تحميل فيلم في ثوان، رغم أن ذلك سيكون من أكثر صوره جذبًا للمستخدم العادي. السباق الحقيقي يدور حول من سيكتب لغة الشبكات القادمة، ومن سيملك مفاتيح المدن الذكية، ومن سيبيع المعدات، ومن سيحمي البيانات، ومن سيقود الاقتصاد الذي ستعمل فيه السيارات والروبوتات والطائرات المسيّرة والمستشفيات والمصانع تحت سقف رقمي واحد، وما بدأته الصين اليوم كتجارب تقنية محدودة، قد يتحول خلال سنوات قليلة إلى معركة عالمية على شكل المستقبل نفسه.