في حوار جديد، تستضيف "عرب جورنال" عضو اللجنة المركزية للتيار الشعبي التونسي عبد الوهاب الشيباني، للحديث عن مستجدات اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة في ظل الخروقات الأمريكية للاتفاق، وأهمية الرد العسكري الإيراني الحاسق والسريع على هذه الخروقات في تثبيت معادلة جديدة في خضم المواجهة المفتوحة "القصف مقابل القصف".
ويناقش الحوار أبعاد ما يسمى بـ"الاتفاق الإطاري" الموقع بين السلطة اللبنانية وحكومة الكيان الصهيوني وتداعياته على الداخل اللبناني، وما تحمله بنوده الغامضة التي صاغتها واشنطن في إطار تحركات واسعة وممنهجة لتفجير الأوضاع ودفع لبنان إلى أتون حرب أهلية جديدة.
كما يسلط الحوار الضوء على تداعيات استمرار بعض دول المنطقة في الانجرار خلف الحروب الأمريكية الصهيونية العبثية التي تستهدف الأمة العربية والإسلامية، دون استخلاص الدروس والعبر من التجارب والشواهد التي أثبتت خطورة هذه الحروب والسياسات الأمريكية عموماً على أمن واستقرار شعوبها أولاً قبل خصومها.
عرب جورنال/ حوار / حلمي الكمالي
قراءتي لطبيعة الحرب الصهيو-أمريكية على إيران كمعركة وجودية وصراع للسيطرة على المضائق الإستراتيجية كبدت المعتدين خسائر قصمت أجنحة قواعدهم العسكرية بالمنطقة.
رؤيتنا في التيار الشعبي حول طوفان الأقصى باعتباره بداية النهاية لنظام القطب الواحد الحاكم وإرهاصات ولادة عالم جديد متعدد الأقطاب يغير الخارطة الجيوسياسية.
أؤكد جازماً: زوال الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين مرهونان بالتحرر من حكام التبعية والوكلاء الذين يديرون مصارف تمويل الحروب الأمريكية.
لبنان هو المحور الإستراتيجي للصراع، وما عجز الكيان الصهيو-أمريكي عن تحقيقه عسكرياً يسعى لاختراقه سياسياً عبر وكلائه لإجهاض المقاومة.
استبسال المقاومة وثبات وحدة الساحات سيُفشلان حتماً مساعي أمريكا لتطويع المنطقة ومحاولاتها لفرض اتفاقات العار عبر أنظمة التنسيق الأمني.
تونس تعيش مخاضاً عسيراً بين أطماع الخارج وتخريب الداخل، وصدق النوايا وحده لا يبني دولة، والشعب التونسي لن يفرط في سيادته الوطنية.
_ كيف يمكن مقاربة المشهد المتعلق بإيران اليوم؟ وهل يمكن أن يصمد اتفاق وقف إطلاق النار بالرغم من الانتهاكات الأمريكية المتواصلة، من وجهة نظركم؟ وهل تعتقدون أن الجمهورية الإسلامية نجحت في فرض معادلة جديدة من خلال ردها المباشر على هذه الانتهاكات تحت عنوان عريض مفاده "القصف مقابل القصف"؟ وإلى أين يمكن أن تذهب الأمور في ظل تمسك طهران بشروطها الوطنية لإتمام وقف الحرب من جهة، والشعور العام بالهزيمة والفشل داخل دوائر القرار في الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" من جهة أخرى؟ وماذا يعني أي استئناف للحرب هذه المرة؟
جواباً عن أسئلتكم بشأن الواقع الراهن إقليمياً ودولياً، يمكن الإشارة في البداية إلى أننا إزاء واقع صراع دولي كامل، فيه يصارع الكلُّ ضد الكلِّ، وهي -شئنا أم أبينا- إرهاصات حرب عالمية دولية شاملة تدور رحاها منذ سنوات؛ منها ما هو ظاهر وجلي، ومنها ما هو مغلف. وهي إرهاصات ولادة عالم جديد يسعى للظهور، معلناً تغير الخارطة الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، فضلاً عن تغير آليات الفرز العالمي. طبعاً ليس منذ 7 أكتوبر وطوفان الأقصى الذي هو طوفان العالم، وسيكون وينتهي حتماً إلى طوفان عالمي يجرف منظومة ما بعد الحرب الباردة والعالم المحكوم بنظام القطب الواحد، وظهور عالم متعدد الأقطاب.
حول مقاربة المشهد المتعلق بالحرب الصهيو-أمريكية على إيران ومدى صمود الاتفاق...
نحن في التيار الشعبي وكقوميين ناصريين نؤمن منذ القدم أن الحرب التي يكون الكيان الصهيو-أمريكي طرفاً فيها هي حرب وجود، ولا شك في أن هذه الحرب ليست معزولة عن الصراع العربي الصهيوني، والصراع في أوكرانيا، وكذلك حتى التحولات التي حصلت أو ستحصل في الوطن العربي وشمال إفريقيا وآسيا. وكيان العدو اللقيط المدعوم أمريكياً وغربياً، والذي تم زرعه -بل غرسه- في قلب الوطن العربي والإسلامي هو رأس الحية وهو محور الصراع والوجود.
وفي رأيي، الحرب على إيران هي حرب الحفاظ على الوجود الصهيوني في المنطقة بالنسبة للغرب وأمريكا ومن في ركابهم، وهي جزء من حرب السيطرة على مصادر الطاقة بكل أنواعها وطرق نقلها للعالم، وهو ما جعل مضيق هرمز يمثل رأس الحربة في الصراع؛ لأن أمريكا حتى لو سيطرت على إيران ودمرت منشآتها النووية الناشئة مثلاً، فلا قيمة لذلك ما لم تسيطر على هرمز وباب المندب، وهما بنفس الأهمية برأيي.
لذلك أعيد وأكرر: هذه الحرب الوجودية سوف لن تنتهي ولن تتوقف، وإن حصلت شبه توافقات أو عمليات فرملة للصراع أحياناً، فإن ذلك سيظل مجرد تكتيكات في ظل إستراتيجية الحرب الكبرى لربح الوقت حيناً، ولإدامة الصراع حيناً آخر، ولمزيد من رسم التحالفات قبل ظهور التصادم الدولي الذي تدخله كل القوى الكبرى بشكل مباشر، وهو ما قد يحصل خلال سنة 2027 أو بداية 2028. وحتى يتسنى لنا الحديث عن الحرب ونجاح الاتفاق من عدمه، نعيد طرح السؤال بطريقة ثانية:
ما هي الأهداف المعلنة للحرب الأمريكية الصهيونية على إيران؟
بالنسبة لأمريكا: هدفها الظاهر والجلي هو تغيير النظام الإيراني، والسيطرة على نفط وثروات إيران، وإنهاء المشروع النووي الإيراني الذي تراه تهديداً لمصالحها وللكيان الصهيوني، وتعطيل أو كبح المشروع الصاروخي الباليستي الإيراني.
بالنسبة لدولة الكيان: هدفها من الحرب هو القضاء على الثورة الإيرانية، وإنهاء كل ما له صلة بالمقاومة، ودعم حركة المقاومة في فلسطين ولبنان، ومزيد من قطع أوصال المنطقة وما تسميه إسرائيل وأمريكا ومن في ركابهم من دول الخليج "الهلال الشيعي" الذي أنهكوه من خلال احتلال سوريا وتنصيب زعيم التنظيم الإرهابي "الجولاني" رئيساً في دمشق بمساعدة (تركية وعربية سعودية قطرية إماراتية...).
نسأل مرة أخرى: هل حققت الدول المعتدية هدفاً من أهداف هذه الحرب، وهو المقياس الفعلي والمباشر للحديث عن نصر في الحرب؟
أكيد لم يتحقق أي هدف إستراتيجي مما ذكرنا من أهداف. ربما بعض الانتصارات التكتيكية، ولكنها لم تحقق أي هدف إستراتيجي. وبالتالي، بالنسبة لأمريكا وربيبتها الصهيونية، طالما لم يتحقق أي هدف لا يمكن أن نتحدث عن وقف حرب؛ لأن وقف الحرب هو إعلان انتهاء ترامب ونتنياهو وانتهاء اللوبي الصهيوني في أمريكا، وهو المحدد في وقف الحرب؛ لأن عقد أي اتفاق مرهون بالنتائج الميدانية للحرب، والنتائج تعتبر مذلة لأمريكا وربيبتها اللذين تسيّدا على العالم طوال أكثر من نصف قرن.
كذلك، أي اتفاق بالشروط الحالية بالنسبة لكل من أمريكا والكيان الصهيوني، وبالمعادلات الحالية، نتحدث فيه عن تكريس قواعد اشتباك جديدة عالمياً ليست لصالحهما، بل كرست تهديد وجود الكيان الصهيوني وزادت من خطر تهديد وجوده.
أما أمريكا، فهذه الحرب أعطتها حجمها الطبيعي عسكرياً وسياسياً واقتصادياً؛ إذ طوال أكثر من نصف قرن تنصب نفسها شرطياً على العالم وحارساً للمنطقة من خلال قواعدها العسكرية المتقدمة والمنتشرة في أغلب دول المنطقة، ونجدها اليوم مقطوعة الأواصر والأجنحة، تقريباً كل القواعد تم تدميرها جزئياً أو كلياً، وبالتالي لم تعد بتلك القوة والحجم. فأمريكا على مدى التاريخ تحارب خارج بلادها وبجيوش غيرها، فقط تدير القيادة من داخل قواعدها وتدير العملاء. بانتهاء القواعد، فإن وجود أمريكا في المنطقة يكاد يكون انتهى.
فهل تقبل أمريكا بهذه النتيجة؟ من المستحيل أن تقبل بذلك؛ لأنه سينهي أسطورة شرطي العالم ويفقدها كل عملائها في المنطقة، الذين -رغم النتائج الحالية للحرب- ما زالوا يعلنون الطاعة ببياناتهم واستعدادهم للدفع وتمويل الحروب الأمريكية.
بالنسبة لإيران، لا أعتقد أنها ستبقى مكتوفة الأيدي أو تتغافل عن محاولات أمريكا تحقيق انتصارات بالمفاوضات عجزت عن تحقيقها بقوة السلاح والتكنولوجيا. ولا حتى الصين أو روسيا أو من معهم في الحلف، وخاصة روسيا التي تسعى للتربع على ريادة العالم عسكرياً واقتصادياً، وروسيا التي استفادت في حربها مع أوكرانيا من الحرب الأمريكية الإيرانية بشكل مباشر.
شئنا أم أبينا، هذه الحرب ستتواصل، ولا يمكن أن تُكتب الحياة لهذا الاتفاق، مع أنه سيتم الإبقاء عليه مفتوحاً وسيُترك باب التفاوض موارباً، وتظل الحرب والتسلح والتهديد متواصلة من كل الأطراف لحين إيجاد أحدهم الفرصة للإجهاز على الخصم، أو مزيد من اشتعال الحرب في أكثر من دولة أخرى بصفة مباشرة أو من خلال الوكلاء.
_ بالرغم من الانكشاف الفاضح لسياسة الولايات المتحدة التي ضحت بوكلائها وحلفائها في منطقة الخليج من أجل مصلحة "إسرائيل" خلال الحرب الأخيرة على إيران، لم تسجل دول الخليج أي موقف حقيقي يرفض العربدة الصهيونية الأمريكية التي تهدد وجودها وأمنها القومي، ناهيك عن استمرارها في اتخاذ موقف عدائي غير عقلاني ضد إيران، وهو ما لمسناه من خلال البيان الخليجي الأمريكي الأخير الذي جرّم "الضحية" وبرّأ المجرم؟ أي عواقب لذلك ؟ وإلى متى ستظل هذه الدول مجرد خزينة مفتوحة لتمويل حروب وأجندات الأمريكي على حساب شعوبها وجيرانها، وهو ما كشفه الاتفاق الأخير مع طهران، والذي تعهدت فيه واشنطن بدفع تكاليف آثار العدوان من دول الخليج بمبلغ لا يقل عن 300 مليار دولار؟
بالنسبة إلى دول المنطقة، فللأسف ارتبط وجودها بأمريكا والكيان، وهي منذ وُجدت عبارة عن دول وظيفية بأتم معنى الكلمة، ولا معنى للسيادة لديهم، ولا معنى للقيم لديهم.
منذ وُجدت هذه الدول -التي ارتبط وجودها باكتشاف البتروغاز في المنطقة- مثلت خزانة أمريكا الدائمة والمصرف المركزي الممول للاقتصاد الأمريكي والحروب الأمريكية، بل أكثر من ذلك، تمثل مقاطعات، بل دون ذلك؛ إذ قد لا ترتقي لمستوى قضاء (عمادة أو تجمع سكاني ومالي أمريكي)، وليسوا سوى حراس على ثرواتهم، ويُحكمون من خلال القواعد الأمريكية أو بواسطة ضباط أمريكان، رغم أن الحرب الأخيرة الصهيو-أمريكية على إيران أثبتت لهم أن لا جدوى لوجود القواعد الأمريكية، وثبت عجز هذه القواعد حتى عن حماية جنود أمريكا داخلها.
لكن مقابل ذلك، ومن خلال ما نراه من تصريحات وبيانات صادرة عن دول الخليج يسبحون بحمد أمريكا وإسرائيل، لا يتعدى دورهم الوظيفي مهام الدمى "الابستينية" في قرية الفساد العالمي، ليس لقوة أمريكا أو كيان العدو، ولكن لاستبطان هؤلاء الحكام لفكر الهزيمة وعقلية الهزيمة وروح العمالة. فأمريكا قبل أن تحتل أراضيهم وتنشئ عليها قواعدها وتنهب ثرواتهم، احتلت عقولهم واستعمرت تفكيرهم. نصف قرن من الزمان وأمريكا تكرس سردية أن إيران هي العدو، وأن إسرائيل هي الصديق، وأمريكا هي من تحمي الكل وتحرس الكل.
العقل العربي والذهنية العربية -خاصة لدى الحكام منذ الثورة الإيرانية- أصبحت لا قناعة لدى حكام العرب وشعوبهم التابعة والخانعة سوى أن إيران الشيعية هي العدو، وأن أمريكا هي المنقذ والحامي. لا يهم هؤلاء إن كانت واقعياً أمريكا عاجزة عن ضمان أمنهم، فبالنسبة إليهم إسرائيل جارتهم وصديقتهم ومصلحتها مصلحتهم، وأمريكا حارسهم، وهذا قدرهم.
للأسف، تحول الأمر لديهم إلى قدرية جبرية مع تكذيب الواقع لذلك، وفشل أمريكا في تحقيق أهداف حربها. بالنسبة إليهم، ما لم يتحقق بالعمالة والتبعية لأمريكا والكيان سيتحقق بمزيد من الخيانة العربية، وسيتحقق بمزيد من التطبيع. وما استعداد هذه الدول لدفع الجزية لأمريكا وخلاص فواتير حروبها العالمية إلا دليل على ذلك؛ فأمريكا لا تحارب على أرضها، ولا بجنودها، ولا بأموالها.
وعليه، مرة أخرى أؤكد جازماً أن الحرب ستتواصل، والاتفاق منتهٍ قبل أن يبدأ، ولعل نهاية الحرب -وهذا هو الأقرب- مرتبطة بانتهاء وجود هذه الدويلات العميلة؛ لأن وجود الكيان الصهيوني مرتبط ببقاء هذه الدول، والتحرر من الصهيونية مرتبط بالتحرر من الحكام العملاء. إن تهديد الكيان لغزة ولفلسطين محكوم ببقاء حكام الخليج وببقاء محمود عباس وأمثاله.
_ ما تعليقكم على ما يسمى بـ"الاتفاق الإطاري" الموقع بين السلطة اللبنانية وحكومة الاحتلال الإسرائيلي برعاية أمريكية؟ وهل تعتقدون أن هذا الاتفاق الذي رفضته معظم القوى الوطنية يخدم بشكل مباشر أجندات وأطماع الكيان التي عجز عن تحقيقها في ميدان المواجهة العسكرية طوال الفترة الماضية؟ وإلى أي درجة يمكن أن يُنفذ هذا الاتفاق على الأرض في ظل هذا الرفض وتمسك المقاومة الإسلامية "حزب الله" بتحرير الأرض، والانسحاب الكامل غير المشروط للاحتلال، وهو ما لم يشمله الاتفاق بشكل صريح؟ وهل ترون أن واشنطن تسعى من خلال فرض هذا الاتفاق إلى تفجير الأوضاع داخلياً ودفع لبنان إلى حرب أهلية جديدة؟
الوضع في لبنان هو الوضع الأكثر تعقيداً، وهو محرار ومحور الصراع في المنطقة كلها؛ لأن لبنان خاصرة فلسطين، وهي البيئة والمحيط والإسناد والدعم والعقيدة. لبنان منذ ما قبل سايكس بيكو هي وفلسطين الركيزة الأساسية مع سوريا والأردن، ويمثلان بلاد الشام. لبنان هي بوابة سوريا، وبوابة الأردن، وبوابة فلسطين.
لبنان طوال ما يقارب القرن ساحة الحرب ضد الصهيونية وضد الاستعمار الإنجليزي والعثماني، وقد مثلت وطن المقاومة الفلسطينية والمقاومة العربية على مدى التاريخ. وقد أدرك العدو الصهيوني منذ 8 أكتوبر (يوم واحد بعد انطلاق طوفان الأقصى) أن المقاومة في غزة لا يمكن أن تُهزم طالما المقاومة في لبنان موجودة؛ لأن عقيدة المقاومة الفلسطينية تتغذى من نظيرتها في لبنان ومن إيران رغم الاختلاف العقدي المذهبي. ولبنان، منذ نشأة حركة المقاومة الإسلامية مع حركة أمل في البداية وانبثاق حزب الله منها وتحوله لوعاء يجمع كل المقومات، هي المحدد للعلاقة في الصراع العربي الصهيوني؛ لذلك منذ 8 أكتوبر -بداية الإسناد ووحدة الساحات- عادت "إسرائيل" لضرب المقاومة، وعملت على تحقيق انتصارات إستراتيجية من خلال اغتيال القادة ورأس المقاومة، معتقدة بأن اغتيال سماحة السيد نصر الله وعدد من القادة سيمكنها من النصر الإستراتيجي، ولكن هيهات أن يتحقق، وقد أدركت ذلك وهو ما جعلها تعود لتفكيك سوريا قبل القضاء على لبنان وتطويعه.
منذ 7 أكتوبر، حقق الكيان هدفين إستراتيجيين فقط؛ هما تنصيب الجولاني في سوريا، وتنصيب جوزيف عون ونواف سلام في لبنان. لأن أمريكا والكيان عجزا عن تحقيق أي نصر في غزة رسمياً، وعجزا عن تحقيق أي نصر عسكري في إيران، وعجزا عن تحقيق أي حسم عسكري في لبنان. فقط، إستراتيجياً، يمثل وجود جوزيف عون في قصر بعبدا أكبر تهديد وجودي للمقاومة في فلسطين وفي لبنان ولإيران والعراق، لذلك قلت: يعتبر ذلك نصراً إستراتيجياً.
ما عجزت عنه أمريكا وإسرائيل بقوة السلاح والحرب في كل الساحات، تسعى لتحقيقه بدهاء السياسة وبركات جوزيف عون ونواف سلام؛ لأن وجود هذين العميلين على رأس السلطة في لبنان يعني بقاء التهديد الوجودي للمقاومة الفلسطينية -المنهكة أصلاً بوجود محمود عباس- وتهديداً وجودياً لحزب الله والمقاومة اللبنانية المهددة بالفتنة. كذلك بقاء (جوزيف عون أو كرزاي لبنان) في قصر بعبدا تهديد للاتفاق الإيراني الأمريكي، وبالتالي شبح الحرب ما زال متواصلاً وسيظل طالما حكومات التنسيق الأمني ما زالت في الحكم العربي؛ في فلسطين محمود عباس بنسخته المثيرة، وفي سوريا كرزاي آخر يحاصر لبنان وفلسطين معاً وهو الجولاني، إلى جانب "ملك البندورة" وراعي اتفاق السلام (وادي عربة)، وحفاظ السيسي على "كامب ديفيد".
واقعياً، الوضع معقد وشديد التعقيد، توشك إسرائيل أن تحكم قبضتها على المنطقة، لكن أيضاً بحكم استبسال المقاومة في لبنان، وثبات عقيدة إيران، واستمرار المقاومة اليمنية مع السيد بدر الدين والحوثي، والمقاومة العراقية الثابتة على المبدأ مع محاولات التدجين وخلق الفتنة داخلها، لن يُكتب لاتفاق العار نجاح ولن تتحقق مطامع إسرائيل.
صحيح ضغطت أمريكا بالاتفاق اللبناني من أجل التنصل من اتفاقها مع إيران وفصل الساحات، لكن استمرار قبضة إيران على هرمز لن تمكنهم من الإفلات ولو بعد عقد من الزمن. كذلك، تعبئة وعي الشعب اللبناني بخطورة الاتفاق ونوايا أمريكا بزرع الفتنة وتفجير لبنان داخلياً يمثل ضمانة لوحدة لبنان شعباً وجيشاً ومقاومة، إلى حين تحرير قصر بعبدا من "إسرائيل".
_ بالنسبة للشأن التونسي.. كيف تقرأون المشهد السياسي الذي تشهده تونس خلال الآونة الأخيرة في ظل احتدام التوترات بين السلطة والمعارضة؟ وإلى أين تتجه تونس في خضم هذه الأوضاع؟ وما موقفكم من المواقف السياسية الخارجية لتونس، وعلى رأسها الموقف من العدوان على غزة ولبنان وإيران والعربدة الصهيونية الأمريكية على امتداد المنطقة والإقليم بشكل عام؟ وكيف تلخصون مكانة تونس وحضورها اليوم في محيطها العربي والإسلامي والأفريقي؟
خلال العشرية الأولى من القرن، مثلت تونس حقلاً ومختبراً لتجربة ما سُمي بـ"الربيع العربي" من خلال الاستيلاء على (الحراك الشعبي الجماهيري) التوّاق للحرية، وتم الانحراف بثورتهم وسرقة أهدافها التي ظلت وما زالت مهددة ومتعرجة؛ لأن أداة الغرب في كل المراحل هم وكلاء الغرب من رموز (الإسلام السياسي) الذين حكموا إبان 14 جانفي 2011 على امتداد عشرية كاملة. لكن بعد 25 جويلية، تعطلت تلك الأطماع الصهيونية والغربية في تونس، لكن تعطلها لا يعني انتهاء ذلك؛ فلا الإخوان انتهوا من العبث بالدولة، ولا أدواتهم التي تركوها توقفت عن التخريب، كذلك أطماع الغرب ما زالت متواصلة وستظل إلى حين إزاحة منظومة الحكم الحالية أو خضوعها كلياً لمطالبهم.
بالمحصلة، تونس تعيش مخاضاً عسيراً لعدة أسباب؛ كثرة الأطماع الداخلية والخارجية، وعجز السلطة عن تحقيق مطالب الشعب وعامة الناس، أساساً الشغل والاستقرار الاقتصادي؛ بسبب كثرة العملاء الذين يشتغلون على تخريب الاقتصاد، وغياب الرؤية السياسية الواضحة لمنظومة الحكم مع صدق النوايا لرأس السلطة، لكن صدق النوايا وحده ونظافة اليد بالنسبة للرئيس لن تفيد وحدها ولا يمكن أن تبني الدولة. قد تفلح الدولة وهي عازمة ومستمرة في الحرب على الفساد، والحرب على الجريمة المنظمة، ومكافحة الخيانة؛ لأنه اليوم تكاد لا توجد معارضة حقيقية، وإنما يوجد عملاء للخارج، لذلك هؤلاء يعطلون نمو البلاد ويعطلون تطورها واستقرارها، وقد ينهكون السلطة لكنهم لن يفلحوا؛ لأن الشعب -حتى وإن بدأ يتململ بشأن عجز الحكومات الفاشلة عن تلبية مطالبه- لا ثقة له أيضاً بمن يُسمَّون اليوم معارضة؛ لأن الشعب يراهم خونة وعملاء ولا يراهم معارضة حقيقية فاعلة ووازنة، فضلاً عن استيعابه للتجارب السابقة سواء في تونس أو تجارب دول أخرى جربت بيع أوطانها والتسليم للغرب، لكنها لم تجنِ سوى الفوضى والخراب ورهن السيادة الوطنية، ومهما حصل في تونس فإن الشعب وحكومته لا يمكن أن يتم التفريط في السيادة الوطنية لديهم.
بالنسبة لعلاقة تونس بغزة وشعبها ولبنان والمقاومة، نؤكد أن الوجدان والمخيال الشعبي التونسي يتمثل قضية فلسطين ويعتبرها بوصلة أي صراع والمحدد لأي علاقة دولية. قد يرتفع صوت السلطة أحياناً ومنسوب دعمها للقضية الفلسطينية وأهل غزة، لكنها قد -وهذا حاصل أحياناً- تحاذر فتتوخى تخفيض الصدام وتجنب المواجهة؛ ربما من أجل تقليل الأعداء والخصوم وحفاظاً على الاستقرار الداخلي، خاصة في ظل تصاعد وتيرة التحديات الخارجية بسبب كثرة الخونة الذين رهنوا ذممهم للخارج واستعدادهم لتقديم كل شيء.
نسأل الله أن يحفظ تونس شعباً وحكومة، ويحفظ استقرارها وأمنها داخلياً وخارجياً، ويجنبها الفتن، وأن ينصر المقاومة في كل شبر من الوطن العربي والإسلامي.