عرب جورنال _ توفيق سلَّام
ما يجري في لبنان وغزة لا يبدو مجرد تفاهمات أمنية عابرة، بل يعكس تحولًا في طبيعة الصراع، حيث تنتقل الأولوية من إنهاء الاحتلال إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن والسيادة وفق شروط تفرضها منطق الهيمنة والنفوذ. وفي هذا السياق، تنظر إسرائيل إلى أي اتفاق يكرس واقعًا ميدانيًا جديدًا باعتباره إنجازًا استراتيجيًا، يمنح ما "تحقق بالقوة" غطاءً سياسيًا ويحوّل الوقائع العسكرية إلى حقائق قابلة للاستمرار.
في هذا الإطار، يُنظر إلى توقيع الحكومة اللبنانية على "اتفاقية الإطار" في واشنطن، وفق هذا الطرح، باعتباره خطوة تمنح شرعية سياسية لبقاء إسرائيل في المناطق التي تقدمت إليها جنوب نهر الليطاني، وهو ما يفسر الاحتفاء الإسرائيلي بهذه الخطوة وتقديمها للرأي العام الداخلي باعتبارها نجاحًا سياسيًا وأمنيًا يضاف إلى رصيد حكومة بنيامين نتنياهو، التي تواجه أزمات داخلية متلاحقة. فتل أبيب تعرض الأمر على أنه انتقال من مرحلة الدفاع عن الحدود إلى فرض ترتيبات أمنية تمنحها عمقًا استراتيجيًا طويل الأمد.
وتزداد الصورة تعقيدًا عندما يصبح الانسحاب الإسرائيلي مشروطًا بتسليم حزب الله سلاحه، بحيث يتحول تنفيذ الالتزامات المرتبطة بالسيادة اللبنانية إلى نتيجة مرتبطة أولًا بتغيير موازين القوة الداخلية. وبالتوازي مع ذلك، يتكرر المنطق ذاته في غزة، حيث تُربط إعادة الإعمار بتسليم سلاح حركة حماس، بما يوحي بأن القضية لم تعد مقتصرة على وقف الحرب أو إعادة البناء، وإنما تتعلق بإعادة تشكيل البيئة السياسية والعسكرية في كل من لبنان وغزة على نحو ينهي وجود قوى المقاومة المسلحة.
ومن هذا المنظور، يرى أصحاب هذا التحليل أن الضامن الرئيس لهذه الترتيبات هو الولايات المتحدة، رغم أن منتقدين يشيرون إلى أن سجل الاتفاقات السابقة، بما فيها تفاهمات عام 2024 واتفاقات سابقة منذ عام 1982، يثير تساؤلات حول مدى استدامة الضمانات الأمريكية وإلزاميتها عند تغير الظروف السياسية والميدانية.
وبناءً على هذه القراءة، فإن جوهر النقاش لا يتعلق بترتيبات أمنية مؤقتة، بل "بمقايضة" بين استعادة جزء من الاستقرار وبين إعادة صياغة معادلة السيادة نفسها. ويذهب منتقدو هذه المسارات إلى أن الخشية تكمن في أن تتحول التنازلات المرحلية إلى واقع دائم، بحيث يصبح ما فُرض بالقوة العسكرية أساسًا لترتيبات سياسية طويلة الأمد، ويُعاد تعريف الأمن الإقليمي وفق الرؤية الإسرائيلية، بينما تتراجع الأولوية الممنوحة لمفهوم السيادة الوطنية الكاملة.
ولا تقف تداعيات هذه الترتيبات عند حدود الداخل اللبناني، بل تمتد إلى المشهد العربي الأوسع، حيث ينظر كثير من المراقبين إلى ما جرى باعتباره تطورًا يثير تساؤلات عميقة حول مفهوم السيادة في مرحلة أصبحت فيها موازين القوة الميدانية هي التي تحدد سقف التفاوض السياسي. ومن هذا المنظور، لا يُقرأ الاتفاق باعتباره مجرد إجراء لتنظيم الوضع الأمني، وإنما باعتباره اعترافًا ضمنيًا بواقع فرضته القوة العسكرية، الأمر الذي يمنح إسرائيل، في نظر منتقدي هذه المقاربة، مكسبًا سياسيًا يتجاوز المكسب العسكري نفسه.
وتستند هذه القراءة أيضًا إلى أن أي صيغة تبقي الانسحاب الإسرائيلي مشروطًا بملفات أخرى، وفي مقدمتها سلاح حزب الله، تعني عمليًا نقل الأولوية من إنهاء الاحتلال إلى إعادة ترتيب الداخل اللبناني. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تصبح استعادة الأرض والسيادة رهينة لمعالجة قضية داخلية، بينما يفترض أن يكون الانسحاب من الأراضي المحتلة التزامًا مستقلاً لا يخضع للمساومة؟ ويذهب منتقدو هذا المسار إلى أن حصر النقاش في مسألة السلاح، مع استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي، يؤدي إلى قلب ترتيب الأولويات، بحيث تصبح السيادة نتيجة لاحقة وليست أصلًا سابقًا.
وفي هذا السياق، يرى أصحاب هذا التحليل أن ربط أي تفاهمات إقليمية بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية وانسحاب القوات من الأراضي اللبنانية يفقد قيمته السياسية إذا استمر الواقع الميداني على حاله. ومن ثم، فإن استمرار الضربات أو بقاء القوات الإسرائيلية، وفق هذه القراءة، لا يُفسَّر باعتباره مجرد تأخير في تنفيذ الالتزامات، بل باعتباره وسيلة للإبقاء على معادلة أمنية جديدة تمنح إسرائيل هامشًا أوسع لترسيخ نفوذها وفرض شروطها المستقبلية.
ومن هنا جاءت حالة الصدمة التي عبّر عنها قطاع من الرأي العام اللبناني، وكذلك بعض الأصوات العربية، التي اعتبرت أن الحكومة اللبنانية لم تنجح في تحويل التفوق العسكري الإسرائيلي إلى التزام واضح بالانسحاب، بل وجدت نفسها، من وجهة نظر هؤلاء، تتعامل مع الوقائع التي فرضتها إسرائيل باعتبارها أساسًا للتفاوض. ولذلك وُصف هذا المسار بأنه إخفاق سياسي، لأن الدولة، وفق هذا المنظور، تفاوض على استعادة جزء من سيادتها بدلًا من التمسك بها باعتبارها حقًا غير قابل للمقايضة.
كما يرى أصحاب هذا الرأي أن مسألة سلاح حزب الله، مهما بلغت حساسيتها، تبقى في جوهرها قضية لبنانية داخلية، ولا يمكن فصل معالجتها عن قدرة الدولة على بسط سيادتها الكاملة على أراضيها وتأمين حدودها ومنع أي اعتداءات خارجية. فالدولة التي تُطالب باحتكار السلاح، ينبغي أن تكون في المقابل قادرة على احتكار قرار الحرب والسلم، وحماية حدودها، ومنع أي وجود عسكري أجنبي على أراضيها. أما إذا بقيت الأراضي عرضة للاحتلال أو للاعتداءات، فإن ربط السيادة بتسليم السلاح يظل، في نظر منتقدي هذا المسار، معادلة غير مكتملة، لأنها تطلب من الداخل تقديم التزاماته قبل أن يلتزم الطرف الآخر بإنهاء الاحتلال واحترام السيادة.
ولهذا، فإن الجدل الدائر اليوم لا يتعلق فقط بترتيبات أمنية مؤقتة، بل بمستقبل التوازنات في لبنان والمنطقة بأسرها. فالسؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كانت هذه الترتيبات تمثل مرحلة انتقالية نحو استعادة الاستقرار والسيادة، أم أنها تؤسس لواقع إقليمي جديد تُعاد فيه صياغة الحدود الأمنية والنفوذ السياسي وفق الشروط التي فرضتها إسرائيل بقوة السلاح، ثم سعت إلى تثبيتها عبر التفاهمات السياسية.