يوليو 5, 2026 - 00:01
مبدأ مونرو في القرن الحادي و العشرين، لماذا تصر واشنطن على خنق هافانا؟

عرب جورنال _ نبيل عبد الحكيم 

لم تكن كوبا يوماً مجرد جزيرة في البحر الكاريبي بالنسبة لصناع القرار في واشنطن، بل كانت دائماً العقدة الجيوسياسية التي تقلق مضجع الإمبراطورية في نصف الكرة الغربي. منذ عام 1823، حين صاغ الرئيس الأمريكي جيمس مونرو عقيدته الشهيرة، جرى التعامل مع أمريكا اللاتينية كـ "حديقة خلفية" حصرية للولايات المتحدة، لا يُسمح فيها بظهور أي صوت مغاير أو نفوذ دولي منافس.

واليوم، وبعد مرور أكثر من قرنين، ورغم غياب القيادات التاريخية للحزب الاشتراكي الكوبي، وانخراط الجزيرة في مسار الدستور الجديد والانفتاح الاقتصادي والتجاري، لا تزال واشنطن متمسكة بإرث "مبدأ مونرو" وعقلية الهيمنة. إن استمرار الحصار الخانق والتهديدات المتلاحقة لا ينمّان عن مخاوف أمنية مشروعة من "تهديد كوبي" مزعوم أثبت الواقع بطلانه، بل يعكسان رغبة استعمارية متجددة لاستعادة السيطرة الكاملة على نصف الكرة الأرضية، وإخضاع شعب تجرأ على اختيار مساره السيادي المستقل.

هذا التحليل الصحفي الاستقصائي المدعوم بالحقائق التاريخية والبيانات الميدانية، يفكك أبعاد الاستراتيجية الأمريكية المعاصرة تجاه هافانا عبر أربعة محاور تفصيلية معززة بالأرقام والأدلة:

المحور الأول: "مبدأ مونرو" والجذور التاريخية للشهية الأمريكية

تضرب الجذور التاريخية للأطماع الأمريكية في كوبا إلى بدايات القرن التاسع عشر، وتحديداً مع إعلان "مبدأ مونرو" عام 1823. في الأصل، صيغ هذا المبدأ كخط دفاعي لمنع القوى الاستعمارية الأوروبية القديمة من استعادة موطئ قدم لها في النصف الغربي من الكرة الأرضية، إلا أنه تحول بمرور العقود وبشكل تدريجي إلى "صك ملكية" إمبراطوري يمنح واشنطن تفويضاً مطلقاً للتحكم في مصائر شعوب القارة وجغرافيتها.

لقد كانت نظرة الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين إلى كوبا محكومة دائماً بنظرة "الاستحواذ" والضم الجيوسياسي؛ حيث اعتبر منظرو السياسة الخارجية الأمريكية أن القرب الجغرافي اللصيق للجزيرة من السواحل الجنوبية للولايات المتحدة يلغي سيادتها الوطنية تلقائياً، ويمنح واشنطن حقاً حصرياً وطبيعياً في تحديد طبيعة نظامها السياسي، وتوجهاتها الاقتصادية، وحتى تحالفاتها الدولية.

هذا الإرث الكولونيالي العتيق جعل من استقلال كوبا الفعلي تحدياً مباشراً لعقيدة التوسع الأمريكية، وحوّل الجزيرة الصغيرة إلى ساحة مواجهة دائمة لإثبات أن السيادة في هذه المنطقة لا تجوز إلا لمن تضعه واشنطن في سدة الحكم.

المحور الثاني: تصريحات الهيمنة الحديثة وبحث واشنطن عن "نصف الكرة الأرضية"

عند الانتقال من التاريخ إلى الحاضر السياسي المعاصر، نجد أن العقلية الإمبراطورية العميقة التي شكلت الحرب الباردة لا تزال هي المحرك الأساسي لأجهزة صناعة القرار في الولايات المتحدة. تتبدى هذه الحقيقة بوضوح عند تحليل التصريحات الصادرة علانية عن كبار المسؤولين في الإدارات الأمريكية المتعاقبة وقادة البنتاغون (وزارة الدفاع)؛ إذ لا يخجل هؤلاء المسؤولون من استخدام أدبيات القرن التاسع عشر، متحدثين بصلف عن ضرورة "استعادة نفوذ واشنطن المطلق في نصف الكرة الغربي" وحماية ما يسمونه الأمن الإقليمي من الاختراقات الخارجية.

تكشف هذه التصريحات الرسمية المستمرة أن واشنطن لا ترى في كوبا دولة ذات سيادة مستقلة بموجب القانون الدولي، بل تتعامل مع أي تقارب دبلوماسي، اقتصادي، أو تجاري تعقده هافانا مع قوى دولية صاعدة كالصين أو روسيا على أنه خرق جسيم للخطوط الحمراء الأمريكية ومهدد مباشر لهيمنتها الأحادية. وبدلاً من الاعتراف بحق كوبا الطبيعي في البحث عن خيارات للنجاة الاقتصادية وتوسيع شراكاتها الدولية لكسر وطأة الحصار، يُنظر إلى هذه العلاقات السيادية كعمل عدائي يتطلب تشديد العقوبات وتكثيف الضغوط السياسية والعسكرية لمصادرة الإرادة الوطنية الكوبية.

المحور الثالث: بطلان المبررات الأمريكية وغياب "التهديد الكوبي"

تحت مجهر التحليل البنيوي الرصين، تتفكك الرواية الرسمية التي تسوقها واشنطن لتبرير حصارها، وتظهر الحجج المتعلقة بـ "دعم الإرهاب الدولي" أو "المهددات الأمنية الوشيكة" كذرائع واهية لا تصمد أمام حقائق الواقع المعاصر. إن كوبا اليوم تشهد تحولات داخلية جوهرية تدحض كل هذه الادعاءات؛ فقد غاب الجيل التاريخي لقادة الثورة الكوبية عن المشهد السياسي، وانتهجت البلاد مساراً مؤسسياً جديداً يقوم على صياغة ديمقراطية محلية عبر استفتاءات دستورية شعبية واسعة النطاق، إلى جانب فتح الباب جزئياً للاستثمارات الأجنبية المباشرة والتجارة الحرة وتطوير القطاع الخاص.

كوبا في القرن الحادي والعشرين لا تصدر العقائد العسكرية أو الثورات المسلحة العابرة للحدود، بل تحولت إلى نموذج دولي فريد في تصدير الدبلوماسية الإنسانية. وتتجلى هذه الحقيقة في "جيوش الأطباء" الكوبيين؛ حيث أرسلت هافانا أكثر من 57 ألف كادر طبي إلى ما يقارب 40 دولة حول العالم لمواجهة الأزمات الصحية الطارئة وجائحة كورونا. هذا الدور التنموي السلمي يبطل تماماً أي مبرر قانوني أو أخلاقي لاستمرار الحصار الاقتصادي، ويكشف أن المعاقبة المستمرة لهافانا ليست بسبب ما تفعله، بل بسبب ما تمثله كرمز للرفض التاريخي للهيمنة القسرية.

المحور الرابع: الحصار كأداة استعمارية لتركيع الشعوب

يمثل الحظر الشامل المفروض على كوبا تجسيداً حياً لـ "ديمقراطية الحصار" الزائفة، حيث يُساق كأداة استعمارية هجينة تهدف بالدرجة الأولى إلى تركيع الشعب الكوبي عبر العقاب الجماعي. إن هذا الحصار يترجم اليوم إلى أرقام صادمة؛ إذ تشير التقارير الاقتصادية الموثقة إلى أن الحصار يكبد كوبا خسائر سنوية تتجاوز 4.8 مليار دولار، وتتضاعف هذه المعاناة مع المنع الصارم لوصول قطع الغيار الأساسية لمحطات توليد الطاقة الكهربائية المتهالكة، مما أدخل البلاد في موجات شلل تام للشبكة الكهربائية وانقطاعات يومية خانقة يدفع ثمنها المواطن البسيط في تفاصيل حياته المعيشية والأدوية والأغذية.

إن تشديد العقوبات المالية، والضغط الشرس على المصارف الدولية لقطع المعاملات مع هافانا، وتفعيل الباب الثالث من قانون (هيلز-بريتون) الصارم، كلها إجراءات مصممة بعناية لمنع أي قوة عالمية حديثة من مد يد العون أو المساهمة الفعالة في النهوض بالاقتصاد الكوبي. والهدف الحقيقي لواشنطن هو جعل تكلفة الاستقلال السيادي عن الإمبراطورية باهظة جداً، عبر خلق أزمة إنسانية لدفع الشارع نحو الانفجار والفوضى الداخلية؛ وهو أسلوب استعماري تقليدي لا يمت بصلة لنشر قيم الحرية، بل هو آلية قمعية لإخضاع الدول التي ترفض أن تكون مجرد أتباع.

إن ما تواجهه كوبا اليوم ليس نزاعاً ديبلوماسياً عابراً أو خلافاً حول معايير الديمقراطية، بل هو مواجهة مستمرة بين منطق السيادة الوطنية ومنطق الهيمنة الاستعمارية. يثبت استمرار الحصار الأمريكي، رغم كل التحولات والانفتاح الذي شهدته هافانا، أن العقلية السياسية في واشنطن ما زالت أسيرة القرن التاسع عشر وأوهام "مبدأ مونرو".

إن هذا التصلب الإمبراطوري يعيش عزلة دولية مطلقة؛ وتؤكده نتائج التصويت السنوي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تقف الولايات المتحدة معزولة برفقة حليفتها "إسرائيل" فقط أمام إجماع عالمي ساحق يطالب برفع الحصار فوراً عن الجزيرة. إن كسر هذه الحلقة المفرغة لا يتطلب فقط صمود الشعب الكوبي وإصلاحاته الداخلية، بل يتطلب وقفة دولية حازمة من القوى الصاعدة لكسر الأحادية الأمريكية، والتأكيد على أن زمن "الحدائق الخلفية" قد ولى، وأن من حق هافانا أن تتنفس حرية وتنمية بعيداً عن إملاءات الجار الشمالي.